قنصوة: تصدير التعليم المصري يسهم في تعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية    المعادن تهوي تحت مخاوف تصعيد حرب إيران    إزالة أكثر من 1446 حالة تعد ضمن الموجة ال 28 لإزالة التعديات ببنى سويف    الأسهم الأوروبية تتراجع مع تصاعد التوترات الجيوسياسية    الريال ضد أتلتيكو مدريد.. الملكي يفتقد فالفيردي مباراتين للإيقاف    مرموش: التتويج بكأس الرابطة مع مانشستر سيتي لن يكون الأخير    ماني يقترب من العودة لتدريبات النصر    فرنسا في ورطة قبل ودية البرازيل استعدادًا لكأس العالم    محافظ المنوفية: تحرير 130 محضر مخالفات مخابز وأسواق بنطاق المحافظة    إقبال على الحدائق العامة والمتنزهات بكفر الشيخ رابع أيام العيد    فيلم برشامة ل هشام ماجد وريهام عبد الغفور يحقق 57 مليون جنيه في السينمات    النائب أحمد العطيفي: قدمت طلب إحاطة عن معاناة المرضى بمستشفى أبوتيج المركزي    علماء يطورون ضمادة ذكية لعلاج الجروح تطلق مضادات حيوية عند وجود بكتيريا ضارة    مسعفان ينقذان مسن توقف قلبه داخل منزله بطنطا    غارات اسرائيلية على مناطق عدة في جنوب لبنان وتدمير جسر قعقعية    عصام السقا: أعتذرت عن «علي كلاي» في البداية لهذا السبب    محمود وحيد: السوشيال ميديا سر انتشار الكورال المصري عالميًا    قبل مواجهة مصر.. غياب مدافع المنتخب السعودي عن المران بسبب الإصابة    الحكومة تعلن عن 2289 فرصة عمل داخل 9 محافظات، تعرف على الرواتب والشروط    مصر تدين قصف إسرائيل للمنشآت والبنى التحتية في لبنان وتحذر من مغبة أي غزو بري    اتجاه داخل رابطة الأندية لتعديل موعد نهاية الدوري المصري    استقرار حذر لأسعار النفط عالميًا وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية    حكم تتابع صيام 6 أيام من شوال ورأى المالكية فيها    معركة المحفظة في عش الزوجية.. قصص نساء اخترن الحرية بعدما تحول المصروف لخلاف.. صراع الجنيه يطفئ قناديل البيوت الهادئة.. عندما يتحول الإنفاق المنزلى لسكين يمزق وثيقة الزواج.. وهذه روشتة لميزانية الأسرة    الدفاع الإيراني: أي هجوم على سواحلنا أو جزرنا سيؤدي لقطع طرق الملاحة وخطوط الاتصالات    إصابة 8 أشخاص فى حادث انقلاب سيارة ملاكى بقنا    شعبة الذهب: المعدن النفيس يتراجع 23.6% بأكثر من 1272 دولارا منذ بداية حرب إيران    انطلاق مؤتمر طب أسنان القاهرة "CIDC 2026" أول أبريل    أسعار الدواجن والبيض تتراجع في مستهل تعاملات اليوم الاثنين    وسط إقبال حاشد، ثقافة الإسماعيلية تحتفي بعيد الفطر بعروض السمسمية وورشة رسم (صور)    إياد نصار: وافقت فورًا على «صحاب الأرض» بسبب فكرته    الحرس الثوري الإيراني: سنرد على أي تهديد بمستوى يحقق الردع    اليوم ال 24 للحرب.. أزمة مضيق هرمز تُؤجّج التوترات العالمية وإنذار ترامب يُصعّد الصراع    الطقس اليوم في مصر الإثنين 23 مارس 2026.. أجواء دافئة نهارًا وباردة ليلًا مع فرص أمطار متفرقة    تشغيل قطارات إضافية بدءًا من اليوم على عدد من الخطوط (تفاصيل)    وزير المالية: رفع كفاءة إدارة أصول الدولة بالشراكة مع القطاع الخاص    تعرف على أول ضحايا إعادة هيكلة قطاع الكرة داخل الأهلي    طريقة عمل الطعمية في البيت بمكونات وخطوات بسيطة    موعد محاكمة عاطل بتهمة إصابة آخر بعاهة مستديمة في مشاجرة بعين شمس    طالبة تحاول إنهاء حياتها بقرص الغلال في سوهاج    قافلة "زاد العزة" ال 162 تدخل إلى الفلسطينيين في قطاع غزة    خبير اقتصادي أمريكي: سعر البنزين في الولايات المتحدة سيصل إلى 4 دولارات للجالون غداً    الإسكندرية: حملة لإزالة الإشغالات بطريق الكورنيش    صابرين النجيلي تكشف أصعب مشاهدها في "اتنين غيرنا": مشهد خبر الحبس كان يدوّخني نفسيًا    «دوللي شاهين تُطلق «واحشاني يامه» رسالة حب أبدية لروح والدتها وتُلهب مشاعر الجماهير: أغنية تدمع لها العين وتعانق كل قلب فقد أمه»    30 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات على خط «القاهرة - الإسكندرية» اليوم الأثنين    باسم سمرة يحسم الجدل حول الجزء الثاني من «عين سحرية»    الكويت تقدم احتجاجا رسميا إلى إيكاو بشأن الانتهاكات الإيرانية لأجوائها ومطارها الدولي    وزير الإعلام الفلسطيني: مسلسل «صحاب الأرض» وثيقة تاريخية للأجيال المقبلة    حادث مروع بقليوب.. مصرع شاب دهسه قطار بمزلقان روز اليوسف    انطلاق أولى تدريبات الفراعنة لمواجهتي السعودية وإسبانيا    "بحضور وكيل وزارة الأوقاف "تكريم حفظة القرآن الكريم بمسجد البقلى بحى غرب أسيوط    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 23 مارس 2026 في القاهرة والمحافظات    متلازمة باريلا وإسبوزيتو مستمرة.. إنتر يواصل نزيف النقاط بالتعادل مع فيورنتينا    كان يضعها تحت وسادته.. أسرة عبدالحليم حافظ تكشف عن أدعية بخط يده    كشف ملابسات تحويل شارع لجراج مخالف بالإسكندرية وضبط المتهم    وزير الكهرباء يجتمع برئيس هيئة المحطات النووية لمتابعة مشروع الضبعة    المتحدث الرسمي للأوقاف للفجر: حبُّنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآلِ بيته الأطهار دينٌ صادق وتاريخٌ مشهود    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خطاب الحركه الإسلامية في تونس رگز علي مقاومة الدولة الگافرة والرفض المطلق للعلمانية والشيوعية
نشر في القاهرة يوم 25 - 01 - 2011


3 مرحلة التأطير الإيديولوجي وبناء الهيكل التنظيمي
الحركة الإسلامية في تونس هي ملتقي لتيار واسع من الألوان الفكرية والمنازع السياسية والأمزجة المتعددة ضمن منظور أصولي إسلامي. وكانت النواة المؤسسة والمبادرة للعمل الإسلامي بتونس متكونة من الشيخ راشد الغنوشي الذي لم يكن تكوينه الإسلامي ذا اتجاه واحد، وإنما كان تمازجا بين مجموعة من الاتجاهات، بين الاتجاه الإخواني وخاصة فكر سيد قطب الذي كان له وقع كبير في تلك المرحلة، وأيضا الفكر السلفي، وقد كان يمثله في دمشق في ذلك الوقت «الستينات» الشيخ ناصر الدين الألباني الذي تتلمذ في حلقاته، وأيضا كان متأثرا بكتابات مالك بن نبي.
