الرئيس السيسي يوجه بضرورة تقديم أقصى درجات الرعاية لأبناء الوطن في الخارج    عاجل- الرئيس السيسي يؤكد أهمية التعاون مع الدول الصديقة لتسوية أزمات المنطقة وتجنب التصعيد    نقيب البيطريين ينعى والد الدكتور مصطفى مدبولي    ضبط 14 طن دقيق بقضايا تموينية و10 ملايين حصيلة النقد الأجنبي خلال 24 ساعة    غدا.. «العلم والإلحاد» حلقة خاصة لمعز مسعود على شاشة التليفزيون المصري    تعرف على تفاصيل فيلم جيسون ستاثام الجديد Mutiny    الرئيس السيسي يبحث سبل تعزيز العلاقات بين مصر وكينيا    وزير التعليم يستقبل رئيس جامعة هيروشيما لبحث التعاون لتنفيذ منهج "الثقافة المالية" للثانوي    قائد مدفعية وأحد أبطال حرب أكتوبر، محطات في حياة الراحل كمال مدبولي (بروفايل)    بدء تشغيل حافلة كهربائية لذوي الهمم بجامعة قنا    الرئيس السيسى يؤكد اعتزاز مصر بالعلاقات الاستراتيجية مع روسيا وتقديره الكبير لبوتين.. ومساعد الرئيس الروسى: حريصون على مواصلة العمل المشترك مع القاهرة لتفعيل بنود الشراكة الاستراتيجية وبحث التعاون فى الملاحة    الاحتلال الإسرائيلى يقتحم مدينة نابلس وبلدة سردا    خبر في الجول - إنبي يقرر رحيل الجهاز الإداري قبل مواجهة الزمالك    تشكيل مانشستر يونايتد المتوقع أمام برينتفورد في الدوري الإنجليزي    الزمالك ينعى اللواء كمال مدبولى والد رئيس الوزراء    وزارة «التضامن» تقر قيد 11 جمعية في 4 محافظات    مياه القناة تعلن الطوارئ لمواجهة الأمطار وانتشار مكثف للمعدات بالشوارع    مصرع 3 أشخاص وإصابة 7 آخرين في حادث تصادم أعلى الطريق الدائري بالوراق    بدء ثانى جلسات محاكمة المتهمين بواقعة الملابس النسائية بجنايات بنها    الداخلية تكشف حقيقة تعدي فرد شرطة وأسرته على سيارة مواطن بالمنوفية    قنابل موقوتة فى الأسواق.. الأمن يداهم مصنعاً لإنتاج طفايات حريق مغشوشة    الشيوخ يقر ثورة تصحيحية فى التأمينات.. زيادة تدريجية بالقسط السنوى تصل 7% 2029    تراجع سعر الدولار مقابل الجنيه خلال منتصف تعاملات اليوم    بطرس دانيال: مهرجان المركز الكاثوليكي للسينما منصة للفن الهادف والرسالة الإنسانية    الرعاية الصحية: إنقاذ طفل مريض بالأكاليزيا بجراحة دقيقة غير مسبوقة    الصحة تطلق برنامجاً تدريبياً لتطوير فرق الطوارئ الطبية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية    ادعو ل هانى شاكر بالشفاء العاجل: آخر تطورات الحالة الصحية    الجيش الإسرائيلي يدمر أكثر من 50 موقعًا بالبنية التحتية بجنوب لبنان    27 أبريل 2026.. تباين في سعر صرف الدولار أمام الجنيه ببداية التعاملات    تأجيل إعادة إجراءات محاكمة عامل بتهمة الشروع في قتل زميله بالمعصرة    «القومي للطفولة» يتلقى 143 ألف مكالمة عبر خط نجدة الطفل خلال 3 أشهر    مشاجرة في الإسكندرية بالأسلحة البيضاء، والأمن يكشف تفاصيل الفيديو    المتحدث باسم وزارة الرياضة: ملف المراهنات في غاية الخطورة.. ورصدنا تفاصيل شديدة التعقيد    قبل مواجهة إنبي.. حصاد معتمد جمال يعكس قوة الزمالك    هبوط نانت، ترتيب الدوري الفرنسي بعد الجولة ال 31    ممرات آمنة وكردونات مشددة لتأمين مباراة الزمالك وإنبي    مازن الغرباوي رئيسا للجنة تحكيم مهرجان SITFY Georgia في دورته الثانية    «سطلانة» تصل لهوليوود.. حمدي بتشان يكشف التفاصيل    الأربعاء.. المركز القومي للمسرح والموسيقى يحتفل ب"اليوم العالمي للرقص"    وزير النقل يشهد