إن شئت أن ترى رأيت الزمن في رمضان، وقد اشتمل على مسحة من أخلاق القرآن لمّّا كان نزول القرآن فيه؛ ولبس المؤمنون فيه من هذه الأخلاق أجملها وكلها جميل، ومن هذه المعاني أسماها وأكملها وكلها سمي كامل، ومن الفضائل أرفعها وأنبلها وكلها رفيع نبيل، ومن المكارم أعلاها وكلها عال؛ فتجلت عطايا القرآن في زمان الصيام في الأيادي الطاهرة والأرواح الخيرة .. ممتدة بالخير للمحتاجين دون مسألة، ورافعة للكرب عن المكروبين دون مذلة... فإذا موائد الخير في أزقة الفقراء كما هي في ميادين الأغنياء بالعطاء مبذولة، ويد المنح من الجميع للجميع ممدودة.. فلو صح أن يُسمى رمضان بغير اسمه، لكان شهر الخير والعطاء، وشهر البر بالغير دون جفاء.. أليس هذا الخير من وجوه اليسر الموعود في الذكر المشهود: “يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ...” فكان جود الإنسان الزماني من جود الزمان الرباني، والله “طيب يحب الطيب... كريم يحب الكرم.. جواد يحب الجود.” (الترمذي). ولا قيام للمجتمعات إلا بالجود، هذا الجود الذي نسميه اليوم العمل التطوعي، والعمل الخيري، وتقوم له في حياتنا جمعيات وتعمل على تحقيق إنجازات ومشروعات، هي جميعها آيات حضارية تلتها آيات الصيام على مسامع الزمان أفعالا ومآثر من قديم الزمن فلم تكن مجرد أقوال باردة أو مواعظ ميتة... ف«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن فَلَرَسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة.» (البخاري) فلو أنعمت النظر، مليت عين فؤادك برمضان وقد اجتمع فيه شرف الأرض في شخص النبي صلى الله عليه وسلم وأمين السماء جبريل عليه السلام فتلاقي فيه صدر الإنسانية محمد مع مقدم الملائكة جبريل، وعمارة هذا التلاقي “الدرس والعلم”، وثمرة هذا اللقاء “الجود” فلا خير في درس لا يعلم العطاء، ولا خير في صداقة لا تمنح الخير، ولا خير في زمن لا يبني في الإنسان القدرة على منح الخير للغير.. ثم هذه الإشارة في اجتماع الإنسان والملك على العلم بلوغا للخير، ألا تهدينا إلى أن أرفع مدارسة العلم هي التي تصحبها تلك الروح العلوية الملائكية الشفافة التي تنزع إلى السماء وتعرج إلى الله في جهادها وعلومها بهبة الخير للغير، ولعل تهئية الصيام للنفس في رمضان لصحبة القرآن هو ما يؤهل الإنسان لهذا النوع من الحياة الفريدة مع القرآن، لذلك اجتمع الصيام والقرآن في الشفاعة للإنسان في الآخرة كما اجتمع الإنسان بهما في الدنيا، كما في قول الحبيب: “الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَقُولُ : الصِّيَامُ أَيْ رَبِّ ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ : مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، قَالَ فَيُشَفَّعَانِ..(أحمد). وجدير بكل مؤمن أن يجعل درس العطاء والمودة والإحسان وتدريباته في رمضان سلوكا له طوال العام، فلو استطعنا أن نصل بهذه الرسالة إلى فئة من الناس كبيرة لما استشعر أحد الحرمان ولما عاني مراراة الهوان.. وكل رمضان وأنتم للإحسان أهل وبه أجمل.