أما مجموعة الطلبة المتحلقة حول الشيخ راشد الغنوشي، فتتكون من الشيخ عبدالفتاح مورو، وهو من مواليد تونس العاصمة، ودرس بمدرسة الصادقية، ثم بكلية الحقوق حيث حصل علي ليسانس في سنة 1971. وكان للشيخ عبدالفتاح تكوين صوفي. تكون في الطريقة الصوفية علي يد الشيخ أحمد بن ميلاد ودروسه التي كان يلقيها في جامعة الزيتونة في أواسط الستينات، وتقدم فيها أشواطا.. كان مرشحا لأن يكون المقدم في تلك الطريقة. ظل مع النواة المؤسسة الأولي وفي الوقت عينه مع الصوفية يجمع بينهما إلي أن انحاز إلي الحركة الإسلامية الصاعدة بالكامل وترك الصوفية بعد سنة أو سنتين من النشاط الإسلامي. وكان الطلبة الآخرون، الأخ خالد بن عبدالله، الفاضل البلدي، والتحق بهذه المجموعة الأولي بعد سنة أي في سنة 1970، صالح كركر، وهو خريج جامعي كان حتي بعد انضوائه في النواة الإسلامية يعد دبلوم الدراسات المعمقة «DEA» في العلوم الاقتصادية، والذي وجد طريقة للنهل مباشرة من المناهل الإخوانية، حسن البنا وسيد قطب.. إلخ وكان صالح كركر الوحيد الذي قدم تصورا عمليا لغزو الجامعة مدرجا هكذا موضوع التسرب إلي المعاهد الثانوية ضمن الاهتمامات الأولي للحركة، علما بأن صالح كركر مارس عدة أنشطة ثقافية مكثفة بالجامعة جعلته عارفا بصيغ تسيير الهياكل وأساليب التعامل مع المنضوين الجدد.
تمازج ثقافي
يقول الشيخ راشد الغنوشي في هذا الصدد إن الحركة الإسلامية التونسية هي تمازج بين مجموعة من الألوان الثقافية. كانت الحركة الإسلامية وفاقا بين مجموعة من الألوان الثقافية الإسلامية، الأمر الذي طبعها منذ البداية بطابع الحوار، ولم تكن العلاقات بين المجموعة الأولي علاقات شيخ بمريد، وإنما كان هناك نوع من التقارب في السن وفي المستوي الثقافي، ولم يكن هناك شخص يزعم بأنه هو المؤسس. وبأنه ربي علي صورته المجموعة، وكان معترفاً منذ البداية بحق التنوع وحق الاختلاف وضرورة الحوار وان يكون القرار ثورياً وثمرة وفاق وليس ثمرة إملاء من شيخ إلي مريد.
وقد مثل الشيخ محمد صالح النيفر دوراً مهما في توجيه هؤلاء الشبان، فكانت حلقته في باردو ذات تأثير كبير في المجموعة الأولي، هو نفسه كان يعاملنا ليس كشيخ مع مريد، هو شيخ الشباب، كان يرتاح له الشباب، وكان يتواضع لهم ويحاورهم وهو يسمح لهم بمخالفته، لقد كان ظاهرة شاذة في جامع الزيتونة، كان يسمي «مهبول» آل النيفر، تكون في علاقة مع الشباب كان رئيس جمعية الشبان المسلمين هو والشيخ عبدالقادر سلامة بارك الله في عمره.. كان هذا الثنائي فريداً من جملة المشايخ في التواضع، وفي العلاقة مع الشباب، وفي العلاقة مع الناس، مخالطة عامة الناس، لأن جانبا من تراث جامع الزيتونة إلي حد كبير كان تراثاً أرستقراطياً بمعني ان المشايخ كانوا يمثلون نوعاً من الطبقة جهاز معزول عن الأرياف وعن حياة عامة الناس، بينما كان الشيخ محمد صالح النيفر يعيش من الفلاحة، له بستان في طبرية «ناحية تونس» يشتغل فيه لأنه يؤمن بأنه لا ينبغي ان يبقي عالة علي الحكومة، عالة علي الدولة، وكذلك الشيخ عبدالقادر سلامة أيضاً رغم انه شيخ في جامع الزيتونة لكنه تعاطي التجارة كان يتاجر في الزيت، ثم بعد ذلك اتخذ له بستاناً يشتغل فيه بنفسه هذا أتاح لهما حرية إزاء الدولة، وأيضاً تعايشا واطلعا علي حياة الناس، فكانت علاقتهما بالشبان علاقة متميزة، مثلت العلاقة مع الشيخ النيفر والشيخ سلامة والشيخ ابن ميلاد والشيخ عبدالفتاح تفاعلاً مع تراث التدين التونسي، فالمواريث التي أتت من المشرق لم تمكن من ان تنفرد بسلطة التوجيه في تكوين المجموعة الأولي.
