رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر يشارك في احتفال الصلاة للكنيسة الرسولية بالقاهرة    جامعة قناة السويس تستقبل وزير الأوقاف في مناقشة علمية لمعهد الدراسات الأفروآسيوية    د.محمد عفيفى يكتب : فبراير فى التاريخ المصرى    شعبة الدواجن: لدينا اكتفاء ذاتي وفائض 25% والتجار السبب في زيادة السعر    مؤسسة أبو العينين تستعرض خطة رمضان خلال ورشة عمل التحالف الوطني    الهند تعتزم شراء سلع أمريكية بقيمة 500 مليار دولار بعد إلغاء ترامب رسوما عقابية    القوات الأوكرانية تهاجم مقاطعة روسية بالصواريخ    وزير الإعلام الصومالي يؤكد خطورة التدخلات غير المشروعة على استقرار إفريقيا والعالم    الأهلي يكشف تفاصيل إصابة تريزيجيه.. أشعة بالقاهرة    لوائح آسيا تُبعد بنزيما عن قمة الهلال وشباب الأهلي    مركزية دشنا تستقبل جثة عامل في ظروف غامضة بقنا    أتربة عالقة ورذاذ خفيف غير مؤثر، تفاصيل طقس غدا الأحد    شاهد لقطات من زيارة رئيس لجنة تطوير الكرة النسائية بفيفا لمقر اتحاد الكرة    مصرع شقيقتين في حادث تصادم بالطريق الزراعي بالبحيرة    «الحب» بقبة الغورى    أحمد داود يساند زوجته علا رشدي في عزاء والدها الراحل | صور    النائبة أميرة صابر: كتبت في وصيتي التبرع بأعضائي.. والمقترح طوق نجاة لآلاف المرضى    التاريخ    لعبة وقلبت بجد الحلقة 25.. شريف وسامح ينصبان فخا محكما لكارم للإيقاع به    محلل سياسى فلسطينى: اليمين الإسرائيلي يرى في حرب غزة فرصة لتكرار تهجير 48    أزمة الأخلاق وخطر التدين الشكلى!    هل يجوز تأخير الدورة الشهرية بالأدوية لصيام رمضان كاملًا؟.. أمينة الفتوى تجيب    غرفة القاهرة تكثف جهودها لتجهيز معرض أهلا رمضان 2026 الرئيسي بمدينة نصر    عميد قصر العيني: لنا دور وطني في إعداد أجيال من الأطباء المؤهلين    تونس.. وقفة احتجاجية تنديدا باستمرار العدوان الإسرائيلي على غزة    اتحاد الكرة يعلن موعد غلق القيد في الدوري المصري    "الصحة": التبرع بالجلد لا يسبب تشوهات.. والمأخوذ طبقة رقيقة جدًا    مران الزمالك – تخفيف الحمل البدني لتفادي الإجهاد قبل مواجهة زيسكو    تشكيل برشلونة أمام مايوركا في الدوري الإسباني.. لامين يامال في الهجوم    فرانك: كان من الممكن أن نخسر بخماسية أمام مانشستر يونايتد    عندما كان جرام الذهب ب 48 قرشا.. لم يلمع الذهب وحده بل لمع الزمن    ربيع الكتاب فى القاهرة.. هل حقًا تراجع معرض القاهرة الدولى فى دورته ال57؟.. أرقام قياسية تجعله كرنفالًا وعيدًا للثقافة.. والمدير التنفيذى للمعرض يؤكد: تضاعف مبيعات الناشرين العرب مقارنة بالعام الماضى    5 إجراءات عاجلة من "الأطباء" ضد ضياء العوضي    زيلينسكي : الولايات المتحدة تريد من روسيا وأوكرانيا إنهاء الحرب بحلول الصيف    أوقاف الشرقية: افتتاح 6 مساجد بتكلفة 23 مليون جنيه لاستقبال رمضان    بعد قليل، محافظ أسيوط يعتمد نتيجة الشهادة الإعدادية ويعلنها رسميا    تصرف غريب من مها نصار بعد منشور مهاجمتها هند صبري    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون حملة تبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    أكاديمية الشرطة تستقبل وفدًا من دارسي برنامج الدبلوماسية الشبابية| فيديو    ابنة الرئيس الأمريكي تزور معبد حتشبسوت بالأقصر    مصر تعزز دورها في حماية التراث الإنساني باستعادة رأس تمثال أثري    مع بداية الفصل الدراسي الثاني… أولياء الأمور يطالبون بالغاء التقييمات الأسبوعية    كرة سلة - بقيادة أوجستي.. الكشف عن الجهاز الفني الجديد لمنتخب مصر    موتٌ في قعر القَذَر ..