توقيع اتفاقيتين لتصنيع 500 عربة سكة حديد وإدارة ورش كوم أبو راضى    رئيس جامعة الوادي الجديد: اتخاذ خطوات وإجراءات تنفيذية لإنشاء المستشفى الجامعي الجديد    أبرز 3 مشروبات تحسن من عملية الهضم وتعزز من صحة الأمعاء    علاج طبيعي القاهرة تحصل على تجديد 3 شهادات الأيزو للجودة والسلامة والصحة المهنية    قضية الطالبة كارما.. استئناف 3 طالبات متهمات بالتعدي على زميلتهن داخل مدرسة    المتهم بإطلاق النار عبر عن استيائه من ترامب في كتابات لعائلته    الرئيس الأمريكي: الحرب مع إيران ستنتهي قريبا جدا وسننتصر    إيران تبدأ التنسيق لما بعد الحرب.. "عراقجي" يصل إلى روسيا ولقاء مرتقب مع بوتين    القصر العيني يُطلق استعداداته للمئوية الثانية.. اجتماع اللجنة العليا السابع يُقرّ خطط التوثيق والإعلام والشراكات الدولية    محمود محي الدين: القطاع الخاص يطالب الآن بالفرصة.. ويجب تخارج الدولة من القطاعات التي يستطيع إدارتها    إعلام عبري: أزمة نقص حادة بالصواريخ الاعتراضية في إسرائيل    عروض مسرح الطفل بكفر الشيخ تتواصل ب"محكمة الحواديت" ضمن فعاليات قصور الثقافة    عبدالجليل: الزمالك يتفوق بالمرتدات.. ومحمد شريف الأنسب لقيادة هجوم الأهلي أمام بيراميدز    الأنبا بولا: "محضر الخطوبة" في قانون الأسرة المسيحية بصيغة جديدة ملزمة.. وشهادات وفحوصات قبل إتمامها    حكم المصافحة بين المصلين.. "الإفتاء" توضح    هل الشبكة من حق المخطوبة بعد وفاة الخاطب؟ أمينة الفتوى تجيب    نائب ينتقد المراهنات الرياضية في مصر: تناقض واضح بين الواقع والقانون    رمضان عبد المعز: أفضل أوقات الدعاء بعد الصلوات المكتوبة وفى جوف الليل    برلماني يحذر من مخاطر منصات المراهنات الإلكترونية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



النهر واحد.. لكن الحكام أنواع.. 3 رؤساء وحوض النيل.. عناق فجفاء ففراق.. ثم «نوبة صحيان»

مثلما كانت هناك اختلافات فى سياسات الرؤساء الثلاثة: جمال عبدالناصر وأنور السادات وحسنى مبارك، تجاه القضايا والأحداث التى مرّت بها مصر فى عهودهم، من الصراع مع إسرائيل إلى تنمية الداخل، ومن الملفات العربية إلى الرؤى الاقتصادية، فإن هذه الاختلافات تظهر واضحة فى كيفية إدارة العلاقات مع دول حوض النيل خاصة والقارة الأفريقية على وجه العموم.
فمن اعتبار القارة السمراء ودول الحوض بُعدا استراتيجيا لمصر وتقديم الدعم لثوارها وجعل أفريقيا بابا مغلقا أمام إسرائيل، إلى ما يمكن تسميته «إعطاء الظهر» للقارة والتهديد بشن حرب مع بعض دول الحوض والانقلاب من دعم الثوار إلى تثبيت عروش الديكتاتوريين، وصولا إلى علاقات «جامدة» مع الامتداد الطبيعى لمصر فى الجنوب والاتجاه للشمال ثم نوبة صحيان على وقع طبول التذمر والعصيان التى دقتها دول المنابع فى «عنتيبى».. كلها صفحات من طريقة تعامل «3 رؤساء مع حوض واحد».
ناصر.. احتوى دول النهر فباركت بناء السد العالى
«إنه زعيم زعماء أفريقيا».. بهذه العبارة لخّص نيلسون مانديلا مكانة جمال عبدالناصر بالنسبة للقارة السمراء، وزاد خلال زيارته الأولى لمصر عام 1995 وأثناء تكريمه بجامعة القاهرة: «كان لدىّ موعد قد تأخر ربع قرن مع رجل رفعت رأسى من بعيد كى يراه، ثم حالت ظروف قاهرة بينه وبينى لألقاه، وحين جئت إلى مصر فقد كان من سوء حظى أن جمال عبدالناصر لم يعد هناك، سأزور فى مصر ثلاثة أماكن: الأهرامات والنيل العظيم وضريح الرئيس جمال عبدالناصر».