جهود إعلامية وفكرية
بدأت النواة المؤسسة تعبئ الجماهير في جامع الزيتونة الذي بدأ يستعيد نشاطه الثقافي في نهاية الستينات علي يد الشيخ بن ميلاد بالعاصمة العام 1970، وانضمت إلي جمعية المحافظة علي القرآن الكريم في العام 1971، التي سرعان ما أخرجها الحزب منها، فأنشأت حلقة جديدة أخري في جامع صاحب الطابع، وتميزت هذه الفترة ببذل جهود فكرية وإعلامية كبيرة بأقطاب التيار الديني الأصولي كأبي الأعلي المودودي وحسن البنا وسيد قطب ومالك بن نبي وسواهم، وذلك في سياق ترسيخ العقيدة الإسلامية وإثبات تفوقها عبر استغلال عاطفة الجماهير الدينية، في تحويل أنظارها نتيجة الظلم والقهر الذي لاقته من السلطة البرجوازية إلي عزاء الدين الإسلامي ورجائه، باعتبارها دعوة موضوعها التربية الدينية الإسلامية للراغبين من الأفراد الدخول في الحركة، وتربية الأبناء والشباب علي أساس أخلاقي واجتماعي إسلامي يقوم علي نقد مظاهر الحياة الغربية مع التركيز علي ما يعتبر انهياراً للعائلة وفساداً للمرأة وارتكاب المعاصي، كي يصبحوا أهلا لتمثيل النموذج الإسلامي في الإنسان المسلم، والتقوي والعبادة والأخلاق الإسلامية، انها الدعوة التي جوهرها بناء حياة الإنسان علي أسس من المبادئ الدينية، ومن القيم الإسلامية.
وكانت الدعوة تبشر ببناء المجتمع الإسلامي وفقاً للنموذج الذي اقترحه السلف الصالح علي عهد الخلفاء الراشدين، لكن مضمون المجتمع الإسلامي المنوي بعثه من جديد لم يكن واضح القسمات وانما كان فكرة هلامية رجراجة تتباين من شخص إلي آخر داخل الحركة الإسلامية في تونس، ولما كانت الاتجاهات اليسارية الماركسية والقومية ذات الطابع العلماني أصبحت ذات وزن في الأوساط الطلابية والشعبية والعمالية بصورة خاصة خلال فترة الستينات، وشهدت مداً شعبياً واسعاً في مرحلة السبعينات، فقد كان الخطاب الإيديولوجي للحركة الإسلامية متمحوراً حول مقاومة الدولة الكافرة باعتبارها تقود إلي المجتمع الجاهلي، والرفض المطلق للعلمانية، ليس لأنها آتية من الغرب الرأسمالي، والعالم الشيوعي فقط، بل لأنها تجسد القوانين الوضعية المنتاقضة جذرياً مع التشريعات الإسلامية وحكامية الله، وإقامة الدولة الإسلامية التي تسترشد بقوانين الإسلام، باعتبارها قوانين كلها عدل، لأنها منزلة من عند الله، ولأنها قادرة علي اخضاع كل مفسد وكافر في الأرض خارج عن طاعة الله ورسوله.
غير ان الظاهرة الإسلامية التونسية اتسمت منذ البداية بنوع من التعقيد نظراً لتنوع مكوناتها، فإذا كان التأثير الأقوي.. العنصر الإخواني السلفي في المرحلة الأولي كان هو المؤثر الأكبر، ولكن بعد ذلك تفاعل مع البيئة التونسية، التي ليست طيعة يمكن تشكيلها كما تشاء، وتتكون الظاهرة الإسلامية التونسية وفق تشخيص الغنوشي من العناصر التالية:
العنصر الأول: ويتكون من التدين التقليدي التونسي، الذي يهيمن عليه المذهب التقليدي المالكي والعقائد الأشعرية والتربية الصوفية.