بقلم الشاعر/ معصوم أحمد / كاليكوت-الهند    قبل رمضان.. فتح مسافات جديدة بالطريق الدائري الإقليمي وتكثيف إجراءات السلامة    لأول مرة.. الرقابة المالية تتيح لشركات السمسرة تسويق خدماتها عبر المنصات الرقمية    هجوم روسي واسع يستهدف البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا.. تفاصيل    وزير الخارجية يستقبل رئيس لجنة العشرة الأفريقية لإصلاح مجلس الأمن    النائب محمد زين الدين يقدم اقتراح برغبة لتخصيص أماكن للباعة الجائلين لمواجهة الفوضى    محافظ أسوان يتابع تحسين التغذية الكهربائية لقرى مبادرة حياة كريمة    مد أجل الحكم في الطعن على فوز القائمة الوطنية بغرب الدلتا بانتخابات النواب    توتنهام بالقوة الضاربة في مواجهة مانشستر يونايتد    الزراعة: تحصين أكثر من 2.1 مليون رأس ماشية حتى الآن ضمن الحملة الاستثنائية ضد الحمى القلاعية    بعد مقترح برلماني.. عالم أزهري يضع 7 ضوابط شرعية للتبرع بالجلد بعد الوفاة    بعد اقتراح برلمانية تبرع المواطنين بجلودهم، محمد علي خير: "كتير علينا يا رب.. إحنا أصحاب عيا"    رادار الداخلية يرصد 123 ألف مخالفة.. مفاجآت في تحليل المخدرات للسائقين    نجاح أول جراحة أورام بمنظار البطن الجراحي بمستشفى التأمين الصحي ببني سويف    أول تحرك برلماني بشأن ضوابط استخدام مكبرات الصوت بالمساجد في شهر رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفنان الشعبي المجهول يؤرخ لملابسات مصرع مأمور البداري
نشر في القاهرة يوم 24 - 04 - 2012

كتاب الأستاذ صلاح عيسي الجديد «حكاية مصرع مأمور البداري» أثار شجوني وأعادني إلي سنوات الطفولة، عندما كنت اسمع موالا طويلا يتناول هذه الحكاية، التي نشرها كاتبها في جريدة «القاهرة» ثم صدرت في هذا الكتاب الذي أظهرته هيئة قصور الثقافة. أخيراً وقضية البداري تجاوزت فيها الأمور مداراتها العادية، وأذاعتها الأيام في توالي مرورها علي الأسماع، وذهبت في الحياة حكاية تحكي، وقد غشيتنا منها نغمات شجية، ولكن هذا الشجن مثير للتأمل والفكر وربما يكون هذا ما دعا صلاح عيسي إلي التفكير في هذه القضية والبحث في ملابساتها وبث خلاصة ما انتهي إليه في هذا الكتاب التاريخي النابض. الحكاية وخلاصة الحكاية أن الإرهاب الذي مارسه رئيس الوزراء إسماعيل صدقي طال مدينة البداري علي يد مأمورها «يوسف الشافعي» الذي حكم المدينة بالقوة الغاشمة سنة 1932، وكان للبداري عمدتان أحدهما محمد همام والآخر من آل نصار، وكان الهمامية أرجح من الآخرين وبينهم وبين أسرة جعيدي عبدالحق ضغائن وملاحاة، وكان المأمور يميل إلي بيت همام ويقبل تحريضه ضد أحمد الجعيدي، فقسا عليه مع صاحبه حسن عاشور الذي اشتهر بلقب «حسونة» وكان أحمد قد تلقي قدراً من التعليم في أسيوط، مما جعله يزهو