وزير الداخلية: عمال مصر يمثلون أحد أعمدة البناء الأساسية    مجلس جامعة بني سويف يوافق على تنظيم عدد من الفعاليات والمؤتمرات والندوات بكليات ومعاهد الجامعة    رئيسة القومي للطفولة تطالب بإعداد برنامج تأهيلي للمقبلين على الزواج    كارثة إثيوبية جديدة، شراقي: توربينات سد النهضة توقفت والبحيرة ممتلئة    نظمتها كلية السياسة والاقتصاد.. رئيس جامعة بني سويف يشهد مسابقة "دوري المعلومات" بين عدد من الكليات    وزير التعليم العالي يجتمع باللجنة الفنية للتصنيفات الدولية لمتابعة موقف الجامعات المصرية    «تشمل العجول والخرفان والإبل»، أسعار الأضاحي اليوم الأربعاء في أسواق مصر    السيسي يثمن التعاون البناء بين مصر وجامعة هيروشيما اليابانية    ارتفاع سعر صرف الدولار في البنوك المصرية (آخر تحديث)    وزير التخطيط يبحث مع سفير فيتنام تعزيز الشراكة التنموية والتعاون الاقتصادي    نقابة الصيادلة تعلن مناقصة عامة لبناء 4 عمارات سكنية بمدينة 6 أكتوبر    رئيس الرقابة المالية يشهد توقيع بروتوكولات تعاون لتطوير كوادر القطاع المالي غير المصرفي    ترامب يكسر البروتوكول الملكي ويضع تشارلز في موقف حرج.. ماذا حدث؟    جيش الاحتلال يعلن اعتراض مسيرة داخل الأراضي اللبنانية    صحة غزة: المستشفيات استقبلت 12 شهيدا ومصابا خلال 24 ساعة    المجلس الانتقالي المالي: المدنيون واجهوا الإرهابيين بأياد عارية    الدوري السعودي، موعد مباراة النصر والأهلي والقنوات الناقلة    الدوري المصري، موعد مباراة الجونة وحرس الحدود والقناة الناقلة    جوهر: وزارة الشباب والرياضة حريصة على بناء الانسان المصري    بعد زيادة الجوائز المالية للمنتخبات المشاركة، كم يحصد الفراعنة في مونديال 2026؟    تسيير الحركة المرورية على صحراوي أطفيح بعد انقلاب سيارة ووقوع مصابين    خلال 24 ساعة.. تحرير 1354 مخالفة لعدم ارتداء الخوذة    محافظ المنوفية يتابع تكويد الإسكوتر الكهربائي لتحقيق الانضباط المروري    القبض على قاتل زوجته وابنته ب36 طعنة في الجيزة بعد 5 أيام من الهروب    عمرو يوسف: "الفرنساوي دفعني للتفكير في العودة لممارسة المحاماة"    فعاليات اليوم من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.. تفاصيل    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    حملة "صحتنا حياتنا" بجامعة قناة السويس: طلاب علوم الرياضة يقودون مبادرة توعوية لمواجهة أمراض سوء التغذية    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    «هيكل وبهاء: ترويض السلطة».. علي النويشي: التجربتان أسستا لقيم المهنة ودور الصحافة في كتابة التاريخ    خلافات على الأرض.. النيابة تحقق في واقعة سرقة محصول قمح بالشرقية بعد ضبط المتهم الرئيسي    التنمية الصناعية: السماح بتغيير النشاط داخل نفس القطاع دون الحاجة إلى موافقات بيئية    مصرع مزارع التهمته ماكينة دراس القمح في الفيوم    «ترزي حريمي».. شخصية مختلفة ل"شريف منير" في فيلم "ريد فلاج"    الليلة.. مواجهة قوية بين أتليتكو مدريد وأرسنال فى ذهاب نصف نهائى دورى أبطال أوروبا    وادي دجلة يستضيف الاتحاد السكندري بالدوري    تراجع معدل البطالة في مصر إلى 6.3% خلال 2025    بعد قليل.. محاكمة 115 متهمًا ب "خلية المجموعات الإرهابية المسلحة"    المستشار الألماني السابق عن انتقادات ترامب لميرتس: العلاقة عبر الأطلسي تتحمل الخلافات    هاري كين: ليس لدينا ما نخسره في إياب دوري الأبطال    «سيناء.. ارض السلام» في احتفالية ثقافية بقصر ثقافة أسيوط بمناسبة ذكرى تحرير سيناء    الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس اليوم.. احذروا الظواهر الجوية    قصر العينى يشهد اجتماعا علميا مصريا فرنسيا موسعاً لتعزيز الأبحاث المشتركة    "أبيض من الداخل وغريب الشكل".. علامات تشير إلى معرفة البطيخ المسرطن؟    