العنصر الثاني: الخطاب السلفي الإخواني القادم من المشرق العربي.
العنصر الثالث: وهو التيار الإسلامي العقلاني الذي عبر عن نفسه في النصف الثاني من السبعينات، والذي يستند إلي تراث عقلاني إسلامي موجود في التاريخ العربي الإسلامي، وإلي النقد الجذري الصارم للإخوان المسلمين، باعتبارهم ممثلين للسلفية في هذا العصر، وإلي إعادة الاعتبار للغرب العقلاني وللمدرسة الإصلاحية في تونس «خير الدين التونسي- الطاهر الحداد» ولمنجزاتها الحديثة، من خلال حركة التحديث والعلمنة التي أنجزها بورقيبة، مثل تحرير المرأة والعلمانية في التعليم.. إلخ.
الموقف من المرأة
ينطلق الخطاب الايديولوجي الإسلامي في رؤيته للمرأة، من ان هذه الأخيرة صارت من جديد عرضة للاستغلال التجاري، تعاني الدونية والظلم والاضطهاد، فهذا الوضع ليس وليد الإسلام بل نتاجاً للانحطاط والجاهلية الحديثة، وفوارق أقرها الإسلام بين المرأة والرجل بسبب الحرص علي كرامتها وسلامة المجتمع، وهذا الاستدراك يفتح المجال للرؤية المتناقضة لدور المرأة «فالإسلام ينظر إلي المرأة كعرض يجب ان يصان ومسئولية الرجل لا تنتهي ببلوغ ابنته وقدرتها علي الكسب بل تستمر هذه المسئولية حتي بعد ان تتزوج، فإذا ما تزوجت اتنقلت المسئولية إلي الزوج فإذا ما توفي الزوج صارت المسئولية إلي الابن، فالمهم ان المرأة يجب صيانتها وحمايتها»، فالموقف هو اعتبار المرأة قاصراً والوصاية عليها في كل الأحوال، إلا أن هذا الخطاب يسعي لتبرير موقفه المتناقض باختلاف التكوين الطبيعي والاستعدادات الفطرية.
هذا الخطاب ينكر استغلال جسد المرأة كتقليد أعمي لحضارة الغرب حيث أصبحنا لا نري إعلانا من الإعلانات التجارية في الجرائد والمجلات إلا وفيه امرأة عارية أو شبه عارية ولا نجد نزلاً ولا مطعماً أو متجراً إلا وقد استخدمت المرأة فيه لتعمل عملها المغناطيسي في الرجال، وحيث تنظم «مهازل انتخاب ملكات الجمال باستعراض الأجساد تحدياً لعقيدة الإسلام وشريعته، وتزيينا للفساد ونشراً للرذيلة واهانة للمرأة وحطاً من قيمتها».
لقد ركز التيار الإسلامي السلفي في خطابه علي موضوع الاصلاحات التي شملت تحرير المرأة التونسية، باعتبارها إصلاحات تقود إلي مسار منحط وضائع للمرأة.. وهو يعتبر أن تطور المجتمع في هذا الاتجاه سلبي تماماً ومنافياً للإسلام، والنساء لدي التيار الإسلامي يقمن، مثلما يرد في السورة القرآنية ب «التحجب» والحجاب الإسلامي يصنع ويباع من قبل شبكة من التجار تحظي بدعم الحركة الإسلامية وتحظي بتشجيع دعائي في صحفها «حمل الحجاب يحرر المرأة بحجبه جسدها».
في بداية السبعينات أعرب الإسلاميون عن حضورهم الاجتماعي بنشاطات رمزية محسوبة بدقة، إذ ان مطالبهم كانت بسيطة ومقبولة لدي السلطة السياسية، كانوا يطالبون بفتح المساجد في المدارس والكليات والأقسام الداخلية في المعاهد والمبيتات الجامعية، وترميم المساجد العتيقة المهجورة في المدن والأرياف وقد شكل هذا التدين الجماهيري الذي تلقي دفعة جديدة بفعل صدمة التحديث والعلمنة اللذين قامت بهما السلطات التونسية، ميداناً ملائماً وخصباً لخطاب ومبادرات الحركة الإسلامية في تونس، وازداد حضور الإسلاميين في جمعيات حفظ القرآن الكريم، والمساجد التي هي أماكن تجمع جماهيري، هذا الحضور ملائم جداً للممارسة دعايتهم من خلال خطب الجمعة والدروس والحوارات التي يديرونها، وإلي جانب «كلمات الحق» التي يلقونها في المساجد، فان منشوراتهم العديدة المسموحة تضمن لهم انتشار إيديولوجيتهم.
