العمل: 4145 وظيفة جديدة في 11 محافظة ضمن نشرة التوظيف الأسبوعية    «العدل» تُسلط الضوء على قانون العمل الجديد لتعزيز العدالة وحماية الحقوق    البترول: اكتشاف جديد للغاز في دلتا النيل يضيف 50 مليون قدم مكعب يوميًا    وزيرة الإسكان تتابع مشروعات تنفيذ ورفع كفاءة الطرق ب4 مدن    وزيرة البيئة تحذر: رياح مثيرة للرمال والأتربة تؤثر على جودة الهواء    إيران تعدم رجلين بتهمة التجسس لصالح إسرائيل    استكمال الجولة الأخيرة من دوري الكرة النسائية.. والزمالك يفتتح بفوز خماسي على الطيران    بنزيما أساسيًا.. تشكيل الهلال المتوقع أمام الحزم في الدوري السعودي    «عودة الأمطار».. الأرصاد تكشف تفاصيل طقس اليوم السبت    مصرع 2 وإصابة 4 آخرين في انفجار أنبوبة داخل مصنع جبنة بإمبابة    رئيس المتحف المصري الكبير: استضافة «التمكين بالفن» يؤكد مكانة مصر كمنارة ثقافية    «الإفتاء» توضح حكم زيارة قبر الوالدين وقراءة القرآن لهما    نجاح أول عملية إصلاح الصمام الميترالي بمجمع الفيروز في جنوب سيناء    أسعار الذهب اليوم في مصر السبت 2 مايو 2026    انقطاع الكهرباء عن قرى ببيلا في كفر الشيخ اليوم 5 ساعات    جدول ترتيب الدوري.. الزمالك يحتفظ بالصدارة رغم الخسارة من الأهلي بثلاثية    علي محمود لاعب إنبي: الدوري لسه فى الملعب..واللعب للأهلى شرف كبير    إحالة 6 متهمين باستغلال الأطفال في أعمال التسول بالقاهرة للمحاكمة    رغم الهدنة جنوب لبنان تحت التصعيد.. دمار واسع وتحركات لإعادة رسم المنطقة العازلة    اللواء أحمد هشام يكشف للفجر تفاصيل الحالة المرورية صباح اليوم السبت    شاب يشعل النيران في شقة شقيقته لخلافات مالية بينهما في بولاق الدكرور    الداخلية تضبط صانعة محتوى بالإسكندرية لنشرها فيديوهات تتضمن ألفاظ خادشة للحياء.. تفاصيل    تحريات أمن الجيزة تكشف ملابسات العثور على طفلة أمام مسجد فى أوسيم    رئيس الوزراء البريطاني: حظر المسيرات المؤيدة للفلسطينيين مُبرر أحيانا    أنوشكا وعبير منير يشيدان بعرض «أداجيو.. اللحن الأخير» على مسرح الغد    نجوم الشباب "فرسان الرهان الجدد" بتكريمات المهرجانات.. عصام عمر بالإسكندرية ومالك بالكاثوليكي    محمد رشدى، صوت البسطاء الذي صنع مجد الغناء الشعبي    وزير الخارجية يبحث مع نظيره المالي جهود مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل    وزير الخارجية يؤكد تضامن مصر مع مالي ويجدد إدانة الهجمات الإرهابية    دعما للمبادرات الرئاسية.. استفادة 2680 مواطن من قافلة القومى للبحوث بالشرقية    مستشفى قفط التخصصي بقنا ينقذ يد مريضة من فقدان الحركة بجراحة عاجلة ودقيقة    مصرع وإصابة 45 شخصًا إثر انقلاب سيارة سياحية في المكسيك    موعد مباراة أرسنال وفولهام في الدوري الإنجليزي والقناة الناقلة    حقيقة رفع الضريبة على موبايلات الأيفون في مصر| الاتصالات تكشف    اليوم، فصل جديد في دعوى إلغاء قرار منع النساء من السفر إلى السعودية دون تصريح    