طلاب مدرسة بالمنوفية يصطفون لوداع جثمان معلمتهم: «كانت أُمًا للجميع» (صور)    وزير الشباب يفتتح الموسم الثقافي في جامعة حلوان    أحمد موسى يعرض لحظة تأدية أبو العينين ل اليمين الدستورية بمجلس النواب    محمد بن راشد يصدر قانونا بشأن مركز دبى للسلع المتعددة    سؤال بريء ل”لصوص العسكر”.. أين تذهب قروض ومنح الكهرباء؟    ولي العهد السعودي يوجه بتطوير طرق العاصمة    الصحة العالمية تكشف عدد المصابين بفيروس كورونا في العالم    بيرني ساندرز: ثروة 400 أمريكي تساوي حجم الاقتصاد البريطاني    حوار| السير مجدى يعقوب: نجحت لإيماني برسالة الطبيب    "الإصلاح يتطلب إجراءات عنيفة".. المستكاوي منتقدًا عقوبات مباراة السوبر    محافظ أسوان يقرر غلق وإزالة شوادر بيع اللحوم البلدي العشوائية    أمطار رعدية تضرب الإسكندرية.. والمحافظة تعلن الطوارئ    حتى نهاية الأسبوع.. تعرف على طقس الإمارات    برودة وأمطار غزيرة.. الأرصاد تحذر من طقس الغد    محامي الطيار الموقوف يهاجم محمد رمضان: لم يُقدر حجم الأضرار المادية الجسيمة بموكلي    مهرجان "الفجيرة" للفنون يكرم الشاعر فاروق جويدة    كريم عبدالعزيز "أصلع" على بوستر فيلمه الجديد    الزميلة رحاب جمعه تفوز بجوائز الصحافة المصرية بفرع "الصحافة الاستقصائية"    حواس: الغردقة أول متحف أثري بالبحر الأحمر يبرز جمال حضارتنا    فيديو.. عبدالرحمن أحمد يقترب من المليون مشاهدة ب"بنده عليكِ"    نهاية مأساوية لفتاة وعشيقها.. أجبرا الزوج على توقيع إيصالات أمانة وتسببا في وفاته    تعرف على نتيجة مسابقة أوائل الطلاب للمعاهد الأزهرية بالأقصر    عبد الله السعيد عن وقف كهربا وعاشور: لعيبة بتعمل لقطات فاكرة إنها هتكسب بيها الجماهير (فيديو)    نقابة الصحفيين تعلن عن 600 شقة لأعضائها (تفاصيل)    تسكين 500 أسرة من أهالي حكر السكاكيني في الأسمرات خلال 8 أسابيع | فيديو    سرايا القدس تعلن مسئوليتها عن قصف المستوطنات الإسرائيلية    إشبيلية يخطف المركز الثالث فى الدوري الإسباني بثلاثية ضد خيتافي.. فيديو    يتداوله الكثيرون للتهنئة بشهر رجب.. الإفتاء: هذا الحديث لم يقله النبي    لتجنب المشكلات .. نصائح أمين الفتوى لأهل الزوجين    لبنان يعلن نتائج فحوصات أجريت ل27 شخصا يشتبه بإصابتهم ب«كورونا»    بمشاركة 15 مطورا.. "إيجي موف" تنظم 4 معارض عقارية بالمحافظات خلال 2020    الأعلى للجامعات: لا صحة لتقديم موعد امتحانات الفصل الدراسي الثاني    عضو بمجلس السيادة السوداني يشيد بدور الشرطة في حفظ الأمن    وزير البترول يتفقد مشروع المصرية للتكرير    محافظ دمياط ترأس إجتماع اللجنة العليا للتسعير    تجديد حبس قاتل زوجته بالدقهلية 15 يومًا    النشرة الحقوقية| حبس 21 مواطنًا بالشرقية والقليوبية واستمرار جرائم الإخفاء    حكم دفن النساء مع الرجال في قبر واحد.. الأزهر يجيب    بالفيديو| الجندي يعلق على اندلاع حرائق بسبب الجن.. والسحر في الملاعب    عاجل.. سيف عيسى يتأهل لأولمبياد طوكيو ويرفع عدد المتأهلين من التايكوندو لثلاثة    "السياحة والآثار" تستضيف وفدًا إعلاميًا بريطانيًا (صور)    حمدى سليمان يهنئ الكويت بعيدها الوطنى    «قوى عاملة النواب» توافق