ترامب: الملك تشارلز يتفق معي على أنه لا يجب السماح أبدا لإيران بامتلاك أسلحة نووية    أوكرانيا تعلن إسقاط أكثر من 33 ألف مسيرة روسية في شهر واحد وتكثف تطوير دفاعاتها الجوية    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    وزير الخزانة الأميركي: ضغطنا الاقتصادي تسبب بتضاعف التضخم في إيران وانخفاض عملتها بشكل حاد    شراكة صحة دمياط والصيادلة تعزز القرار الصحي لخدمة الأسرة    مدرب سيدات يد الأهلي: العمل الجماعي كلمة السر في التتويج بلقب الكأس    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    استشاري يكشف علامات تحسن مستوى السكر وأعراض ارتفاعه والتفرقة بينهما    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    هل جوارح الإنسان لها إرادة مستقلة؟.. خالد الجندي يُجيب    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



النهر واحد.. لكن الحكام أنواع.. 3 رؤساء وحوض النيل.. عناق فجفاء ففراق.. ثم «نوبة صحيان»

مثلما كانت هناك اختلافات فى سياسات الرؤساء الثلاثة: جمال عبدالناصر وأنور السادات وحسنى مبارك، تجاه القضايا والأحداث التى مرّت بها مصر فى عهودهم، من الصراع مع إسرائيل إلى تنمية الداخل، ومن الملفات العربية إلى الرؤى الاقتصادية، فإن هذه الاختلافات تظهر واضحة فى كيفية إدارة العلاقات مع دول حوض النيل خاصة والقارة الأفريقية على وجه العموم.
فمن اعتبار القارة السمراء ودول الحوض بُعدا استراتيجيا لمصر وتقديم الدعم لثوارها وجعل أفريقيا بابا مغلقا أمام إسرائيل، إلى ما يمكن تسميته «إعطاء الظهر» للقارة والتهديد بشن حرب مع بعض دول الحوض والانقلاب من دعم الثوار إلى تثبيت عروش الديكتاتوريين، وصولا إلى علاقات «جامدة» مع الامتداد الطبيعى لمصر فى الجنوب والاتجاه للشمال ثم نوبة صحيان على وقع طبول التذمر والعصيان التى دقتها دول المنابع فى «عنتيبى».. كلها صفحات من طريقة تعامل «3 رؤساء مع حوض واحد».
ناصر.. احتوى دول النهر فباركت بناء السد العالى
«إنه زعيم زعماء أفريقيا».. بهذه العبارة لخّص نيلسون مانديلا مكانة جمال عبدالناصر بالنسبة للقارة السمراء، وزاد خلال زيارته الأولى لمصر عام 1995 وأثناء تكريمه بجامعة القاهرة: «كان لدىّ موعد قد تأخر ربع قرن مع رجل رفعت رأسى من بعيد كى يراه، ثم حالت ظروف قاهرة بينه وبينى لألقاه، وحين جئت إلى مصر فقد كان من سوء حظى أن جمال عبدالناصر لم يعد هناك، سأزور فى مصر ثلاثة أماكن: الأهرامات والنيل العظيم وضريح الرئيس جمال عبدالناصر».
كلمات مانديلا- بما له من مكانة كبرى فى القارة- هى انعكاس لسياسة عبدالناصر الداعمة والمحتضنة لقضايا أفريقيا عموما ودول حوض النيل على وجه الخصوص.
وكان مانديلا أيضا هو الذى صرح فى المؤتمر الصحفى عقب فوز جنوب أفريقيا بتنظيم كأس العالم 2010، وحصول مصر على صفر من الأصوات: «لو كان جمال عبدالناصر على قيد الحياة، ودخلت مصر المنافسة أمام جنوب أفريقيا على شرف استضافة البطولة لانسحبت جنوب أفريقيا على الفور من الوقوف أمام مصر، ولكن الظروف تغيرت الآن ومصر لم تعد مصر عبدالناصر».