اليوم، أولى جلسات نظر طعن "التعليم المفتوح" على تعديلات لائحة تنظيم الجامعات    القضاء يحبط خطة إدارة ترامب لترحيل آلاف اليمنيين من أمريكا    محافظة سوهاج ترد على عدم إنشاء كوبري بديل للكوبري المنهار في قرية العتامنة    محمد عبد الجليل يكتب: "فيزتك" فضيت ورصيدك اتبخر! هذه حكاية 6 شياطين نهبوا أموالك من البنوك تحت ستار "السياحة"    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    مليارات الدولارات، البنتاجون يكشف خسائر طهران جراء الحصار الأمريكي على المواني الإيرانية    وسط أفراح الفوز بالقمة.. الأهلي يتأهل لنهائي بطولة أفريقيا للكرة الطائرة    رحلة إلى المجهول تتحول إلى ذهب سينمائي.. "Project Hail Mary" يكتسح شباك التذاكر عالميًا    ميادة الحناوي تعود بليلة من الزمن الجميل في موازين... طرب أصيل يوقظ الحنين    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    فيديو| الداخلية تكشف ملابسات قيام شخص بالطرق على السيارات ب«حديدة»    محافظ كفر الشيخ يهنئ أبطال المشروع القومي للمصارعة ببطولة أفريقيا    سيمون تستحضر "زيزينيا": رحلة في ذاكرة دراما لا تُنسى    نجاح إصلاح فتق سري لطفلة 4 سنوات بمستشفى طلخا المركزي وخروجها بحالة مستقرة    منتخب المصارعة للرجال يتوج ب10 ميداليات في البطولة الأفريقية    بثينة مصطفى ل معكم: ما قدمته حياة كريمة لغزة يدعو للفخر    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي عُرض عليه منصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    الالتزام البيئي باتحاد الصناعات يوضح أحدث تطورات التحول إلى الطاقة المتجددة    عمرو أديب: أقرب الناس لي حصلوا على علاج كيماوي بسبب السرطان    أحمد التايب خلال تكريم حفظة القرآن بكوم بكار: القدوة الحسنة ركيزة أساسية في تربية النشء    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فتح مصر (7/7) .. ما بعد عمرو: عبدالله بنُ أبى سَرْح
نشر في المصري اليوم يوم 22 - 12 - 2010

يعرف كثيرٌ من الناس أن «أبا سفيان بن حرب بن أمية» أجاب يومَ فتح مكة عن سؤال النبى للمشركين: ماذا تظنون أنى فاعلٌ بكم؟ بقوله: أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريم.. فتسامح النبىُّ مع مُشركى قريش يومَها، وقال الحديث المشهور: مَنْ دخل البيت (الكعبة) فهو آمنٌ، ومَنْ دخل بيته (أى التزم بحظر التجوُّل) فهو آمنٌ، ومَنْ دخل دار أبى سفيان فهو آمنٌ.
وقد لا ينتبه كثيرٌ من الناس، إلى أن أبا سفيان (آنذاك) كان لايزال مشركاً، وكانت زوجته (آنذاك) هى السيدة «هند بنت عُتبة» التى فتكت بالحمزة، عمِّ النبى، وأكلت من كبده ثأراً وانتقاماً، ولكنَّ أبا سفيان، أيضاً، هو حمو النبى (أبوزوجته) وهو أبو «معاوية» الذى يُقال إنه كتب فى صغره شيئاً من الوحى القرآنى، والذى سيصير (بعد ذاك) أول ملوك الإسلام، ومؤسس الدولة الأُموية، التى حكمت المسلمين قرابة قرنٍ من الزمان، حتى أزاحها من الحكم العباسيون.
