يكتب : شجر العمايشة تُوتُ البَرَاءَةِ فِى الطُّفُولَةِ وَالصِّبا قَدْ عَلَّمَ القَلبَ المُغَامَرَةَ الَّلذِيذَةَ فَارتَقَاهَا جَامِحَاً مُسْتَعذِبَا وَجَرَى هُنَاكَ كَمَا جَرَى عَرَقُ الجَبِينِ ظَهِيرَةً مُتَصَبِّبَا هَذَا عَصِيرُ الرُّوحِ بَلَّ عُرُوقَ صَولَتِهِ فَصَالَ مَعَ السُّهُولِ تَصَاعُداً صَوبَ الرُّبَى أَغصَانُ لَهفَتِهِ تَدَلَّتْ مُثقَلاتٍ بِالكُنُوزِ وَوَاعَدَتْ قَلبَ الفَتَى أَلا يَعُودَ سِوَى لَهَا مُسْتصحِبَا مَنَحَتْهُ وَعْدَ الرِّيحِ لِلأَشجَارِ حَلَّقَ حَيثُ شَاءَ مُشَرِّقَاً وَمُغَرِّبَا لَمْ يَرضَ يَومَاً أَنَّ يَمُدَّ الكَفَّ يَقذِفَ سِدْرَةَ الحُلمِ المُخَبَّأَ كَى تَجُودَ... أَبَى أَبَى إِلا صُعُودَاً نَحوَ ذِروَتِهَا فَتُوتُ الحُلمِ لا يَأْتِى لِمَنْ يَرنُو بِخَوفٍ عَاجَزِاً مُتَهَيِّبَا يَا تُوتَ أَيَّامِ البَرَاءَةِ دُمْ بِحَلقِى وَاسْقِ رُوحِى، طِبْ لِنَفْسِى مَشْرَبَا مدهشة تلك الرائحة التى تسرى فى أشهر الربيع فى كل عام، لا أتحدث عن رائحة الأزهار التى تسرى فى أجواء الدنيا، ولا عن رائحة الفتوة التى تسرى فى آفاق الروح، ولكن عن رائحة الذكريات التى تحمل الإنسان إلى زمن الصبا الجميل وذكرياته الاستثنائية. أنا شخصيا تحملنى هذه الرائحة إلى روح المغامرة اللذيذة التى ارتبطت بثمار التوت على أشجارها السامقة التى تحفظ خرائط أرواحنا، ربما بأكثر مما نحفظ نحن خريطة توزيع أغصانها. نعم كان الربيع يعنى لدينا ذلك التسابق المدهش إلى حيث أشجار التوت المصطفة على شاطىء النيل، ثم التسابق إلى أعلى نقطة فيها حيث الوصول إلى الثمار التى لا يصل إليها أحد، كنا نحفظ مكان كل شجرة ومذاق كل لون من ألوان الثمر، التوت الأبيض والتوت الأسود والتوت الحبشى الذى يمزج ما بين الأبيض والأسود فى لون بنفسجى فاتح جميل. لم يكن الأمر مجرد متعة تذوق الثمر اللذيذ، بل حياة كاملة فيها المغامرة الحذرة، والحذر المغامر، والطموح الجامح، والقدرة على الإنجاز. هل كانت مجموعة أشجار آل عماشة التى كنا نسميها "شجر العمايشة" تغرينا فقط بطعم ثمرها اللذيذ؟ إذا كان هذا صحيحاً فلماذا لا يكون لهذا الثمر طعم حين يأتينا حتى باب البيت؟!! وهل كان التوت الحبشى الذى تمنحنا إياه الشجرة الساكنة ما بين المقابر وشاطىء النيل سيحتفظ بطعمه الساحر إذا انتظرنا أن يأتينا به أحد نظيفاً مغسولاً حتى باب البيت، بعيداً عن رعشة المرور على المقابر، ولسعة الشمس التى توشك أن تكون حارقة، وبعض الجروح المصوبة ببعض الأتربة من جراء الاحتكاك بجذ الشجرة وأغصانها بعد السير فى الطريق الطويل المترب؟!! هل كانت دروب "ميت أبوغالب" وشواطىء نيلها تمنحنا لذة الثمر أم لذة المغامرة؟ وهل كانت تسقينا عصير الثمر فى أفواهنا أم عصير التجارب فى أرواحنا؟! وهل كان هذا كله هو ما يمنح الربيع رائحته التى مازالت تعاودنا إلى اليوم، أم أن الربيع بفتوته التى يبعثها فى الأرواح هو ما كان يحفزنا إلى تلك التجارب الاستثنائية؟ وهل؟ وهل؟وهل؟ أسئلة لا تنتظر الإجابة بل تمنح الحياة التى فقدت طعمها ومعناها طعماً ومعنى. المشهد .. درة الحرية المشهد .. درة الحرية