وفى ظل ما تواجهه مصر من مشاكل حاليا مع دول الحوض، جاءت شهادة رئيس الوزراء الكينى رايلا أودينجا أثناء زيارته الأخيرة لمصر، لتؤكد مدى إيجابية دور جمال عبدالناصر فى دول المنابع، «الدول الأفريقية لن تكون وفية لما قدمته مصر عبدالناصر، إذا أضرت بمصالح مصر فى نهر النيل، والدور التاريخى الذى لعبته مصر فى عهد الرئيس عبدالناصر هو الذى حرر القارة السمراء» هكذا قال أودينجا الذى عبر عن امتنانه البالغ لمصر وزعيمها عبدالناصر الذى منح والده جاراموجى أودينجا جواز سفر مصرياً، ليتمكن من التحرك بحرية بعد أن سحب الاستعمار البريطانى أوراق والده ليمنعه من المطالبة باستقلال كينيا فى المحافل الدولية.
وعلى الرغم من هذه الشهادة، فإن بعض الشخصيات البارزة فى الحزب الوطنى، اتهموا الرئيس جمال عبدالناصر بالتسبب فى سوء العلاقات المصرية- الأفريقية لاهتمامه بالعرب على حساب الأفارقة، وكان الدكتور مصطفى الفقى رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشعب هو أول من صرح بذلك ثم نشر الدكتور عبدالمنعم سعيد رئيس مجلس إدارة الأهرام مقالا يحمل نفس المعنى.
لكن محمد فائق، وزير الإعلام الأسبق، الذى يعد رجل عبدالناصر للمهام الخاصة فى أفريقيا، أصدر كتابا عنوانه «عبدالناصر والثورة الأفريقية»، تضمن كثيرا من الوقائع والأدلة التى تثبت رؤية الرئيس عبدالناصر بعيدة النظر لأهمية القارة الأفريقية بالنسبة لمصر، ودول حوض النيل بالذات، مشيرا إلى أن عبدالناصر هو الذى ساعد على تحرير كينيا وأوغندا وتنزانيا والكونغو وهى من أبرز دول حوض النيل.
مشيرا إلى أنه فى عام 1963 أنشأ الرئيس جمال مع قادة أفريقيا منظمة الوحدة الأفريقية، وجعل عبدالناصر مقرها فى إثيوبيا إرضاء لشعوب أفريقيا على اعتبار أن شعب إثيوبيا أسود مثلهم، والأهم إرضاء الإمبراطور الإثيوبى هيلاسيلاسى الذى كان يحاول بين وقت وآخر الاحتجاج على مشروعات المياه المصرية والسد العالى.
كما يذكر فائق الدور الهائل لشركة النصر للاستيراد والتصدير التى أنشئت بقرار من عبدالناصر لربط مصالح دول أفريقيا واقتصادها مع مصر وكان لديها فروع فى 25 دولة أفريقية.
ويتناول فائق ملاحظة الرئيس عبدالناصر لخطة الاستعمار بتعليم الأقليات المسيحية فى الدول الأفريقية ذات الأغلبية المسلمة العلوم الطبيعية (الطب-الهندسة-الصيدلة)، وذلك لكى يخلق منهم طبقة موالية له دينيا وسياسيا تتحكم فى الأغلبية المسلمة، لذا كان قرار عبدالناصر تحويل الأزهر إلى جامعة عصرية وإنشاء مدينة البعوث الإسلامية لاستقبال آلاف الطلاب الأفارقة وربطهم بمصر عبر تعليمهم علوم العصر وهو ما أتى ثماره فيما بعد فقد أصبح منهم حكام ووزراء ومسؤولون فى بلدانهم.
كما أنشأ عبدالناصر بأموال الدولة المصرية البطريركية المرقسية فى القاهرة لتكون الكنيسة الأم فى القارة الأفريقية، وتنضوى تحت سلطتها الكنيسة الإثيوبية، ويصبح البابا المصرى هو الزعيم الروحى لمسيحيى إثيوبيا وحكامها، ودعا الإمبراطور هيلاسيلاسى لحضور حفل افتتاحها عام 1964.