بنفسه أو علي حد قول صلاح عيسي كان «معجبانيا» فزاد المأمور في اضطهاده والتنكيل به إلي حد إساءة الأدب، ولم يسلم حسونة من ذلك، وكان ما يفعله مدعاة للقيل والقال في المدينة، فامتلأ الصاحبان غيظا وحقدا عليه وبيتا للانتقام منه. وكان المأمور سادرا في الخيلاء يمر في شوارع المدينة ولا يعبأ بأحد وغرّه خشوع الناس له، واجتهد الصاحبان في التعرف علي خط سيره وتربصا له في مكان ساكن، وبيد كل منهما بندقية، ولما تداني المساء، وانتشر الغبش وهلّ البيه المأمور دون حذر وبصحبته المفتش الزراعي، ودخلا منطقة الخطر وصارا في مرمي البندقيتين وتجدد عزم الجعيدي وحسونة، رمي كل منهما ست رميات سريعة علي المأمور وصاحبه، ودوّي الرصاص، وانهار الأول وتمرغ في الدم وأعطي نسمات المساء زفراته الأخيرة، أما المفتش فقد أصيب وتلوي من برح الألم، وكان ذلك في 19/3/1932 . وتم القبض علي القاتلين، وحوكما، وصدر حكم بالإعدام علي الجعيدي وبالأشغال الشاقة المؤبدة علي حسن عاشور، وكان لدور محكمة النقض وفحصها القضية بعناية وموقف علي ماهر باشا أكبر الأثر في تخفيف حكم الإعدام إلي الأشغال الشاقة المؤبدة، هذا موجز القضية. ولم يكن المؤلف سارداً لواقعات الحادثة فحسب وانما نهض بإبراز الخلفيات السياسية المعقدة، والأجواء الحزبية المتقلبة وذكر أسباب تأييد الملك والإنجليز للانقلاب الدستوري الذي أحدثه إسماعيل صدقي والتمكين له لتقوي سيطرته علي الوطنيين ومن كانوا يعرفون بالمتطرفين واستقراء مواقف الساسة الأساطين وتدبيراتهم لإحباط سياسة صدقي وعرض كل هذا بأسلوب يجلي غوامض السياسة. وواضح أن الأستاذ صلاح عيسي اعتمد في التأريخ لقضية البداري علي الصحف القديمة الصادرة عام 1932 ويجب إحاطة القارئ علما بأن هذه الحادثة لم تأت في الصحف في عدة أسطر أو عدة فقرات وإنما كانت ترد في صفحات كاملة، ابتداء من الصفحة الأولي وتتابع في الأيام التالية ولا تنشر تفاصيلها في جريدة واحدة بل في معظم الجرائد الكبري مثل «الجهاد» و«البلاغ» و«كوكب الشرق» و«السياسة» وغيرها مما يعني أن المادة الصحفية المكتوبة غزيرة، ومجرد الإقدام عليها لاستيعابها يعد اجتراء، فياطول بال المؤلف ووفرة نشاطه، والذي وضع مؤلفاً ضخما عن «رجال ريا وسكينة» لا نستكثر عليه استيعاب قضية البداري وهذا الفيض من الكتابات استدعي من صلاح عيسي أن يدير الطرف فيه، ويفحصه وينتخب منه ما يراه أكثر دلالة وأوفي بالمراد وأقدر علي فتح مغالق الموضوع، وكان هذا شغله الناصب، فقد خلّص المادة الصفية من الشوائب والنعرات ومما هو مكرر وعديم الفائدة ثم حرر نفسه من الانفعالات المباشرة ومن تأثير الأحاسيس الضاغطة الناجمة عن القراءات. ووافي المادة المنقاة بثقافته وتجاربه في الحياة وما أفاده من قدراته الفنية إلي جانب ما تلهمه به خطراته وكتب كل هذا بتنسيق فجاءت رؤيته موافقة للعقل، ودل علي أن ما دونه ليس سرداً محضاً. ويضم الكتاب ترجمتين لإسماعيل صدقي وأحمد الجعيدي، لم تأتيا في الكتاب لذاتهما، وإنما جاءت مفردات كل منهما مبثوثة أو متفرقة في السياق العام للموضوع منذ مولد الأول إلي أن هلك ومنذ مولد الثاني إلي أن أمضي فترة العقوبة وبارح السجن في عام موت صدقي سنة 1950 . وإذا كانت كل