لم تكن إسرائيل تتخيل فى يوم من الأيام أنها سوف تقف وجها لوجه فى مواجهة حليفها الإسلامى التقليدى الذى طالما ما إرتبطت معه بعلاقات سياسية وإقتصادية وعسكرية وثيقة على مدار عقود طويلة دون أن يعكر صفو هذه العلاقات الإستراتيجية الهامة لكلا الطرفين أية تجاوزات . غير أن حكومة اليمين المتطرف الحالية جاءت لتضع هذه العلاقة على المحك، وتلقى بنفسها أيضا فى إختبار ربما يضع الكيان الصهيونى بأكمله فى ورطة قد يكون من الصعب الخروج منها دون تكبد خسائر سياسية ودبلوماسية وربما إقتصادية فادحة... فتقرير بالمر الأممى الذى إعتبر أن الحصار البحرى لقطاع غزة أمر لا يخالف القانون الدولى، والذى تم تسريبه مؤخرا جاء ليمثل الركيزة التى إعتمدت عليها الحكومة التركية فى تبنى رد فعل عنيف تجاه الصلف الذى أظهره السياسيون الإسرائيليون فى إصرارهم على عدم تقديم أية إعتذارات رسمية للحكومة التركية بخصوص مقتل نشطاء أتراك أثناء التصدى إلى السفينة التركية مرمرة أثناء توجهها إلى غزة لكسر الحصار عن الشعب الفلسطينى الأعزل.. وما أبداه أيضا هؤلاء من رعونة دبلوماسية فى التعامل مع الأزمة . على الجهة الأخرى فقد قوبل ذلك بذكاء متزن وحسن تقدير للموقف من قبل صانعى القرار الأتراك الذين لم يلجأوا فى الواقع إلى الإسهاب فى الرد الذى فاق مجرد طرد السفير الإسرائيلى فى أنقرة، وذهب إلى تعليق جميع الإتفاقيات العسكرية وكذلك إرسال سفن تحمل مساعدات إلى غزة مرة أخرى ولكن تحت حماية قطع من الأسطول البحرى التركى هذه المرة.. إلا بعد الإطمئنان إلى الجانبين الأوروبى والأمريكى وضمان تحييدهما على الأقل فى بداية الأمر ومع بدء إشتعال الأزمة، عن طريق الموافقة على إستضافة تركيا لدرع حلف شمال الأطلسى – الناتو – الصاروخى على أراضيها قبيل أيام من اللجوء إلى التصعيد ضد إسرائيل . إستنادا إلى ذلك، فقد لجأ كثير من المحليين إلى عقد مقارنة - قد تكون بعيدة قليلا عن الإنصاف – بين الموقفين المصرى والتركى من الأزمة التى وضعت كل منهما فى مواجهة العدو الصهيونى، ففى الوقت الذى جاء فيه رد الفعل المصرى تجاه إسرائيل - عقب تأزم الموقف بين البلدين بسبب الحادث الحدودى الأخير وما أعقبه من تصريحات - فى نظر البعض مخيبا للأمال، فقد ظهرت الإستجابة التركية لتعكس حالة الإستقرار السياسي الداخلى المرتكزة على الشرعية المكتسبة من الشارع، وأيضا النمو الإقتصادى المتزايد الذى تتمتع به البلاد، وهو ما تفتقر إليه مصر فى هذه الأثناء . ولكن مازال هناك فارق كبير فى الظروف المحيطة بكلا من متخذى القرار فى كلا البلدين، فلا شك أن الأتراك قد دخلوا فى مفاوضات دبلوماسية بخصوص هذا الشأن منذ فترة ليست بالقليلة، فى حين أن مصر مازالت تتمتع ببعض الأوراق السياسية والدبلوماسية التى من الممكن اللجوء إليها لاحقا لمجابهة أية تحديات قد يفرضها العدو الصهيونى فى المسقبل، كما أننا لا يجب أن نغفل فى الوقت نفسه أن الموقف التركى كان وليدا لتأثير الحراك السياسى والشعبى المصرى الذى نجح فى تشكيل ضغطا هائلا على القادة الإسرائيليين فى تل أبيب، ومن ثم سعت إسرائيل إلى الزج بالوسيط الأمريكى التقليدى حتى لا تتفاقم الأزمة، وحتى لا تتخذ منحا أخرا قد يشكل ضررا بالغا على المصالح الإسرائيلية فى المنطقة . يجب تفهم أيضا أن إسرائيل مازالت لا تدرك أنها بالفعل تواجه شرق أوسطا جديدا، وأنها تتلقى ضربات موجعة يوما بعد يوم مع سقوط أحد حلفائها، فى الوقت الذى يتزايد فيه النفوذ الإيرانى والتركى فى المنطقة، وأيضا مع تحول سياسة مصر الخارجية إلى الندية وتبنيها لمبدأ المصالح المتبادلة، مما سيؤدى فى النهاية إلى قيام حلف جديد قد يحيط بإسرائيل من جميع الجهات على غرار حلف " الدائرة " الذى سعى رئيس الوزراء الإسرائيلى السابق ديفيد بن جوريون إلى تشكيله ليحيط بالعالم العربى من قبل.. ولكن تأتى المفارقة هنا فى أن أحد الأعضاء الرئيسيين فى حلف بن جوريون هو نفسه من يحاول تطويق إسرائيل الأن دبلوماسيا وعسكريا . كل هذا يأتى بالتزامن مع " الإنتفاضة الدبلوماسية " التى أطلقتها السلطة الفلسطينية بالتنسيق مع غالبية الدول العربية لكسب إعتراف ثلثى أعضاء الجمعية العامة بالأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية فيما يعرف " بإسحقاق سبتمبر " والذى سوف يمثل خطوة هامة نحو عزل الكيان الصهيونى سياسيا وإقليميا . داخليا.. فلا أحد يستطيع أن ينكر أن الحكومة الإسرائيلية الحالية قد وضعت نفسها فى مأزق كبير قد يؤدى إلى تزايد الإحتجاجات التى كانت قد إندلعت بسبب شظف الحياة وإرتفاع أسعار السكن والغذاء وربما قد يأتى الإعتراض على السياسة الخارجية التى تتبناها هذه الحكومة الأن كأحد هذه المطالب، علاوة على ذلك تنكص الحكومة لهؤلاء المحتجين وعدم الإستجابة إلى مطالبهم . أما إذا عدنا إلى الجانب المصرى فأعتقد أن الصدام الإسرائيلى – التركى الحالى ربما يصب فى المصلحة المصرية إذا قامت السلطات فى القاهرة بإستغلال الموقف القائم فى الضغط على الحكومة الإسرائيلية لزيادة أعداد القوات فى سيناء والسماح بإدخال أسلحة ثقيلة إلى المنطقة الحدودية، وإعادة صياغة بعض بنود " معاهدة السلام " المجحفة بما يتناسب مع السياسة الجديدة التى تسعى مصر لإنتهاجها لتتوافق مع متطلبات الشارع المصرى فى مرحلة ما بعد الثورة .