نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية تقريرًا حول سر بقاء الرئيس المخلوع حسني مبارك إلى الآن داخل مستشفى المعادي العسكري. وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي نشره موقعها الإلكتروني اليوم الثلاثاء: "حياة مبارك ليست سيئةً.. فهو يتواصل مع عائلته ويستمتع بباقات الزهور التي ترسل إليه كهدايا ويطالع الصحف ويحصل على وجبات تيك واي وتزوره زوجته ونجلاه وأحفاده، كما يستمتع بنظره واسعة على النيل أمام المستشفى، ورغم كل ذلك، لم تصل الرفاهية التي يتمتع بها الرئيس المخلوع إلى حد خروجه من المستشفى وهو ما يمثِّل لغزًا كبيرًا للبعض، وبخاصةً بعد أن أتم بالفعل فترة حبسه الثلاث سنوات في القضية الوحيدة التي حكم عليه فيها، فهو فعليًّا رجل حر". وأضافت: "الفراغ القانوني المتعلق بمبارك مستمر، حتى رغمَّ أنَّ العديد من حلفائه السابقين الذين تنامت ثرواتهم بشكل فاحش خلال العقود الثلاثة لحكمه، يبرمون في هدوء صفقات مع الحكومة لإسقاط أحكام إدانتهم، والعديد من أصدقاء مبارك بينهم هؤلاء الذين يزورونه في المستشفى يفسرون الوضع الحالي له بأنَّه جراء صفقة ناعمة بينه وبين الجيش القوي، حيث فسَّروا ذلك بأن الجيش وبخاصةً بعد صعود الرئيس عبدالفتاح السيسي للسلطة يتساهل بشكل كبير مع شخصيات نظام مبارك، وفي الوقت ذاته تخشى المؤسسة العسكرية من الاحتجاجات في حالة الإفراج عنه، لذلك "توصَّل الجانبان لاتفاق تسوية وافق خلاله مبارك على البقاء في المستشفى، فيما وافقت الحكومة على استمرار حرية نجليه علاء، رجل الأعمال، وجمال، الذي نظر إليه ذات يوم باعتباره وريثًا سياسيًا، حيث أطلق سراح الاثنين العام الماضي". ونقلت الصحيفة تصريحات يسري عبد الرازق، المحامي المتطوع للدفاع عن مبارك، قوله: "عندما يتحدث مبارك على الملأ تنزعج السلطات، ونقطة ضعفه تتمثل في نجليه".
وأوضَّح عبد الرازق أنَّه حصل على إذنٍ من مبارك قبل التحدث إلى الصحافة.
وأشارت الصحيفة إلى أنَّ قوات الأمن والرعاية الصحية عاملان آخران لإقامة مبارك داخل المستشفى، بحسب ما ذكره أصدقاؤه.
وذكرت الصحيفة: "ما زال هناك العديد من المصريين يعتبرون مبارك رمزًا للمحسوبية المتفشية والقمع اللذين ابتليت بهما مصر على مدى عقود، لذلك يمثل استمرار حبسه أحد الانتصارات العامة المتبقية من ثورة يناير". ونقلت الصحيفة كذلك عن أسامة دياب الباحث المعني بشؤون مكافحة الفساد في "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" قوله: "بالطبع كان مبارك فاسدًا لكنه كان يعرف كيف يحصل على المشورة الجيدة، لكن الآن نحن في كارثة.. مبارك كان ديكتاتورًا يتمتع بالكفاءة، أمَّا السيسي لا". وجاء في التقرير: "الإذلال الذي تعرض له مبارك خلال عامي 2012 و2013 بالظهور داخل قفص الاتهام بالمحكمة قد ولى، فهو نجا من الاتهامات الأكثر خطورة من قتل المتظاهرين فيما يواجه إعادة المحاكمة في قضية واحدة مع القليل من التوقعات بأنها ستعقد