وقليلٌ من الناس يعرفون أن النبى، على الرغم من تسامحه مع أهل قريش وغفرانه لهم يومَ فتح مكة، دعا فى ذلك اليوم إلى قتل أربعة رجال وامرأتين (حتى وإن تعلَّقوا بأستار الكعبة) فكانت إحدى المرأتين هى «أمُّ سارة»، التى تجسَّست على المسلمين قبيل الفتح، وكادت تنقل إلى أهل مكة تحذير «حاطب بن أبى بلتعة» للمشركين بأن النبىَّ قادمٌ إليهم على رأس جيش، حسبما ذكرنا فى المقالة الثانية من هذه السباعية.. وكان أحد الأربعة المطلوب قتلهم (لأسبابٍ مختلفة) هو الرجل الذى سيرتبط اسمه بعد حينٍ بفتح مصر: عبد الله بن سعد بن أبى سَرْح.. فلماذا توعَّده النبىُّ ودعا إلى قتله يوم الفتح، وما الذى صار معه من بعد الوعيد؟
كان (عبدالله) هذا من فقراء قريش، وقد أسلم فى وقتٍ مبكر وهاجر مع النبى من مكة إلى المدينة،. ولأنه كان يجيد الكتابة والقراءة، فقد اختاره النبىُّ ضمن الذين كانوا يكتبون عنه الوحىَ القرآنى، وهم جماعة من الكتاب القُرشيين..ألا يدعونا ذلك إلى إعادة النظر فى فهمنا للآية القرآنية (هو الذى بعث فى الأميين رسولاً منهم...) من زاويةٍ أخرى، غير فكرة الجهل بالقراءة والكتابة (كأن يكون الأمىُّ، هو غير اليهودى) المهم، أن «ابن أبى سرح» ظل يكتب الوحى عن النبىِّ زمناً، حتى فوجئ الجميع يوماً بهروبه من يثرب (المدينة المنورة) إلى مكة (أمِّ القرى)، وهناك قال للمشركين إنه كان يكتب «غير» ما يمليه عليه النبىّ! فإذا أملى عليه مثلاً «سميعٌ عليم» كتبها «عليمٌ حكيم» ثم يعرض المكتوب على النبىِّ فيُقرُّه، فافتتن الرجل وقال: «ما يدرى محمدٌ ما يقول، وإنى لأكتبُ له ما شئت، والذى كتبته يُوحى إلىَّ مثلما يُوحى إلى محمد».. وهكذا ارتدَّ الرجل عن الإسلام، وهرب من المدينة إلى مكة.
وقد روت المصادر التاريخية الإسلامية المبكرة والمتأخرة، الواقعةَ السابقة، مسبوقةً بسلسلة الرواة الثقات الذين تناقلوها، وزادت بعضُ هذه المصادر، أن النبىَّ كان يُملِى على «ابن أبى سَرْح» قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سُلالةٍ من طين.. ثم أنشأناه خَلْقاً آخر) فقال ابن أبى سَرْح وقد بهرته الآيات: (فتبارك الله أحسن الخالقين) فقال له النبىُّ صلى الله عليه وسلَّم: اُكتبْها فإنها نزلت هكذا.
وعلى هذا النحو، كاد الرجل يُحدث فتنةً عظيمةً بين الناس، مما دعا النبىَّ إلى إهدار دمه يومَ فتح مكة.. لكنَّ ابنَ أبى سَرْح لم يُقتل، فقد اختبأ فى بيت الصحابى الجليل (والخليفة من بعدُ) عثمان بن عفان، الذى كان أخاه فى الرضاعة، وتوسَّط عثمان (ذو النورين) وأخذ «المرتدَّ» إلى مجلس النبى، وألحَّ عليه فى قبول توبة عبدالله بن أبى سَرْح، حتى وافق النبى على مضضٍ، ثم قال بعدما بايعه: أما كان لهذا الكلب مَنْ يقتله؟ فقال رجلٌ من الأنصار ما معناه: يا رسول الله كنتُ أنظر إليك وعثمان يحاورك، عساك تومئ لى (تغمز) فأقوم وأقتله.. فقال النبى: ما كان لنبىٍّ أن يومئ، وليس فى الإسلام إيماءٌ ولا فتك.
وقد تناقل المؤرِّخون أن «ابن أبى سَرْح» كان يفرُّ من النبى كلما رآه، حتى توسَّط عثمان ثانيةً وتحدَّث إلى النبى قائلاً: يا رسول الله بأبى أنت وأمِّى، هذا ابن أمِّ عبد الله يفرُّ منك كلَّما رآك. فتبسَّم رسول الله وقال: أو لم أُبايعْه وأُؤمنه؟ فقال عثمان: بلى، ولكنه يتذكَّر عظيم جُرْمه.. فقال النبى: الإسلام يجُبُّ ما كان قبله (وهى العبارة التى كان النبى قد قالها من قبل، لعمرو بن العاص، يوم جاء ليعلن إسلامه ويبايع النبى).