وكان الإسلاميون يقدمون خطابا إسلامياً مختلفاً عن الخطاب الإسلامي الرسمي، إذ إنه يركز علي الصيام والصلاة والصدقة والزكاة، و«الضياع» الذي يعيشه المجتمع الإسلامي اليوم، حيث ان مسئولية ذلك ملقاة علي «القادة المرتبطين بالغرب» وعلي «الملحدين» كما تركز الخطاب الإيديولوجي علي الوضع الدولي، حيث يقدم الإسلاميون نقداً عنيفاً للمادة الغربية، رافضين في الوقت عينه النقد الماركسي والاشتراكي، تشهد علي ذلك المقالات العديدة التي كتبت عن الغولاك، والصين ما بعد ماوتسي تونغ، والحرب الصينية- الفيتنامية، والغزو السوفييتي لأفغانستان، وينطلق الخطاب الإسلامي من المقولة البسيطة التالية، حينما لا يكون الإسلام مطبقاً، يكون الفشل محتوماً، وفيما هو يقدس إيران الخميني، إلا أنه يصب جام غضب علي النظام البعثي في العراق.
الموقف من الغرب
يحتل الغرب محوراً مهماً في نظر التيار الإسلامي، ولكن هذه النظرة تبدو سطحية لأنها تحتوي علي ثلاثة عناصر: اختزال الفكر الغرب وتبسيطه والعداء لكل ما يحمله من فسلفات وقيم، وللرؤية الكوراثية لأوضاعه، فالغرب حول الإنسان إلي «موضوع بحث لا فرق بينه وبين المعادن والنبات والحيوان»، فقد بدل القيمة والمكانة التي كانت له وأصبح هناك مجال واحد ووحيد هو موضوع الدرس في الإنسان، انه جسده أي «مطالبه الأرضية وحاجياته المادية»، كيف تجسم هذا الحط من مكانة الإنسان؟ «الداروينية تجعل منه فصيلة من فصائل القرود، الفرويدية تقول: انكم طوال حياتكم تجرون لتحقيق شهوتكم الجنسية، ويذهب بها الظن ان كلاً منا يود الاتصال الجنسي بأمه، فكر منحل، وضلال مبين وخبث يهود، الماركسية تجعل منا بطناً وكفي، مثلنا كبقية الحيوانات تأكل لتعيش وتعيش لتأكل».
ولا شك ان إيمان الغرب بالإنسان كسيد يحكم عالمه كانت له نتائج إيجابية: تحرير الإنسان من الإحساس بالعجز أمام الطبيعة، النظرة العلمية، الإيمان بالتقدم الدائم والتطور المستمر، شعور الإنسان بقيمة الحرية، إلا ان هذه النظرة تولدت عنها سلبيات كثيرة وأزمات كالفشل في تقديم معني لوجود الإنسان ومدارس ثابتة لأخلاقه، أدت إلي إحساس حاد بالقلق والسأم والغثيان والحيرة، وساد مبدأ اللذة مما جعل المجتمع مسرحاً فوضوياً للصراع علي اللذائذ بين الأقوياء والضعفاء، صراع انتهي بالخلاف علي مبدأ الحرية باسم مبدأ العدالة.