كلمات مانديلا- بما له من مكانة كبرى فى القارة- هى انعكاس لسياسة عبدالناصر الداعمة والمحتضنة لقضايا أفريقيا عموما ودول حوض النيل على وجه الخصوص.
وكان مانديلا أيضا هو الذى صرح فى المؤتمر الصحفى عقب فوز جنوب أفريقيا بتنظيم كأس العالم 2010، وحصول مصر على صفر من الأصوات: «لو كان جمال عبدالناصر على قيد الحياة، ودخلت مصر المنافسة أمام جنوب أفريقيا على شرف استضافة البطولة لانسحبت جنوب أفريقيا على الفور من الوقوف أمام مصر، ولكن الظروف تغيرت الآن ومصر لم تعد مصر عبدالناصر».
وفى ظل ما تواجهه مصر من مشاكل حاليا مع دول الحوض، جاءت شهادة رئيس الوزراء الكينى رايلا أودينجا أثناء زيارته الأخيرة لمصر، لتؤكد مدى إيجابية دور جمال عبدالناصر فى دول المنابع، «الدول الأفريقية لن تكون وفية لما قدمته مصر عبدالناصر، إذا أضرت بمصالح مصر فى نهر النيل، والدور التاريخى الذى لعبته مصر فى عهد الرئيس عبدالناصر هو الذى حرر القارة السمراء» هكذا قال أودينجا الذى عبر عن امتنانه البالغ لمصر وزعيمها عبدالناصر الذى منح والده جاراموجى أودينجا جواز سفر مصرياً، ليتمكن من التحرك بحرية بعد أن سحب الاستعمار البريطانى أوراق والده ليمنعه من المطالبة باستقلال كينيا فى المحافل الدولية.
وعلى الرغم من هذه الشهادة، فإن بعض الشخصيات البارزة فى الحزب الوطنى، اتهموا الرئيس جمال عبدالناصر بالتسبب فى سوء العلاقات المصرية- الأفريقية لاهتمامه بالعرب على حساب الأفارقة، وكان الدكتور مصطفى الفقى رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشعب هو أول من صرح بذلك ثم نشر الدكتور عبدالمنعم سعيد رئيس مجلس إدارة الأهرام مقالا يحمل نفس المعنى.
لكن محمد فائق، وزير الإعلام الأسبق، الذى يعد رجل عبدالناصر للمهام الخاصة فى أفريقيا، أصدر كتابا عنوانه «عبدالناصر والثورة الأفريقية»، تضمن كثيرا من الوقائع والأدلة التى تثبت رؤية الرئيس عبدالناصر بعيدة النظر لأهمية القارة الأفريقية بالنسبة لمصر، ودول حوض النيل بالذات، مشيرا إلى أن عبدالناصر هو الذى ساعد على تحرير كينيا وأوغندا وتنزانيا والكونغو وهى من أبرز دول حوض النيل.
مشيرا إلى أنه فى عام 1963 أنشأ الرئيس جمال مع قادة أفريقيا منظمة الوحدة الأفريقية، وجعل عبدالناصر مقرها فى إثيوبيا إرضاء لشعوب أفريقيا على اعتبار أن شعب إثيوبيا أسود مثلهم، والأهم إرضاء الإمبراطور الإثيوبى هيلاسيلاسى الذى كان يحاول بين وقت وآخر الاحتجاج على مشروعات المياه المصرية والسد العالى.
كما يذكر فائق الدور الهائل لشركة النصر للاستيراد والتصدير التى أنشئت بقرار من عبدالناصر لربط مصالح دول أفريقيا واقتصادها مع مصر وكان لديها فروع فى 25 دولة أفريقية.
ويتناول فائق ملاحظة الرئيس عبدالناصر لخطة الاستعمار بتعليم الأقليات المسيحية فى الدول الأفريقية ذات الأغلبية المسلمة العلوم الطبيعية (الطب-الهندسة-الصيدلة)، وذلك لكى يخلق منهم طبقة موالية له دينيا وسياسيا تتحكم فى الأغلبية المسلمة، لذا كان قرار عبدالناصر تحويل الأزهر إلى جامعة عصرية وإنشاء مدينة البعوث الإسلامية لاستقبال آلاف الطلاب الأفارقة وربطهم بمصر عبر تعليمهم علوم العصر وهو ما أتى ثماره فيما بعد فقد أصبح منهم حكام ووزراء ومسؤولون فى بلدانهم.