وصار ابن أبى سَرْح من بعد ذلك، يجالس النبىَّ ويسلِّم عليه، مع بقية المسلمين، وبعد وفاة النبى اشترك الرجل فى الفتوحات وأبلى بلاءً حسناً، وكان فى صُحبة عمرو بن العاص حين دخل مصر بجيشه غازياً، بل كان قائد الميمنة (الجناح الأيمن من الجيش) حتى إذا تمَّ الفتحُ واستقر الأمرُ بيد المسلمين، جعله الخليفة عمر بن الخطاب أميراً على الصعيد، وترك لابن العاص إمارة بقية البلاد.
وسار ابن أبى سَرْح فى فترة إمارته على مصر، على غير ما كان عمرو بن العاص يريده. فقد كان عمرو يترفَّق بالمصريين فى جمع الجزية (ضريبة الدفاع عن البلاد) ولم يفرض على الناس قدراً معلوماً من المال، وإنما يقول ردّاً على ذلك القسِّ الذى سأله عن مقدار المال الواجب سداده سنوياً: «لو جئت لى بملء هذه الكنيسة ذهباً ما أخذته منك، فإنما أنتم خزانةٌ لنا، إن وسَّع اللهُ علينا وسَّعنا عليكم، وإن ضيَّق ضيَّقنا»، (أى بعبارةٍ معاصرة: نحن فى خندق واحد!).. وكان الخليفة عمر بن الخطاب، يشتد فى الخطاب مع عمرو بن العاص، ليحصِّل من جزية مصر ما كان يحصِّله الروم، وقد كتب إليه ذات مرة رسالة فيها: «من عمر بن الخطاب، إلى العاص بن العاص! أراك تحصِّل من مصر أقلَّ مما كان يحصِّله الروم، ومن قبلهم الفراعين على كفرهم وعُتُوِّهم.. إلخ» فردَّ عليه برسالة فيها: من عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، لولا مكانتك فى المسلمين لرددت عليك بما يناسب كلامك، وهؤلاء الفراعين كانوا على كُفرهم وعُتُوِّهم يُصلحون الأرض ويعتنون بالبلاد، فيكثر خراجها.. إلخ»، وكان عمرو يريد أن يسكن مدينة الإسكندرية، لكن الخليفة عمر رفض ذلك، ورفض أن يقتسم الفاتحون بلاد مصر ويجعلونها غنيمةً لهم. لأن لأهلها عهداً وذمة من قبل الفتح، ومعروف أن الخليفة »عُمر بن الخطاب« هو الذى عنَّف »عمرو بن العاص« حين اشتكى منه واحدٌ من المصريين، قائلاً: متى استعبدتم الناس وقد خلقتهم أمهاتهم أحراراً.
وتوفى الخليفة »عمر« بعدما اغتاله أحد المجوس (اسمه أبو لؤلؤة) فتولَّى من بعده عثمان بن عفان، وعزل عمرو بن العاص عن إمارة مصر، وجعل مكانه أخاه فى الرضاعة «عبدالله بن أبى سَرْح» فانصاع عمرو بن العاص ونفَّذ أوامر الخليفة بالعزل، من دون أن يفكر فى الثورة عليه أو الاستقلال بحكم البلاد، مثلما كانت عادة قوَّاد الروم (البيزنطيين) لمئات السنين.. وعاد عمرو إلى المدينة، وظل ساكناً هناك.
ومع أن الخليفة عثمان كان قد أوصى «ابن أبى سَرْح» بالترفُّق فى جباية الضرائب، وألا يظلم مسلماً أو معاهداً (بحسب نصِّ الرسالة التى حفظها لنا المؤرِّخون القدماء) إلا أن الوالى الجديد، فيما يبدو، أراد أن يثبت أنه أفضل من «عمرو» فى حكم البلاد، فأرهق الناس بضرائب كثيرة (ليس من بينها ضريبة المبيعات أو 12% خدمة) فثارت الإسكندريةُ على الحكم الإسلامى، خاصةً بعدما جاءها القائدُ البيزنطى الذى يسمِّيه العربُ منويل »إيمانويل« بأسطولٍ كبير، استطاع به انتزاع عاصمة البلاد (الإسكندرية) من يد المسلمين، وقام بنهب القرى المصرية.. وهكذا احتاج الخليفة »عثمان« إلى عمرو بن العاص، ثانيةً، فقام إلى مصر على رأس جيشٍ استطاع أن يطرد عنها الروم. وأعاد الفاتح البديع عمرو بن العاص الديارَ المصرية إلى حكمها الإسلامى.