قريبًا". ونقلت الصحيفة عن عاملين بالمستشفى قالوا: "هو يعيش هناك في ظل نظام متساهل لكنه في ذات الوقت حازم، فالأمن داخل المعادي العسكري محكم، كما أنَّ جميع الزائرين يخضعون لتدقيق من وزارة الدفاع". وأوضحت: "مبارك يجري مناقشات هاتفية عبر جواله المحمول، أحد أجهزة نوكيا القديمة والذي لا يستطيع الدخول على الإنترنت من خلاله، ويستقبل حلاقًا من حين إلى آخر يصبغ له شعره، فيما قالت بعض الممرضات إنَّه أحيانًا يتمشى في الردهات كجزء من علاج طبيعي من كسر سابق في الحوض". وحسب الصحيفة، ذكر العاملون بالمستشفى أنَّ حالة مبارك المزاجية تنحرف من المعنويات المرتفعة إلى تذمر مرير، متحدثين عن رجل يحتقر حلفاءه الذين تخلوا عنه، ويرفض المحتجين الشباب الذين أخرجوه من السلطة، ولا يبدو، بشكل كبير، نادمًا على 29 عاما قضاها في السلطة. وقال حسن غندور، أحد أفراد الحرس الجمهوري السابقين، والذي يرتبط بعلاقة صداقة مع مبارك، إنَّه يشعر بالخيانة عندما يشاهد منتقدين له على شاشات التلفزيون كانوا قد دأبوا على تملقه، وهو ما يجعل مبارك في حالة انزعاج شديد". وذكرت "نيويورك تايمز": "مستشفى المعادي العسكري كان مسرحًا لدراميات سياسية أخرى تتعلق بأواخر العمر، حيث توفي بها شاه إيران وفي نفس الطابق الأسفل الذي يقبع فيه مبارك، بعد هروبة من طهران عقب الثورة الإسلامية، كما لفظ فيها الرئيس الراحل محمد أنور السادات أنفاسه الأخيرة بعد إطلاق النار عليه في العرض العسكري". وأشارت إلى أنَّه بعد المكالمة الهاتفية التي أجراها مبارك في أحد برامج "التوك شو" العام الماضي، تمَّ تشديد الإجراءات الأمنية عليه. ومضت الصحيفة تقول: "منذ صعود السيسي إلى السلطة عام 2013، أظهرت الحكومة والمحاكم تساهلاً كبيرًا تجاه الشخصيات القوية في عهد مبارك، من مليارديرات البيزنس ووزراء وذوي المحسوبية، والذين نالوا البراءة أو أطلق سراحهم من السجون، بما يؤكد التغيير الحاد الذي اعترى مصر". وأضافت: "في أحدث القضايا، أسقطت محكمة استئناف حكمًا بحبس أحمد نظيف رئيس وزراء مبارك، كما يسعى آخرون لشراء حرياتهم بالمال، حيث قال محامي رجل الأعمال المقرب من مبارك حسين سالم، الذي هرب إلى إسبانيا عام 2011، إنَّ موكله موافق على التنازل عن 75% من ثروته أي نحو 5.5 مليارات جنيه مقابل إسقاط حكمي إدانة بمجموع 15 عامًا". وقال عادل السعيد المسؤول بهيئة الكسب غير المشروع، المسؤولة عن نظر هذه "الصفقات" كما وصفتها الصحيفة، إنَّه تلقَّى أكثر من 30 عرضًا للتسوية مع رجال أعمال ومسؤولين مرتبطين بعهد مبارك، فيما ذكر مسؤول آخر بنفس الهيئة أنَّ مبارك أيضًا كان يأمل في إبرام صفقة عبر دفع عشرة ملايين دولار مقابل إسقاط حكم إدانته بالفساد. ورأت الصحيفة أنَّ عرض مبارك من غير المرجح أن يكتب له النجاح في القريب العاجل، موضِّحةً أنَّ ما يشغل بال مبارك حاليًّا هو تشكيل إرثه الخاص، وإسقاط حكم الإدانة واستعادة النياشين العسكرية وإقامة جنازة رسمية له بعد موته.