ويقول الدكتور سامى منصور، مستشار مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية ب«الأهرام»، إن القارة السمراء استحوذت على أهمية محورية فى فكر عبدالناصر، مشيرا إلى أنه فى كتابه «فلسفة الثورة»، جعل الدائرة الأفريقية إحدى الدوائر الثلاث للسياسة الخارجية المصرية بعد الدائرة العربية والإسلامية، وتحرير أفريقيا استكمالاً لتحرير مصر.
وأشار منصور إلى أن عبدالناصر أرسى قواعد دبلوماسية التنمية من خلال تقديم قروض ومساعدات مادية حسب الإمكانات المتاحة آنذاك لبعض دول القارة، خاصة دول حوض النيل، إلى جانب المساعدات الفنية المصرية، لافتا إلى أن عبدالناصر كان رمزا وملهما لكل قادة التحرر فى أفريقيا، منوها بأن الرئيس المصرى الراحل هو الذى أوفد الأطباء والمهندسين والمدرسين إلى دول القارة الأفريقية، وامتد نفوذ مصر فى أفريقيا فى عهده من شمال القارة إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، بل كانت مصانع النسيج المصرية تنتج الأزياء الوطنية للأفارقة ولديها خطوط إنتاج مخصصة لاحتياجات الدول الأفريقية.
وأكد منصور أن النفوذ المصرى فى أفريقيا وصل فى عهد جمال عبدالناصر إلى الحد الذى جعل فرنسا تفاوض مصر على اقتسام مناطق النفوذ فى القارة السمراء.
وأشار إلى كتيب «جمال حمدان ولمحات من مذكراته الخاصة»، الذى قال فيه العالم الراحل إن جمال عبدالناصر «هو الحاكم المصرى الوحيد الذى فهم الجغرافيا السياسية لمصر».
السا دات.. رحلة الخروج الكبير من أفريقيا
هناك إجماع بين المحللين على أن مصر بدأت فى عهد الرئيس السادات، الخروج من أفريقيا ودخول إسرائيل مكانها، حيث تحولت القارة السمراء إلى ساحة من ساحات الحرب الباردة، وانخرط الرئيس الراحل فى مغامرات اعتبرها خصومه «عقيمة»، وتخدم مصالح القوى الإمبريالية، وكان منها نادى «السافارى»، وهو حلف ضم 5 دول هى «فرنسا وإيران» فى عهد الشاه، والسعودية والمغرب، فضلا عن مصر.
وكان هدف هذا الحلف حماية المصالح الغربية فى أفريقيا عبر محاربة التسلل الشيوعى فى القارة السمراء، وعندما تعرضت سلطة الديكتاتور موبوتو سيسى سيكو للخطر فى الكونغو «زائير وقتها»، تدخلت قوات مصرية ومغربية تابعة للنادى لإجهاض التمرد، وتثبيت موبوتو على عرشه، كما حارب نادى السافارى الثورة الشيوعية فى إثيوبيا التى قادها منجستو هيلا ميريام، وهو ما تسبب فى أزمة فى العلاقات المصرية الإثيوبية وقتها.
ويؤكد معارضو الرئيس الراحل أن نشاط نادى السافارى الذى ورط فيه السادات مصر، كان يتم برعاية وتنسيق من المخابرات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلى، منوهين فى الوقت نفسه إلى أنه فى عهد السادات تم إهمال نشاط شركة النصر للاستيراد والتصدير إلى أن تمت تصفيتها فى الثمانينيات.
ويقول الدكتور بطرس غالى، الذى حمل على عاتقه ملف العلاقات مع أفريقيا من خلال وزارة الدولة للشؤون الخارجية، فى كتابه «طريق مصر إلى القدس» إنه سافر إلى إثيوبيا حاملا رسالة من السادات إلى هيلاميريام، ولكن منجستو رفض مقابلته وكلَّف أحد وكلاء وزارة الخارجية الإثيوبية بتسلم رسالة السادات منه وهو فى المطار، دون أن يسمح له بمجرد الخروج من المطار، وبعدها استقل الدكتور غالى الطائرة عائدا إلى مصر.