وبينما كان »عمرو« يحتفل بانتصاره، جاء إليه أهل القرى المنهوبة على يد البيزنطيين، واشتكوا ما حلَّ بهم عندما عجز المسلمون عن الدفاع عن البلاد حين عاد الروم، فتفهَّم عمرو بن العاص شكواهم، وعوَّضهم عن خسائرهم.. يقول القسُّ الإنجليزى د. ألفريد بتلر فى كتابه (فتح العرب لمصر) ما ترجمته: «قالوا لعمرو بن العاص إنهم كانوا موالين للعرب، وكان لا بُدَّ له أن يقاتل عنهم، وقد أصابهم ما أصابهم حين قصَّر المسلمون فى حمايتهم. وكانوا على حق فى شكواهم هذه، ولكن قلَّما ترى بين القوَّاد المظفَّرين، مَنْ يعبأ بمثل تلك الشكوى، لكن عمرو أمر بتعويض القبط لما فقدوه ، فكان هذا إقراراً صريحاً من عمرو، بما عليه من فرضٍ واجب، فألزم نفسه فى صراحةٍ بأن يعوِّضهم عما لحق بهم، وهو الأمر الذى يدل على ما كان عليه عمرو من حُسن الرأى فى الحكم، وما كان متصفاً به من نبيل الصفات (انتهى كلام القسّ د. ألفريد بتلر).
ويبدو أن طريقة عمرو بن العاص فى حكم البلاد، لم تعجب الخليفة. ولهذا السبب (أو لأسبابٍ أخرى، غير معلنة) وصل إلى مصر قرار الخليفة عثمان بأن يتولَّى «ابن أبى سَرْح» إمارة الخراج وجباية الأموال، ويتولَّى «ابن العاص» إمارة الحرب والقتال.. وهو الأمر الذى رفضه عمرو بن العاص، وقال: «إذن، فأنا كماسك قرنىْ البقرة، وآخرُ يحلبها» فعزله الخليفة مرةً ثانية، واستدعاه إلى المدينة (يثرب) فظل هناك لعدة سنوات، ساكناً، خاملاً ، مكتئباً.
وعاد «ابن أبى سَرْح» إلى الاشتداد فى جمع الضرائب، وأرسل إلى المدينة مالاً أكثر بكثير مما كان يرسله عمرو بن العاص. فلما وصل المال إلى الخليفة «عثمان» استدعى عمرو بن العاص وقال له، ليغيظه: «لقد درَّت اللقاح (أى زاد الحليب) من بعدِك يا عمرو» فردَّ ابنُ العاص عليه من فوره قائلاً: لأنكم أعجفتم أولادها، فهزلت (حين سلبتم منها لبن الرضاعة).
والمؤرِّخون مختلفون فى شخصية عبدالله بن أبى سَرْح، فبعضهم يصفه بأنه «من أعقل القرشيين وأشرفهم» وبعضهم الآخر، ومنهم الطبرى، يقول عنه: «لم يكن فى وكلاء عثمان، أسوأ من عبدالله بن أبى سَرْح، والى مصر».. ومعروف تاريخياً، أن هذا (السوء) المشار إليه، كان هو السبب المباشر لمقتل الخليفة عثمان بن عفان، على أيدى »المصريين« أى العرب المسلمين، الذين كانوا يعيشون بمصر.