كما أنشأ عبدالناصر بأموال الدولة المصرية البطريركية المرقسية فى القاهرة لتكون الكنيسة الأم فى القارة الأفريقية، وتنضوى تحت سلطتها الكنيسة الإثيوبية، ويصبح البابا المصرى هو الزعيم الروحى لمسيحيى إثيوبيا وحكامها، ودعا الإمبراطور هيلاسيلاسى لحضور حفل افتتاحها عام 1964.
ويقول الدكتور سامى منصور، مستشار مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية ب«الأهرام»، إن القارة السمراء استحوذت على أهمية محورية فى فكر عبدالناصر، مشيرا إلى أنه فى كتابه «فلسفة الثورة»، جعل الدائرة الأفريقية إحدى الدوائر الثلاث للسياسة الخارجية المصرية بعد الدائرة العربية والإسلامية، وتحرير أفريقيا استكمالاً لتحرير مصر.
وأشار منصور إلى أن عبدالناصر أرسى قواعد دبلوماسية التنمية من خلال تقديم قروض ومساعدات مادية حسب الإمكانات المتاحة آنذاك لبعض دول القارة، خاصة دول حوض النيل، إلى جانب المساعدات الفنية المصرية، لافتا إلى أن عبدالناصر كان رمزا وملهما لكل قادة التحرر فى أفريقيا، منوها بأن الرئيس المصرى الراحل هو الذى أوفد الأطباء والمهندسين والمدرسين إلى دول القارة الأفريقية، وامتد نفوذ مصر فى أفريقيا فى عهده من شمال القارة إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، بل كانت مصانع النسيج المصرية تنتج الأزياء الوطنية للأفارقة ولديها خطوط إنتاج مخصصة لاحتياجات الدول الأفريقية.
وأكد منصور أن النفوذ المصرى فى أفريقيا وصل فى عهد جمال عبدالناصر إلى الحد الذى جعل فرنسا تفاوض مصر على اقتسام مناطق النفوذ فى القارة السمراء.
وأشار إلى كتيب «جمال حمدان ولمحات من مذكراته الخاصة»، الذى قال فيه العالم الراحل إن جمال عبدالناصر «هو الحاكم المصرى الوحيد الذى فهم الجغرافيا السياسية لمصر».
السا دات.. رحلة الخروج الكبير من أفريقيا
هناك إجماع بين المحللين على أن مصر بدأت فى عهد الرئيس السادات، الخروج من أفريقيا ودخول إسرائيل مكانها، حيث تحولت القارة السمراء إلى ساحة من ساحات الحرب الباردة، وانخرط الرئيس الراحل فى مغامرات اعتبرها خصومه «عقيمة»، وتخدم مصالح القوى الإمبريالية، وكان منها نادى «السافارى»، وهو حلف ضم 5 دول هى «فرنسا وإيران» فى عهد الشاه، والسعودية والمغرب، فضلا عن مصر.
وكان هدف هذا الحلف حماية المصالح الغربية فى أفريقيا عبر محاربة التسلل الشيوعى فى القارة السمراء، وعندما تعرضت سلطة الديكتاتور موبوتو سيسى سيكو للخطر فى الكونغو «زائير وقتها»، تدخلت قوات مصرية ومغربية تابعة للنادى لإجهاض التمرد، وتثبيت موبوتو على عرشه، كما حارب نادى السافارى الثورة الشيوعية فى إثيوبيا التى قادها منجستو هيلا ميريام، وهو ما تسبب فى أزمة فى العلاقات المصرية الإثيوبية وقتها.
ويؤكد معارضو الرئيس الراحل أن نشاط نادى السافارى الذى ورط فيه السادات مصر، كان يتم برعاية وتنسيق من المخابرات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلى، منوهين فى الوقت نفسه إلى أنه فى عهد السادات تم إهمال نشاط شركة النصر للاستيراد والتصدير إلى أن تمت تصفيتها فى الثمانينيات.