ترجمة منهما قد ظهرت فيها الخطوط العريضة دون إسهاب، فإن ما ورد فيهما يدل علي أنه عرفهما وفن كتابة التراجم هو فن معرفة الشخوص ورؤيتهم علي طبيعتهم، وهذا يحتاج فيه كاتب التراجم إلي علم وفهم وقدرة علي النفاذ إلي سراديب نفس المترجم والوقوف علي بواعث فعله، وقد استبطن المؤلف عقدة إسماعيل صدقي التي تجلت في عدم انتخابه عام 1924، بالرغم من الخدمات التي أسداها لمصر فأضمر سوءاً للشعب واتخذ من العقاب الجماعي وسيلة للانتقام، ووضح - أي المؤلف - أن شخصية صدقي لم تكن متآلفة مع العصر وشعب مصر فقد كانت فترة حكمه فترة قهر وأزمات ومن الاستحسان أن يتناوله بالتقريع. وتبدو ألمعية المؤرخ عندما يجد ثقوبا واسعة في واقعة من الواقعات ويقوم بملئها وترميم شقوقها وذلك بتصورات سليمة تسعفه وتتراءي له، وقد وجد صلاح عيسي نفسه أمام موقف علي ماهر المتعاطف مع الجعيدي ولا تفسير لصلابة هذا الموقف في الكتابات الصحفية فافترض عدة افتراضات ليست من خدع الوهم والتصور وسد بها الثغرات المفتوحة ليلتئم نسيج القضية ومفادها ان علي ماهر أزّم الأوضاع أمام صدقي ليقوي نفوذه في الحكومة، وأراد الفرار من حكومة تتساقط وتهيئة نفسه لرئاسة وزارة جديدة، وأن حزب الاتحاد الذي ينتمي إليه يرغب في الانسحاب من ائتلافه مع صدقي فتنهار الحكومة وكلها افتراضات تتماشي مع الأجواء السياسية السائدة في ذلك الوقت وينتهي إلي أن علي ماهر «اتفق مع رئيس محكمة النقض علي أن يرفع باسمه كوزير للعدل التماسا لجلالة الملك بطلب إبدال عقوبة الإعدام علي جعيدي إلي الأشغال الشاقة» وفي تقديري أن هذا ما حدث، وهو بهذه الافتراضات القريبة من الواقع يكون قد ملأ الفتحات الواسعة، أو وسّع مضايق في القضية وتجاوز مآزق. والتعليل هو عمل المؤرخ الجوهري ولب الكتابة التاريخية التي لا تتفتح إلا بذكر أسباب الأفعال والنزاعات وبدون هذا نغفل عن العلة التي دعت إلي حرب، أو التي أدت إلي هزيمة أو نصر، وإذا غاب التعليل عن العمل التاريخي، يصير سرداً وأخباراً متناثرة لا روح فيها ولا فائدة عائدة منها كذلك يعمل علي تماسك الحوادث وترتيبها. وقد ذكر صلاح عيسي أسباب وقوع الأحداث وفسر المواقف وبين منازع ساسة تلك الفترة وأوضح علل اندفاع المأمور ضد الأهالي وإفراطه في العنف وتهيئته لبيئة حاقدة عليه وهذه الأسباب أدت إلي مصرعه، ومقتل المأمور كان علة ارتباك حكومة إسماعيل صدقي، وتضارب وزرائها وانقسامها، وتكوين رأي عام ضدها وهكذا تتسبب الأحداث في وقوع أحداث مستجدة وتتوالي علي هذا النحو في الكتاب موضوعنا وكأننا أمام عمل درامي من عدة مشاهد كل مشهد يمهد لما بعده حتي تنتهي المسرحية بسقوط الحكومة ومغادرة رئيسها الحكم تاركاً صولجانه. وفي أحيان أخري يعلل كاتبنا تصرفات الأفراد، ووقوع الأحداث بالأخلاق وكثير من المؤرخين يرجعون أسباب ما يقع في الواقع إلي الأخلاق ولا ريب في أن أخلاقنا تشكل أفعالنا أو هي الأخلاق عينها، ويبحث المؤلف في سبب طغيان المأمورين وحكام الأقاليم وينتهي إلي أن الحكومة الصدقية طبعتهم بطابعها، يقول: «وكان العهد قد طبع الكل بطابعه فأعطي بالقياس الإذن لحكام الأقاليم في أن يكونوا مثله طغاة بلا قلب ولا ضمير، لا يعتصمون بخلق ولا يخافون من حساب