ويشير غالى إلى أن كل همه كان ألا تعرف الصحافة بالأمر، وفى موضع آخر من نفس الكتاب يقول إنه رصد تراجع الدور المصرى فى أفريقيا، لذا طلب من أنيس منصور الصحفى المقرب من الرئيس السادات، أن يفاتح الرئيس فى ذلك خاصة بشأن سوء العلاقات المصرية الإثيوبية، وأهمية تحصين حقوق مصر فى مياه النيل القادمة من هضبة الحبشة، ولكن أنيس منصور رفض ذلك وقال لغالى: «إن مثل هذه المسائل لا تهم الرئيس الآن، فهو لا يهتم إلا بمصلحته السياسية المباشرة».
ووصلت الأزمة بين السادات وإثيوبيا، إحدى أهم دول حوض النيل، إلى الذروة بعد تهديد الرئيس الراحل بشن الحرب على أديس أبابا، عقب الأزمة التى تسبب فيها هو نفسه عندما أعلن فجأة عن مشروع أطلق عليه اسم «زمزم الجديدة»، ويقضى بتوصيل مياه النيل إلى مدينة القدس ليشرب منها الحجاج المسلمون والمسيحيون واليهود للمدينة المقدسة، وكذلك توصيلها لصحراء النقب فى إسرائيل مقابل موافقة رئيس وزرائها وقتها مناحيم بيجن على الجلاء عن الأراضى الفلسطينية.
وأعلن السادات أثناء زيارته الشهيرة للقدس فى 1979، اعتزامه مد مياه النيل التى ستروى سيناء إلى صحراء النقب فى إطار اتفاق عام للسلام بين إسرائيل والبلدان العربية، والمعروف أن الرئيس الراحل كان قد استخدم فكرة مشروع «ترعة السلام» كورقة تفاوضية لحث إسرائيل على احترام حقوق العرب- المسلمين فى مدينة القدس، ووقف النشاط الاستيطانى فى الضفة الغربية وغزة، والبدء فى إزالة المستوطنات القائمة آنذاك.
وهدد الرئيس الإثيوبى وقتها منجستو هيلا ميريام بالتدخل لخفض حصة مصر من المياه مادام لديها فائض ترسله لإسرائيل، بالإضافة إلى عدم جواز نقل المياه إلى دول أخرى وفى قارة أخرى، ورد على التهديد المصرى بشن الحرب على بلاده بقوله إنه سيحوّل مياه النيل إلى لون الدم.
كما أن الرئيس السودانى وقتها جعفر النميرى سارع برفض اقتراح السادات، فما كان من الأخير إلا أن تهكم عليه فى خطبة علنية وهدد باللجوء إلى القوة لإجبار إثيوبيا على التراجع عن مطالبها آنذاك بإعادة النظر فى الطريقة التى تتقاسم بها دول حوض النيل مياه نهر النيل.
وأكد السادات أن الجيش المصرى لن يحارب خارج حدوده، إلا من أجل المياه وذلك عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل.
وإذا كان خصوم السادات يقولون إنه أعطى ظهره لأفريقيا ودول حوض النيل، فإنه فى المقابل وجد من يلتمس له العذر، بأن مصر كلها أعطت ظهرها للقارة السمراء بعد هزيمة يونيو 1967، وأنه كان المهم وقتها تركيز الجهود نحو الشرق حيث القوات الإسرائيلية التى تحتل سيناء.
مبارك.. جمود ينتهى بمحاولات ل«إنقاذ ما يمكن إنقاذه»
بعد اغتيال الرئيس السادات، وتولى الرئيس مبارك للرئاسة، حدثت مشاكل بين مصر والسودان عقب الانقلاب العسكرى الذى قادته جبهة الإنقاذ عام 1989، والدور الذى لعبه حسن الترابى- شريك البشير فى السلطة وقتها- فى تأزيم العلاقة مع مصر، ودعمت مصر حركة تحرير جنوب السودان بزعامة الراحل جون جارانج ضد نظام «البشير-الترابى»، ثم انفجرت الأوضاع بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك فى إثيوبيا عام 1995 لتصل إلى أسوأ ما يمكن، ليبدأ بعدها النزاع المصرى السودانى على مثلث حلايب وشلاتين.