على تعديلات بالخدمة المدنية    الدوري الإنجليزي .. إيفرتون يفرض التعادل على آرسنال 2-2 بالشوط الأول    إحالة أوراق المتهم باغتصاب طفلة وانجابها منه سفاحا بالمحلة لمفتى الجمهورية    صبحي: مراكز الشباب لن يكون لها صوت انتخابي في عمومية الاتحادات الرياضية    غدا.. البرلمان يقرّ قانون حماية البيانات الشخصية مع استثناء البنك المركزي    يسرا تواصل تصوير "دهب عيرة" استعدادا لموسم رمضان 2020    سنة الوقوف تحت المطر.. التعرض للأمطار من السنن المهجورة    التعريف بمرض كورونا وطرق الوقاية منه ندوة بالتأمين الصحى ببنى سويف    «كبسولات مغلقة».. تطوير غرف العمليات بمستشفى الأورام الجامعي في أسيوط    بالصور.. جامعة القاهرة تسلم الدكتورة غادة عبدالرحيم شهادة المدرب المحترف    وفاة عمرو فهمي السكرتير العام السابق للكاف    العشري يتحدث عن عودة المصري لمساره وأزمة الإصابات    وكيل صحة الغربية يتفقد مستشفى محلة مرحوم    وفاة سادس حالة مصابة بفيروس "كورونا" في كوريا الجنوبية    بسبب كورونا.. الدوري الإيطالي مهدد بالإلغاء    بسبب «كورونا».. «وان بلس» تجهز إطلاقا غريبا لهاتفها الجديد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





المدن الذكية.. نجاح التحديث وفشل في البناء ومخاوف من المستقبل
نشر في المصري اليوم يوم 28 - 01 - 2020

قبل نهاية ديسمبر الماضى، أعلنت الحكومة المصرية مواصفات «العاصمة الإدارية» كمدينة ذكية. ضمت المواصفات المنشورة تعهدات بإنشاء أكبر مركز بيانات في الشرق الأوسط، ومركز لإدارة المدينة عبر جمع البيانات من السكان ورواد المدينة، بالإضافة إلى تطبيق ذكى لخدمتهم، وربما لجمع البيانات منهم.
لا تبتعد تلك الرؤية كثيرًا عن الإدارة الذكية لمدينة دبى بالإمارات العربية المتحدة، التي بدأت تحولها الرقمى في 2013 ولم تستكمله بعد، والتى تتطلع إليها أنظار المسؤولين المصريين باعتبارها أكبر مركز للمال والأعمال في العالم العربى، أملًا في أن تدر العاصمة الإدارية الجديدة على مصر دخلًا كالذى تحصده دبى لصالح دولة الإمارات.
ويُنتظر أن تكون العاصمة الإدارية الجديدة هي الأولى بين 16 مدينة ذكية أعلنت الحكومة المصرية أنها تعتزم إنشاءها لتشجيع الاستثمار العقارى- القطاع القائد للاقتصاد المصرى في مصر بالفعل منذ سنوات بحسب بيانات البنك الدولى- رغم تباطؤ هذا القطاع نفسه بحسب البنك الدولى أيضًا.
تعتمد المدن الذكية بمفهومها الشائع على إنترنت الأشياء Internet Of Things (IOT)، أي استخدام الأجهزة اليومية المرقمنة لتوفير حياة سهلة للسكان. يعتمد إنترنت الأشياء على تحويل الأجهزة ذات الاستخدام الدائم (كالثلاجة والغسالة والسيارة) إلى روبوتات مترابطة فيما بينها بشبكة واحدة، تقوم بجمع بيانات استخدام المستهلك وتتشاركها مع بعضها البعض ومع الشبكة المركزية. ومن هنا ظهر مصطلح المنزل الذكى smart home كنواة للمدينة الذكية، مما يجعل من تطبيق المفهوم الشامل للمدينة الذكية مسألة مُكلفة، وتحتاج إلى بنية تحتية رقمية قوية، قد لا تحققها مصر لضعف البنية التحتية للإنترنت في الوقت الحالى وارتفاع تكلفة الاتصالات بالمقارنة بالقدرات الاقتصادية ومستويات دخول معظم السكان.