ولا يقيمون وزنا لدستور أو قانون» ثم يبرز سلوكهم الشرير «في تزوير الانتخابات» و«مطاردة خصومها السياسيين في أرزاقهم وموارد معاشهم وإجبارهم علي الخضوع والاستكانة». وهذان النصان يتضمنان كلمات مثل الضمير والأخلاق والطغيان والتزوير إلي آخره، وكلها تنضوي في قاموس الأخلاق، وهو يستخدمها ليعلل وقوع الظلم والقهر من الحكام الإقليميين بالأخلاق وبذلك يدخل التعليل بالأخلاق في العملية التاريخية عند صلاح عيسي والتفسير الأخلاقي أقرب إلي طبيعة الناس الذين يفعلون الأفعال ويصنعون الأحداث علي أن ما قاله في تعليله لوقوع الشر من الأشرار صحيح، فسوء أخلاق من ذكرهم لا يرجع إلي خلل في التفكر ولا خطل في التقييم، وإنما مردّه إلي سوء النوايا وفساد السجايا والميل إلي العبث بالناس لإثبات العلو وتأكيد التفوق والسمو ولا حساب ولا عقاب. 00000000 من بين ما بقي معنا من التحليل التاريخي لكتاب «حكاية مصرع مأمور البداري» الحديث عن تحقيق الحوادث، والحوادث هي موضوع التاريخ الذي يروي أو يدون وتسجيل الحادثات فحسب لا يكفي، إذ لابد من تحقيقها وتحديدها بالزمان والمكان، وغربلة الروايات المختلفة التي تناولتها مع ذكر الظروف التي وقعت فيها وطبيعتها ووصل الحادثة بأسبابها والأحداث المحققة تفتّح الذهن وتقود إلي الفهم وتمنح المؤرخ قدرة علي إصدار الأحكام فضلاً عن أنها توجه الكتابة التاريخية وتصحح مسارها. وقد كان صلاح عيسي كثير التلفت في حوادث فترة وزارة صدقي والبحث عن جذور بعض الحوادث وذكر منابتها، ومنها الانقلاب الدستوري وقتلي وجرحي الانتخابات والتظاهرات وتعذيب المواطنين ولكن أم الحادثات في تلك الفترة هي مقتل المأمور وقد حققها تحقيقاً جيداً فقد ذكر تاريخها باليوم والشهر والسنة، بل كاد يحدد الساعة التي وقعت فيها الواقعة «بعد الغروب» ولم يبين أنها حدثت في البداري فحسب وإنما قرب المدرسة الابتدائية وأظهر الغرض من القتل «الثأر» وبأية وسيلة «ببندقيتين» وسائر الملابسات التي تجعلك تحس أنه استرجع المنظر لتشاهده لا لتطالعه في كتاب. الموّال ويتضمن الكتاب صور عدد من رجال تلك الفترة وبخاصة أصحاب الأدوار الأساسية في قضية البداري ومن بين هذه الصور صورة رجل معمم يعزف علي آلة موسيقية وكأنه ينشد «حكاية مصرع مأمور البداري» وهذه الصورة لها أصل حقيقي في الواقع، فبعد مغادرة الجعيدي السجن عام 1950، واستقباله في أسيوط استقبال الأبطال، نظم أحد الزجالين الصعايدة موالاً طويلا عنه وكان هذا الموال مطبوعاً في كُتيب ويباع بنصف قرش وكان عندي نسخة منه ويغنيه المغنون في الموالد وبعض المواسم ويحكي هذا الموال الحكاية من أولها إلي آخرها. ومن سوء الحظ أن تلك النسخة قد فقدت مني وأن القسم الأكبر منه قد ضاع من ذاكرتي.. ولعل ما أنشره منه اليوم ينشط ذاكرة الذين لايزالون يحفظونه، أو يحتفظون بنسخة منه، ليرسلوه إلينا لنشره كاملاً استكمالاً لهذه الصفحة المجهولة من التاريخ والأدب. ولقد لقب الصعايدة وهذا الموال أحمد الجعيدي بلقب «الدِّرس» بتشديد الدال وكسرها والأصل في الكلمة «الضرس» نظرا لشهامته ورجولته، وكان المنشد يستهل الموال في السامر الكبير بصوت جهير قائلا: جري اللي جري ولا حد به داري / وكله في عالم الغيب