ويقول الدكتور بطرس غالى، الذى حمل على عاتقه ملف العلاقات مع أفريقيا من خلال وزارة الدولة للشؤون الخارجية، فى كتابه «طريق مصر إلى القدس» إنه سافر إلى إثيوبيا حاملا رسالة من السادات إلى هيلاميريام، ولكن منجستو رفض مقابلته وكلَّف أحد وكلاء وزارة الخارجية الإثيوبية بتسلم رسالة السادات منه وهو فى المطار، دون أن يسمح له بمجرد الخروج من المطار، وبعدها استقل الدكتور غالى الطائرة عائدا إلى مصر.
ويشير غالى إلى أن كل همه كان ألا تعرف الصحافة بالأمر، وفى موضع آخر من نفس الكتاب يقول إنه رصد تراجع الدور المصرى فى أفريقيا، لذا طلب من أنيس منصور الصحفى المقرب من الرئيس السادات، أن يفاتح الرئيس فى ذلك خاصة بشأن سوء العلاقات المصرية الإثيوبية، وأهمية تحصين حقوق مصر فى مياه النيل القادمة من هضبة الحبشة، ولكن أنيس منصور رفض ذلك وقال لغالى: «إن مثل هذه المسائل لا تهم الرئيس الآن، فهو لا يهتم إلا بمصلحته السياسية المباشرة».
ووصلت الأزمة بين السادات وإثيوبيا، إحدى أهم دول حوض النيل، إلى الذروة بعد تهديد الرئيس الراحل بشن الحرب على أديس أبابا، عقب الأزمة التى تسبب فيها هو نفسه عندما أعلن فجأة عن مشروع أطلق عليه اسم «زمزم الجديدة»، ويقضى بتوصيل مياه النيل إلى مدينة القدس ليشرب منها الحجاج المسلمون والمسيحيون واليهود للمدينة المقدسة، وكذلك توصيلها لصحراء النقب فى إسرائيل مقابل موافقة رئيس وزرائها وقتها مناحيم بيجن على الجلاء عن الأراضى الفلسطينية.
وأعلن السادات أثناء زيارته الشهيرة للقدس فى 1979، اعتزامه مد مياه النيل التى ستروى سيناء إلى صحراء النقب فى إطار اتفاق عام للسلام بين إسرائيل والبلدان العربية، والمعروف أن الرئيس الراحل كان قد استخدم فكرة مشروع «ترعة السلام» كورقة تفاوضية لحث إسرائيل على احترام حقوق العرب- المسلمين فى مدينة القدس، ووقف النشاط الاستيطانى فى الضفة الغربية وغزة، والبدء فى إزالة المستوطنات القائمة آنذاك.
وهدد الرئيس الإثيوبى وقتها منجستو هيلا ميريام بالتدخل لخفض حصة مصر من المياه مادام لديها فائض ترسله لإسرائيل، بالإضافة إلى عدم جواز نقل المياه إلى دول أخرى وفى قارة أخرى، ورد على التهديد المصرى بشن الحرب على بلاده بقوله إنه سيحوّل مياه النيل إلى لون الدم.
كما أن الرئيس السودانى وقتها جعفر النميرى سارع برفض اقتراح السادات، فما كان من الأخير إلا أن تهكم عليه فى خطبة علنية وهدد باللجوء إلى القوة لإجبار إثيوبيا على التراجع عن مطالبها آنذاك بإعادة النظر فى الطريقة التى تتقاسم بها دول حوض النيل مياه نهر النيل.
وأكد السادات أن الجيش المصرى لن يحارب خارج حدوده، إلا من أجل المياه وذلك عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل.
وإذا كان خصوم السادات يقولون إنه أعطى ظهره لأفريقيا ودول حوض النيل، فإنه فى المقابل وجد من يلتمس له العذر، بأن مصر كلها أعطت ظهرها للقارة السمراء بعد هزيمة يونيو 1967، وأنه كان المهم وقتها تركيز الجهود نحو الشرق حيث القوات الإسرائيلية التى تحتل سيناء.
مبارك.. جمود ينتهى بمحاولات ل«إنقاذ ما يمكن إنقاذه»
بعد اغتيال الرئيس السادات، وتولى الرئيس مبارك للرئاسة، حدثت مشاكل بين مصر والسودان عقب الانقلاب العسكرى الذى قادته جبهة الإنقاذ عام 1989، والدور الذى لعبه حسن الترابى- شريك البشير فى السلطة وقتها- فى تأزيم العلاقة مع مصر، ودعمت مصر حركة تحرير جنوب السودان بزعامة الراحل جون جارانج ضد نظام «البشير-الترابى»، ثم انفجرت الأوضاع بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك فى إثيوبيا عام 1995 لتصل إلى أسوأ ما يمكن، ليبدأ بعدها النزاع المصرى السودانى على مثلث حلايب وشلاتين.