إلا أن البيانات المعلنة في بيانات الدولة والشركة المسؤولة عن العاصمة الإدارية تحصر مفهوم المدينة الذكية في الرقمنة الكاملة للخدمات الأمنية إلى جانب رقمنة التعامل مع الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والمدفوعات. وهو النموذج الذي تطبقه المدن الذكية في الإمارات العربية المتحدة والهند والصين وعدة دول أوروبية، تتوسع في إنشاء المدن الذكية المُدارة مركزيًا لحل المشكلات التي تثقل مدنها وعواصمها التاريخية، وكى تواجه الزيادة السكانية الكبيرة وحركة التمدين الواسعة التي يتقلص فيها عدد سكان الريف لصالح سكان المدينة. وهى نفس المشكلات التي تعانيها مصر، والتى دفعت للتفكير في بناء مدن جديدة وذكية، بالإضافة لمحاولات سابقة متعددة لبناء عواصم جديدة لم تنجح- حتى جاءت التجربة الأحدث والعمل فيها حاليًا.
وتعد الهند من أقرب الدول لمصر في مشكلات السكان وحركة الفضاء العام، والتى قررت- مثل مصر- التوسع في إنشاء المدن الذكية لحل مشكلات مدنها التاريخية. وتعرِّف الحكومة الهندية المدينة الذكية بكونها مدينة قائمة بالفعل، يعمل المطورون على «إضافة طبقات من الرقمنة» إليها، بشكل يعمل على الأصعدة الأربعة لذكاء المدن وهى: «التطوير المؤسسى، التطوير الإنشائى، التحديث الاجتماعى والبنية الاقتصادية التحتية». وفقًا لهذا المفهوم؛ يعد إنشاء المدن الذكية «عملية» اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية ممتدة ومتحركة، لا مشروعًا للمرة الواحدة، وينخرط السكان ذوو العلاقة التاريخية بالمدينة في عملية التحديث كمساهمين ومشاركين، لا كمتلقين أو مشترين للخدمة. إلا أن الهند نفسها- التي يتشابه وضعها ودوافعها لبناء المدن الذكية مع الوضع المصرى- لا تطبق هذا النموذج الذي تتبناه رسميًا.
في 2011 بدأت الهند مبادرتها لتأهيل 100 مدينة لتصبح مدنًا ذكية، وهدفها المعلن هو «مكافحة الفقر». لكن بعد أربع سنوات من إطلاق المبادرة لم يجن الأكثر فقرًا منها سوى التشريد، فبدءًا من 2016، أقدمت حكومة مودى اليمينية مستعينة بالبلديات على هدم «العشوائيات» التي تضم أكثر من 60% من سكان المدن المستهدفة، وطردهم ونقلهم من أماكنهم وحرمان أعداد كبيرة منهم من الحق في السكن بحجة التحديث، وحتى الآن لم تنجح الهند في إتمام تحويل مدنها التي شردت سكانها إلى مدن رقمية تحقق هدفى استيعاب تزايد السكان وجذب الاستثمارات.
لكن التجارب الثابت نجاحها للمدن الذكية ارتبطت بتطبيق المفهوم القائم على إشراك السكان ووضع مصالحهم في الصدارة، وهو ما تبنته المدن الذكية العشر الأفضل في العالم وفقًا لدراسة أجرتها جامعة جلاسكو الاسكتلندية. فبنظرة على قائمة أهم عشر مدن ذكية في العالم، يلاحظ المتابع أن كلها تقريبًا مدن وعواصم تاريخية، لم تسع للتخلص من سكانها أو إهمالهم لصالح سكان جدد، بل أضافت طبقات من الرقمنة والتحديث وفقًا للمفهوم الدولى للمصطلح. والقائمة تضم «لندن وباريس وأمسترادام وبرشلونة وسنغافورة وبوسطن ونيويورك وبرلين ومومباى (فى الهند) وتورنتو» وجميعها عواصم أو مدن تاريخية تمتد علاقة سكانها بها لقرون.