مدّاري/ ياميت ندامة صابتك عين يابداري. ثم يحكي .. وحسب الموال وأقوال الناس إن المأمور كان يجلس مع العمدة محمد همام ومر عليهما جد «الدِّرس» «حسين عبدالحق» فأشار إليه العمدة وقال للمأمور: هذا خرّاب البلد، والفتّان فيها. فاستدعاه المأمور وأمسك بذقنه وأضحك الناس عليه في الشارع ومضي الجد إلي بيته وهو يبكي وقابله الدِّرس، وقاله له: «مال دمعك ياسيدي ع الخدود نازل؟» فقص عليه ما جري، ويعبر الموال عن جلسة المأمور مع العمدة قائلا: قاعدين مع بعض ومعاهم حليانة القعدة ومدام الشرف ضاع مالناش حد في القعدة وان اتعتع الحجر يكون العيب م القعدة اتعتع أي تحرك، والقعدة هنا هي القاعدة التي يرتكز الحجر عليها والمقصود أن المأمور فعل مافعل بعد كلام العمدة وأبيات الزجل هذه من فن الواو ولما سمع الدِّرس من جده، تحمس وذهب إلي صديقه حسونة ويقول الموال: الدرس هم علي حسونة قال إيه جري فينا. ولما استفسر حسونة: قال إيه اللي هايجري لما هزأوا الكبير فينا ومن الطبيعي أن يتصاعد العداء بين العمدة وأحمد الدرس ونتج عنه استدعاء المأمور له وسخر منه وعذبه وحلق شعر رأسه بماكينة الخيل وأمره أن يأكل من التبن وأشياء أخري أفظع ويقول الموال: مسك
دقنه وهزه في المركز وكل إنسان له مقام وله مركز. وكان لأحمد بنتاعم قتل أبيهما وليس لهما أخ ذكر قامتا ببيع بيت بعشرة جنيهات واشترتا بندقية واعطتاها للدِّرس وقالا له: خد يادرس يا أحسن شقيق لينا واقتل لنا العمدة، وخد تار أبينا إحنا بنات الزوايدة مانستحملش كشف العرض فينا. و«الزوايدة» هو اسم عائلة أحمد الجعيدي، أما العمدة محمد همام فكان من عائلة عمار وحاول الدرس قتل العمدة ولكنه فشل وهذه البندقية إحدي البندقيتين اللتين انطلق منهما الرصاص علي المأمور وتفاقم الوضع بين المأمور من جهة والجعيدي وحسونة من جهة أخري وصمم الأخيران علي قتل الأول، يقول الموال: الدِّرس مسك بندقية بستة عمور ومزر. وستة عمور أي حشاها أو عمرها بست طلقات، و«مزر» بندقية كنا نسميها في الصعيد «ميزر» وهي صناعية انجليزية واسمها العلمي «لي انفيلد 303» وكان يتسلح بها الجيشان الإنجليزي والمصري وكانت آخذة في الانتشار في الصعيد. ومما جاء في الموال وشاع علي ألسنة الناس أن أحد أعمام أحمد الجعيدي كان يعطي دروسا خصوصية لأولاد علي ماهر باشا، ولما حُكم علي أحمد بالإعدام ظهر علي هذا العم أسي واكتئاب ولاحظ أولاد علي ماهر هذا فسألوه عما يشغله ويشجيه، فقال: مفيش حاجة فكرروا السؤال وحصلوا علي نفس الإجابة حينئذ قال أحد الأولاد كيف تكون عندك مشكلة ولا يحلها علي ماهر وأنت تعلّم أولاده، فحكي لهم الحكاية، ونقلوها إلي أبيهم ولا يستبعد أن يكون الرجلان قد التقيا، وسمع وزير العدل من عم الجعيدي الحكاية وماجري وماكان ويعتقد الصعايدة في طما والبداري ومدن أخري أن هذا وراء تخفيف الحكم من إعدام إلي السجن المؤبد. وقد قام الشعر منذ أقدم العصور بتسجيل البطولات عن طريق الملاحم والأشعار الشعبية وبالرغم من طول موال الدرس كما كان يعرف فإن المنشد كان يحفظه والشعر المقفي يحفظ ويروي في المجالس ويغنَّي وينتقل من جيل لجيل ومن مكان إلي مكان عبر الذاكرات.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.