وبعد خروج الترابى من السلطة فى الخرطوم بدأت العلاقات المصرية السودانية تتحسن مرة أخرى، وتوقفت مصر عن دعم حركة تحرير جنوب السودان، ولكن فى نفس الوقت بدأ الدخول الإسرائيلى والأمريكى والصينى والإيرانى فى القارة الأفريقية، وكان ذلك خصما من الدور المصرى الذى بدأ مسيرة انحداره منذ عهد الرئيس السادات، وعلى الرغم من أن مصر تمتلك أضخم تمثيل دبلوماسى فى القارة السمراء، فإن الخبراء يشككون فى كفاءة الدبلوماسيين المصريين بالقارة، واعتبر البعض أن دور مصر فى منظمة الوحدة الأفريقية- التى تحولت إلى الاتحاد الأفريقى- ورثته ليبيا. وانتقد البعض الثالث غياب الرئيس مبارك عن القمم الأفريقية منذ حادث أديس أبابا، مشيرين إلى أن عدم حضوره يعد فى نظر كثير من الأفارقة بمثابة «استعلاء» عليهم.
وبعد الأزمة الأخيرة عقب توقيع اتفاقية «عنتيبى»، بدأ الرئيس مبارك تحركات وصفها دبلوماسيون ب«الواعية والذكية والهادئة» لاستعادة الود فى علاقات القاهرة مع دول حوض النيل من ناحية، وإحباط ما يعتبرونه «مؤامرة» تحاك سرا ضد مصر من ناحية أخرى.
وسرعان ما تلقفت أجهزة الدولة ووزاراتها تعليمات الرئيس بإعادة النظر فى العلاقات مع دول الحوض ودعمها، حتى راحت مختلف الجهات تعلن استعدادها للتعاون المكثف مع دول المنابع، من الكهرباء والزراعة، إلى الاستثمار وكرة القدم. وباختصار، فإن السنوات الثلاثين الأخيرة وهى فترة حكم مبارك، شهدت انكماشا وترديا فى العلاقات أو جمودا بين مصر من جهة، وكل دول النيل الأخرى- بما فى ذلك السودان- من جهة ثانية.
ولذلك فإن اجتماع شرم الشيخ الأخير انتهى إلى وقوف مصر والسودان «دولتى المرور والمصب» معا فى جانب، وكل دول المنابع فى الجانب الآخر. ومثلما دافع الكاتب الصحفى محمد أبوالحديد، عن مواقف الرئيس السادات فى دول حوض النيل والقارة الأفريقية، فقد حمل أيضا راية الدفاع عن دور الرئيس مبارك فى المنطقة نفسها، وذلك فى مواجهة الانتقادات الكثيرة التى وجهها خلال الآونة كثير من الخبراء والسياسيين والكتاب حول ما يعتبرونه «فشل النظام» فى إدارة هذا الملف.
«أفريقيا فى قلب وعقل مبارك، حتى قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية.. وكان فى قلبها وعقلها»، هكذا أجمل أبوالحديد رؤيته لمواقف الرئيس من القارة السمراء، مذكّرا بأنه بعد حرب أكتوبر كان (الملف الأفريقى) على رأس عدد من الملفات الخارجية التى أسند الرئيس السادات مهمة متابعتها لنائبه محمد حسنى مبارك، مشيرا إلى أن مبارك قام فى أواخر السبعينيات بجولة «هائلة» شملت زيارة عشر دول أفريقية فى شرق وجنوب القارة استغرقت 12 يوما، وكان من بينها أربع من دول حوض النيل هى السودان وكينيا وأوغندا وتنزانيا بالإضافة إلى تشاد والصومال وجيبوتى وزامبيا وموزمبيق، و«رأيت كيف كانوا يستقبلون مبارك فى هذه الدول- وهو نائب للرئيس- استقبال الرؤساء والأبطال،
فمصر كانت، ولا تزال بقوة هناك، ومبارك كانت قد سبقته وقتها إلى هذه الدول سمعته العسكرية كواحد من أبطال حرب أكتوبر وقائد الضربة الجوية التى قطعت ولأول مرة الذراع الطويلة لسلاح الجو الإسرائيلى، وساهمت فى القضاء على أسطورة الجيش الذى لا يقهر».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.