منذ 10 سنوات تقريبا، كنت حاضرا فى مؤتمر صحفى بين عمرو موسى وشيمون بيريز حينما كانا وزيرين للخارجية عقب لقاء مع الرئيس مبارك.. المؤتمر كان فى القاعة المخصصة للمؤتمرات الصحفية بالرئاسة، وأطلق بيريز بعض التصريحات ذات النبرة العالية ضد الفلسطينيين خلال المؤتمر، فهب عمرو موسى ملقنا إياه درسا على الهواء، وقد سعدنا جميعا كصحفيين مصريين بأداء وزير الخارجية عمرو موسى لأنه لم يترك بيريز يواصل مزاعمه ومغالطاته وافتراءاته، بينما كان الحرج باديا على وجه بيريز ومرافقيه من الصحفيين.. وخلال تلك الفترة كانت تتكرر المؤتمرات الصحفية بين موسى ومادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، وكانت مفرطة الانحياز لإسرائيل مهما أجرمت فى حق الفلسطينيين، ولكنها كانت تخشى مؤتمراتها الصحفية مع موسى لأنه كان شديد اللهجة فى الرد عليها.. وقد كنا كصحفيين ننتظر المؤتمرات الصحفية لعمرو موسى كى نستمتع بالمبارزات التى كان ينتصر فيها دائما على قرنائه من الإسرائيليين والأمريكيين، وكنا نشعر بالفخر من هذا الأداء. ثم تولى الوزير أحمد ماهر مسؤولية الخارجية المصرية ، وكان وزيرا محترفا واسع الثقافة وذا أداء راق وهادئ، إلا أنه كان دائما مظلوما بالمقارنه مع كاريزما عمرو موسى، وإن كان عدد كبير من الدبلوماسيين المصريين يرون أن أحمد ماهر أحدث إصلاحا غير منظور من الداخل فى الخارجية المصرية رغم قصر مدته كوزير. ولكن منذ حل أحمد أبوالغيط وزيرا للخارجية والأداء الدبلوماسى المصرى يبدو مرتعشا ومترنحا وضعيفا، فلا هو مقنع للرأى العام المصرى من ناحية، ولا هو مقنع للأطراف الخارجية من جهة أخرى.. وتجلى الفشل الدبلوماسى المصرى فى أزمة العدوان الإسرائيلى الغادر على غزة، فقد وقفت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبى ليفنى لتهدد حماس وتعلن الحرب على غزة من مصر وعقب لقائها مع الرئيس المصرى، بينما وقف أبوالغيط بجوارها وكأنه فى عالم غير العالم، فلم ينطق بحرف، ولم يوضح أن مصر ترفض ذلك، ولم يقل إن مصر طلبت من إسرائيل التراجع عن هذا القرار.. فقط صمت صمتا مريبا تاركا كل متلقٍ يفسر هذا الصمت حسب هواه ورؤيته ونواياه، بل إنه كان بالغ الحنية عليها وسارع بسندها حينما تعثرت على السلم أثناء خروجها.. ومع أول صاروخ تضربه إسرائيل على غزة، انطلقت التصريحات الغادرة رسميا وشعبيا تنهش فى لحم مصر وتتهمها بالخيانة والعمالة وبيع الفلسطينيين.. وأصبح الرد المصرى فيما بعد عديم الجدوى وغير قابل للتصديق. ثم جاء شتاينماير وزير، الخارجية الألمانى، للقاهرة ووقف بجوار أبو الغيط الأسبوع الماضى معلنا أن بلاده سترسل خبراء للتعاون مع الخبراء الأمريكيين الموجودين على الحدود المصرية مع غزة، وقد التزم أبوالغيط مبدأ الصمت، تاركا لنا الحيرة والتساؤلات.. فالموقف الرسمى المصرى المعلن هو رفض المراقبة الدولية لحدود مصر باعتبار أن المشكلة بين الفلسطينيين فى غزة وإسرائيل .. ولكن يبدو أن أحدا همس فى أذنه ليذكره بأن الوزير الألمانى - الذى كان قد غادر بالفعل - صرح بعكس التوجه المصرى، وأن الأمر يستحق التوضيح، فعاد ليتحدث منفردا ويفسر للصحفيين المصريين تصريحات الوزير الألمانى قبل دقائق.. وكانت وسائل الإعلام الدولية المرافقة للوزير الألمانى قد غادرت القاعة.. أى أن تصريحات الوزير أبوالغيط كانت موجهة للمصريين فقط، بينما تصريحات الوزير الألمانى موجهة للمصريين وللعالم كله.. والغريب أن يأتى النفى من محافظ شمال سيناء محمد عبد الفضيل شوشة فى تصريحات لشبكة «بى. بى. سى» البريطانية. وتجسد الفشل من جديد فى ذلك البيان الغريب الذى أصدرته وزارة الخارجية المصرية ردا على دعوة قطر لعقد قمة عربية بالدوحة لمناقشة الوضع فى غزة.. ولايوجد من لايعرف الأسباب الحقيقية لدعوة قطر، ولا يوجد من لا يعرف حقيقة الدور القطرى.. ورغم ذلك خرج البيان مؤكدا أن مصر ترى أن قمة الكويت الاقتصادية ستكون فرصة ملائمة للتشاور حول الوضع فى غزة.. وخلا البيان من أى كلمة رفض صريح أو قبول، وترك كل متلقٍ يفسر الأمر حسب هواه.. والدبلوماسية فى هذا الوقت كانت تحتاج لموقف واضح ومحدد وقوى يرد على من يريدون النيل من هيبتها ومكانتها، ولاأعلم من الذى صاغ البيان، ولكن كان الأصح أن يكون متضمنا أن مصر ترفض دعوة قطر وترى أن عقد قمة لا يفيد القضية، خاصة أن قمة أخرى ستعقد فى الكويت بعد الموعد المقترح بيومين فقط.. ولكن الذى صاغ البيان برهن أن الدبلوماسية المصرية خائفة حتى من إعلان موقفها بكلمات واضحة. صواريخ إسرائيل قتلت أكثر من 1000 شهيد فلسطينى حتى الآن.. ولكنها أيضا أصابت الدبلوماسية المصرية فى مقتل، وكشفت أنها ضعيفة ومهتزة، وبدت لنا كأنها تتبنى مواقف أثق أن مصر الرسمية لم تتبنها. قد يبدو الوقت غير ملائم للوم الخارجية، ولكن الحقيقة أن وزارات ومؤسسات مصرية كثيرة أصابها الضعف بسبب عدم التدقيق فى اختيار من يتولون قيادتها.. وربما مثال الخارجية هو الأكثر وضوحا الآن بسبب العدوان على غزة.. وقد نادينا كثيرا بالتغيير فى المفاهيم والأساليب والأشخاص، ولم يستجب أحد.. نحن نحتاج سنوات لتدارك آثار تلك السياسة الخاطئة.. ولو انتظرنا سنخسر مكانتنا وهيبتنا أكثر وأكثر. [email protected]