وبعد خروج الترابى من السلطة فى الخرطوم بدأت العلاقات المصرية السودانية تتحسن مرة أخرى، وتوقفت مصر عن دعم حركة تحرير جنوب السودان، ولكن فى نفس الوقت بدأ الدخول الإسرائيلى والأمريكى والصينى والإيرانى فى القارة الأفريقية، وكان ذلك خصما من الدور المصرى الذى بدأ مسيرة انحداره منذ عهد الرئيس السادات، وعلى الرغم من أن مصر تمتلك أضخم تمثيل دبلوماسى فى القارة السمراء، فإن الخبراء يشككون فى كفاءة الدبلوماسيين المصريين بالقارة، واعتبر البعض أن دور مصر فى منظمة الوحدة الأفريقية- التى تحولت إلى الاتحاد الأفريقى- ورثته ليبيا. وانتقد البعض الثالث غياب الرئيس مبارك عن القمم الأفريقية منذ حادث أديس أبابا، مشيرين إلى أن عدم حضوره يعد فى نظر كثير من الأفارقة بمثابة «استعلاء» عليهم.
وبعد الأزمة الأخيرة عقب توقيع اتفاقية «عنتيبى»، بدأ الرئيس مبارك تحركات وصفها دبلوماسيون ب«الواعية والذكية والهادئة» لاستعادة الود فى علاقات القاهرة مع دول حوض النيل من ناحية، وإحباط ما يعتبرونه «مؤامرة» تحاك سرا ضد مصر من ناحية أخرى.
وسرعان ما تلقفت أجهزة الدولة ووزاراتها تعليمات الرئيس بإعادة النظر فى العلاقات مع دول الحوض ودعمها، حتى راحت مختلف الجهات تعلن استعدادها للتعاون المكثف مع دول المنابع، من الكهرباء والزراعة، إلى الاستثمار وكرة القدم. وباختصار، فإن السنوات الثلاثين الأخيرة وهى فترة حكم مبارك، شهدت انكماشا وترديا فى العلاقات أو جمودا بين مصر من جهة، وكل دول النيل الأخرى- بما فى ذلك السودان- من جهة ثانية.
ولذلك فإن اجتماع شرم الشيخ الأخير انتهى إلى وقوف مصر والسودان «دولتى المرور والمصب» معا فى جانب، وكل دول المنابع فى الجانب الآخر. ومثلما دافع الكاتب الصحفى محمد أبوالحديد، عن مواقف الرئيس السادات فى دول حوض النيل والقارة الأفريقية، فقد حمل أيضا راية الدفاع عن دور الرئيس مبارك فى المنطقة نفسها، وذلك فى مواجهة الانتقادات الكثيرة التى وجهها خلال الآونة كثير من الخبراء والسياسيين والكتاب حول ما يعتبرونه «فشل النظام» فى إدارة هذا الملف.
«أفريقيا فى قلب وعقل مبارك، حتى قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية.. وكان فى قلبها وعقلها»، هكذا أجمل أبوالحديد رؤيته لمواقف الرئيس من القارة السمراء، مذكّرا بأنه بعد حرب أكتوبر كان (الملف الأفريقى) على رأس عدد من الملفات الخارجية التى أسند الرئيس السادات مهمة متابعتها لنائبه محمد حسنى مبارك، مشيرا إلى أن مبارك قام فى أواخر السبعينيات بجولة «هائلة» شملت زيارة عشر دول أفريقية فى شرق وجنوب القارة استغرقت 12 يوما، وكان من بينها أربع من دول حوض النيل هى السودان وكينيا وأوغندا وتنزانيا بالإضافة إلى تشاد والصومال وجيبوتى وزامبيا وموزمبيق، و«رأيت كيف كانوا يستقبلون مبارك فى هذه الدول- وهو نائب للرئيس- استقبال الرؤساء والأبطال،
فمصر كانت، ولا تزال بقوة هناك، ومبارك كانت قد سبقته وقتها إلى هذه الدول سمعته العسكرية كواحد من أبطال حرب أكتوبر وقائد الضربة الجوية التى قطعت ولأول مرة الذراع الطويلة لسلاح الجو الإسرائيلى، وساهمت فى القضاء على أسطورة الجيش الذى لا يقهر».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.