أزعم من واقع التجربة القريبة من مراكز صنع القرار، أن قرار رئيس الوزراء البريطاني يوم 31 مارس الماضي «إجراء تحقيق حول نشاطات جماعة الإخوان في بريطانيا» لم يكن وليد اللحظة!! بل صدر في المقام الأول بناءً على مجموعة من النتائج التي تمخّضت عن متابعة بريطانية متواصلة لنشاطاتها في منطقة الشرق الأوسط، وبعد ذلك في ضوء الحصار الذي فُرض عليها من جراء قرارات على المستويين المصري أولاً والسعودي ثانياً.. التقارير البريطانية في هذا الخصوص تتنازعها وجهتا نظر.. - دبلوماسية تميل إلى التريث والتمحيص والمراجعة قبل اتخاذ القرار الذي قد يتأخر بعض الشيء.. - وأمنية تتوخى الحذر والحيطة وتطالب بسرعة الاستجابة لقرار ربما يكون فوريًا.. قرار رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ارتكز على مخاوف فاقت في نظرتها المتأنية توقعات لأنشطة متطرفة قد تمتد إلى الداخل البريطاني عبرت عنها صحيفة التايمز (الأول من إبريل) بأنها تدور حول مزاعم تشير إلى ضلوع الجماعة في هجوم وقع بمصر خلال شهر فبراير الماضي راح ضحيته 3 من السائحين البريطانيين.. ومن ثم يتطلب الأمر – من وجهة النظر الرسمية – ضرورة مراجعة فلسفة الجماعة وأهدافها وتوجهاتها لتقيّم أعمالها ونشاطاتها منذ وصلت إلى كرسي الحكم في مصر، ثم أطيح بها في يوليو الماضي، وما ترتب على ذلك من نتائج في المحيط المصري والعربي، خاصة الخليجي.. هذا القرار الحكومي لم تتقبله الصحافة البريطانية بالرضا ولا بالمباركة!! ليس لأن جماعة الإخوان لها أذرع طويلة داخل هذه المؤسسات، ولا لأنها مخترقة، ولا لأن الجماعة تملك من الأموال ما يمكنها من شراء الضمائر والأقلام !! ولكن لأن المفهوم الصحيح لحرية الإعلام في تناول وعرض أي قضية داخلية أو خارجية من جميع زواياها وفق معايير الحقيقة والمصالح العليا بعقلانية وحيادية، يمنحها هذا الحق كاملاً.. لذلك، رأى المحلل البريطاني سايمون تسيدال في مقال له بصحيفة الجارديان (2 إبريل) أن القرار البريطاني نابع من أمرين: رد فعل واستجابة لضغوط الحليف السعودي، وقلق أوروبي من احتمالات تعرض مجتمعاتها لعنف وإرهاب على يد موجة من الجهاديين الإسلاميين المتشددين الغاضبين من الصراع الدائر في سوريا، أو بسبب انتقال بعض قادتها ذوي التأثير الملحوظ على مستوى تنظيمها العالمي إلى لندن في أعقاب إبعادهم عن سِدة الحكم في مصر واعتبارهم جماعة إرهابية في كل من القاهرةوالرياض.. وتوقع الكاتب أن بريطانيا ستكون خاسرة، سواء جاءت نتيجة التحقيق مؤيدة لوجهة النظر التي تقول «إن جماعة الإخوان متطرفة وإرهابية»، لأن ذلك سيقضي على تاريخها – أي بريطانيا - الطويل والعريق في احتضان اللاجئين السياسيين والمنفيين الهاربين من أتون الحروب الأهلية في بلدانهم والصادرة ضدهم أحكام قضائية تتناقض مع حقوق الإنسان من قِبل أنظمة الحكم الاستبدادية التي يعيشون في ظلها.. أو جاءت نافية لتطرفها وتشددها، لأن ذلك سيوتر علاقتها – بريطانيا - بحلفائها في الخليج، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية.. وجهة النظر هذه تبنتها روز ماري هويلز في نفس الصحيفة في اليوم التالي.. وزادت عليها بأن وصفت تكليفات رئيس الوزراء البريطاني بأنها «انتهازية»، لأنه من ناحية لم يفكر فيها إلا بعد أن عانت بعض الدول العربية من أعمال متطرفة قد يكون لجماعة الإخوان ضلع فيها وقد لا يكون «في ضوء احتمال يقول إن جماعات «إسلامية» أخرى ربما تكشف التحقيقات أنها قامت بتلك الأعمال المدانة من كل الأطراف.. ومن ناحية أخرى لأنه أسند رئاسة اللجنة إلى السير جون جانكيز، السفير البريطاني السابق في الرياض، الذي له معرفة وثيقة بالمنطقة، الأمر الذي سيُحسب عليه من زاوية «السعي لإرضاء السعودية».. المسألة برمتها، كما توالي الصحف البريطانية استعراضها والغوص في أعماقها، ستتناول قيم وفلسفة ونشاطات جماعة الإخوان بصفة عامة، وفي الداخل البريطاني على وجه التحديد، من خلال التقارير البريطانية والأوروبية التي تناقش مسؤولية جماعة الإخوان عن القتلى البريطانيين في حافلة السياح فبراير 2014.. التقارير الأمنية المصرية التي سيتحصل عليها جهاز M16 (المباحث العامة البريطانية) الذي يترأسه السفير جون سويز، السفير البريطاني السابق بالقاهرة، ليس بقصد الإدانة المسبقة، ولكن لتحديد «فهم أفضل لمستقبل التعامل معها».. فإن ثبتت صلتها بالإرهاب في مصر ومناطق أخرى من الشرق الأوسط والعالم في المرتبة الثالثة، فسيكون للحكومة البريطانية موقف محدد وواضح منها، وإن لم تثبت هذه الصلة، فسيكون لها موقف آخر مختلف بعض الشيء.. وكلا الأمرين نابع بالدرجة الأولى من المصالح البريطانية العليا في الداخل وعلى مستوى الشرق الأوسط وأوروبا.. من هنا، لم تستقبل الدوائر الإعلامية البريطانية تحذيرات إبراهيم منير، أبرز قادة الجماعة في لندن، والتي نشرتها صحيفة «التايمز» يوم السبت 5 إبريل، بصدر رحب، ورفضت أن تقيسها بمقياس «التعبير عن الرأي»، لأنه لا ينظر إلى مطلب ديفيد كاميرون من زاوية «الصالح البريطاني» بل بادر إلى التخويف من «احتمالات تعرض المجتمع لهجمات إرهابية إذا فُرض الحظر على الجماعة».. لماذا؟؟ لأن مجتمعات إسلامية كثيرة في رأيه ستترجم قرار لندن باعتباره «نفيًا لسلمية الحركة ووصفًا لنهجها السياسي بالفشل»، الأمر الذي سيفتح الباب أمام كل الاحتمالات التي قد تعتنقها العديد من المنظمات الإسلامية التي تتبنى الأفكار السلمية المشابهة لأفكار الجماعة.. وقال إبراهيم منير، إنه سيكون من بين هذه الاحتمالات اعتبار بريطانيا مُعادية لأفكار الإسلام الوسطية السلمية، وأنها تقوم بحرب على الإسلام، وهناك إمكانية لأن تتعرض لندن لبعض التهديدات كما حدث عام 2007، وستبدو حكومتها خاضعة لضغوط سعودية إماراتية غير مقنعة للمواطن البريطاني.. في اللقاء القادم، إن شاء الله، نلقي مزيدًا من الضوء على القضايا التي ستتعرض لها الصحافة البريطانية..