ظل عبدالله بن أبى سَرْح حاكماً لمصر، حتى قُتل الخليفة عثمان سنة 35 هجرية، وكانت ولايته على البلاد سنة 27 هجرية، فكانت هذه السنوات حافلة بالوقائع الدالة على صعوبة رسم صورة محدَّدة لابن أبى سَرْح، فهو من جهةٍ: الفاتح الذى أدخل الإسلام إلى أفريقية (كلمة أفريقية تعنى فى المصادر العربية المبكرة: تونس) وهزم أسقفها العسكرى «جورجيوس» ويقال: بل قَتَله، وغَنِم من هناك غنائم كثير، وصل معها نصيب (الفارس) ثلاثة آلاف دينار، ونصيب (الراجل) ألف دينار.. و ابنُ أبى سَرْح هو الذى هادن أهل النوبة وصالحهم على العهد الذى سُمِّى لاحقاً (اتفاقية البقط).. و ابنُ أبى سَرْح هو الذى هزم فى موقعة «ذات الصوارى» سنة 34 هجرية الأسطولَ البيزنطى الذى ظل لمئات السنين مسيطراً على مياه البحر المتوسط، وكان تعداده فى الموقعة يبلغ ألف سفينة حربية (وقد كان العرب المسلمون قبل سنوات قليلة، يخشون ركوب البحر، وهو إنجازٌ كبير لابن أبى سَرْح، وإن كان أمير الشام آنذاك »معاوية بن أبى سفيان« قد أعانه بسفنٍ حربية أرسلها إلى موقعة ذات الصوارى من الشام).
ومن الجهة المقابلة، كان «ابن أبى سَرْح» يجهد البلاد فى جمع الضرائب، ويغدق على نفسه! حتى إنه بنى داراً فخمة فى مصر، فقال له المقداد بن الأسود: إن كانت هذه الدار من مالك فقد أسرفت، والله لا يحب المسرفين، وإن كانت من مال الله (الخراج) فقد خُنت، والله لا يحب الخائنين.. وكانت بمصر فتاة جميلة اسمها «بسيسة بنت حمزة بن ليشرح»، وكانت مخطوبة لشاب من المسلمين، وبين المخطوبَيْن حبٌّ عميق. فلما رأى ابن أبى سَرْح الفتاة أعجبته، وطلب من خطيبها أن يتركها له (مع أن الحديث الشريف يقول للمسلمين: لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه) فتركها حبيبُها مضطراً.. فلما كان قتال المسلمين والروم فى «ذات الصوارى» وقع الأمير عبدالله بن أبى سَرْح بين سفينتين، والتفَّت حوله الحبال والسلاسل، فكاد يهلك، لولا أن الفتى المحروم من حبيبته «بسيسة» اقتحم الموضع الذى عَلِق فيه ابن أبى سَرْح، وراح بسيفه يذود عنه ويقطع الحبال والسلاسل، حتى أنقذه من الموت .. وقد بقيت »بسيسة« فى بيت الأمير »ابن أبى سَرْح« حتى عُزل واعتزل بأرض فلسطين، ومات هناك .. فعادت إلى خاطبها الأول، وتزوَّج الحبيبان القديمان، بعدما ضيَّع الزمان منهما سنوات الشباب والروعة.
وحسبما ذكرنا فى المقالة السابقة، فقد أعان عمرو بن العاص «معاوية بن أبى سفيان» فى صراعه على الخلافة مع الإمام «علىّ بن أبى طالب» حتى استقام الأمر لمعاوية واستقر على العرش، وصار مشغولاً بمسألة (التوريث) وأخذ البيعة لابنه يزيد، وهو الأمر الذى لم يعترض عليه عمرو بن العاص! فكانت مكافأته، أنه عاد ليحكم مصر ويظل أميراً لها حتى وفاته ودفنه بجبل المقطم.
أما أهل مصر، فصاروا يدخلون فى الإسلام رويداً، مثلما دخلوا فى المسيحية من قبلُ رويداً.. فمثلما تخلَّى المصريون (على اختلاف أطيافهم) عن الديانات القديمة التى اعتنقوها قروناً من الزمان، لصالح الديانة المسيحية التى وفدت إليهم من شمال الجزيرة العربية (فلسطين) وهو الأمر الذى استغرق ما يقرب من ثلاثمائة عام، تخلَّى معظم المصريين عن المسيحية لصالح الديانة الإسلامية، التى وفدت إليهم من قلب الجزيرة (مكة) وهو الأمر الذى استغرق أيضاً، قرابة الثلاثمائة عام.. فمع القرن الرابع الميلادى كان معظم أهل مصر مسيحيين، وصارت اليونانية هى لغة الدين والدنيا.. ومع القرن الرابع الهجرى كان معظم أهل مصر مسلمين، وصارت العربية هى لغة الدين والدنيا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.