في 2010 نشر بوريس جونسون عمدة لندن وقتها (رئيس الوزراء الحالى لبريطانيا) الخطة العشرية لتحويل مدينة لندن- ذات البنية التحتية التكنولوجية القوية- إلى مدينة ذكية بالكامل بحلول عام 2030. وكان الدافع لتحديث المدينة (قبل البريكست) هو الزيادة المتسارعة المنتظرة في أعداد المقيمين، في ظل استمرار وفود العمالة من مختلف دول الاتحاد الأوروبى بالإضافة للمهاجرين ومواطنى لندن أنفسهم، فكان خيار التحول لمدينة ذكية يهدف ضمان استمرار الخدمات بمعدلات كفاءة عالية للندنيين، وتشجيع الاستثمار. وقامت الخطة على توسيع المساحات الخضراء في المدينة ووضع برامج تنمية تعتمد على التكنولوجيا يشارك فيها السكان عبر ممثليهم في المحليات، ورقمنة وسائل المواصلات وشبكات الخدمات والمدفوعات، بالإضافة إلى تقليل انبعاث الكربون وخفض الاعتماد على الوقود الحيوى، عبر نشر وتوسيع شبكة المواصلات العامة والمساعدة على انتشار السيارات الكهربية الذكية للراغبين في استخدام السيارات الخاصة، بالإضافة لتعزيز استخدام إنترنت الأشياء IOT.
وبين التجارب الفاشلة والناجحة، يقع نموذج فريد في استخدام مصطلح «المدن الذكية» في تعزيز القمع عوضًا عن تسهيل حياة السكان وبيئة الأعمال، وهو النموذج الذي تبنته الحكومة الصينية. بحسب دراسة منشورة لفان يانج بمركز دراسات آسيا والشرق الأدنى؛ فإن الصين اعتمدت نموذج المدن المرقمنة «الذكية» لتعزيز مراقبة السكان وانتهاك خصوصيتهم، خاصة من الأقليات العرقية غير المرضى عنها. وهو ما شكل بداية لتحركات حقوقية دولية لتبنى مفهوم المدينة «الحكيمة» عوضًا عن المدينة «الذكية».
ومفهوم «المدينة الحكيمة» يعتمد على تقديم نموذج مضاد، يستفيد من مزايا المدينة الذكية ويتفادى النقد الموجه لها كنموذج معاد للديمقراطية في إدارة الفضاء العام، عبر تحويل المدينة من جسد عمرانى وبيئى نشط ومتنوع، إلى روبوت عملاق تديره سلطة معنية (الدولة/ مجلس المدينة) عبر لوحة تحكم واحدة.
تتساءل فيبى ويليامز، في مقالها الذي كتبته لصالح الجمعية الملكية البريطانية لرعاية الفنون والحرف والتجارة RSA: من الذي يجلس
أمام لوحة التحكم؟ كيف يديرها؟ ولأى أغراض؟ نموذج الصين يثبت أن غياب الحوكمة الشعبية وترك إدارة المدن الذكية في أيدى السلطات لا يسير في صالح السكان، ويحول المدينة الذكية إلى سجن عملاق، يتوسطه «بانوبتيكون»
أو برج مراقبة وتحكم، يرى جميع السكان/ المساجين ولا يرونه، مما يصعِّد من التخوفات تجاه انتشار هذا النموذج من المدن، دون إشراك الجمهور في وضع بنية ونموذج الحكم، والمراقبة الشعبية المستمرة لكيفية إدارة البيانات التي يجمعها هذا النموذج، والمراجعة المستمرة لمن يطلع على هذه البيانات ولأى غرض وبأى كيفية يستخدمها.
ربما تكون هذه المخاوف بعيدة عن مصر في الوقت الحالى، خاصة أن النموذج الموضوع للعاصمة الإدارية والمدن الخمس عشرة الأخرى لا يتبنى عملية الرقمنة الكاملة لحياة السكان؛ إلا أن عومل أخرى تدعو للترقب بخصوص من سيسكن المدن الذكية؟ وبأى تكلفة اقتصادية؟ وإلى أي مدى سيشارك سكانها في اتخاذ القرارات المتعلقة بخدماتها وإداراتها؟!.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.