والغرب في هذا المفهوم ليس الغرب الجغرافي، بل هو نظرة إلي الحياة أي مفهوم للعالم يجعل الأولوية للمادة علي الروح، وهو بهذا المعني الحضاري لا يشمل الكتلة الغربية والكتلة الشرقية فحسب، بل انه ليلقي بظلاله السوداء علي مجموعة الدول المدعوة بدول العالم الثالث الذي لا يزال مبهوراً بما قدمه الغرب من أشياء، الغرب أخضع المادة وكدس المكتسبات العلمية والفنون العلمية، هذه لا بأس ان نستوعبها في حدود تطور الإسلام هذا عن الحضارة المدنية، أما الحضارة الروحية «فيتبقي ان نرفض قيمها وفلسفتها وآدابها، وليس الرفض فحسب بل العداء الشديد لما تحمل، من مفاهيم وقيم ونظم وان نحرر أرواحنا وعقولنا من تبعيته».
ففي نظر الإسلاميين، أعداء الإسلام هم الغرب والطواغيت الملحدين، وهم أعداء تاريخون حاضرون اليوم أيضاً في أفغانستان ومصر، والعالم الإسلامي خاضع الآن ومستغل ومجزأ وضعيف بفعل مؤامراتهم واعتداءاتهم المستمرة منذ قرون وعلي جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية.
يحتل الإسلام وضعا متدنياً علي الصعيد العربي والإسلامي والدولي، بصورة غير عادلة، من هنا فإن إعادة بناء نظام عالمي جديد يعتبر ضرورة ملحة في انتظار ارجاع الأمور إلي نصابها الصحيح واستعادة الإسلام دوره وموقعه الشرعيين، قيادة البشرية إلي الحرية الحقيقية، وينطلق الخطاب الإيديولوجي للحركة الإسلامية كما يقول عبداللطيف الهرماسي، من واقع التخلف لينفي ان يكون للإسلام ضلع فيه، فالمسئولية هي من فكر الانحطاط وغزو الاستعمار، فالعالم الإسلامي تداول عليه الحكام الجائرون والبدع والخرافات حتي خرس تحت سنابك جيوش الاستعمار المادي والروحي.
الحضارة نقيض للتخلف، لكنها ليست مجرد توفير الانجازات المادية لاشباع الغرائز، النشاط الغريزي يجب ان يخضع لقيم ومبادئ والمتحضر هو الذي يتجاوز نطاق حفظ البقاء إلي أفق المثل والمبادئ فهل نأتي بهذا المثل من الغرب؟ الغرب لا يمكن ان يعطينا ذلك، فهو يعيش أزمة حضارية، حروب، أزمات اقتصادية، تفكك عائلي اجرام، قلق وحيرة، وباختصار فشل الغرب، كل الغرب كنظرة للحياة تختلف عن الإسلام ، الغرب الأوروبي والأمريكي والعالم الشيوعي والشرق، والمسيحية واليهودية، كله غرب، وعله يحمل قصوراً في نظرته للإنسان، إما بإهمال القيم المعنوية والاجتماعية «الرأسمالية» وانكار الروح الفردية «الشيوعية» واما باهمال الاحتياجات الغريزية «المسيحية وديانات الشرق» وبذلك لا يبقي غير الإسلام، يتعرض لكيد وتآمر الأعداء، والإسلام ليس إسلام الفرق الدينية والمذاهب الفقهية، ولا إسلام الزوايا، وبل إسلام المصادر الكفيل بتمكيننا من بناء حضارة إسلامية جديدة، تتحقق بالتمسك بالمثل الإسلامية واستيعاب تقنيات الغرب وخبراته مع الرفض الكامل لقيمه وفلسفاته حتي لا تخلص عقولنا وأرواحنا لغير الله، هذا المجتمع الإسلامي البديل هو مجتمع العدالة والمساواة والأخوة والرحمة، الغني فيه يود الفقير ويعينه والفقير لا يحسد الغني، الرجل يكرم المرأة وينفق عليها ويرعاها، والمرأة تطيع الرجل فيما يأمرها وتخدمه وتوفر حاجياته، المجتمع الحالي ونظامه حلل ما حرم الله، وابتعد عن الدين وأذل رجاله، واستولت عليه حضارة المادة وغزته الإباحية، فهو مجتمع جاهلي يعبد الأصنام الحديثة كالاشتراكية والديمقراطية والقومية، ولا مناص لأجل تحرير المجتمع من هدم هذه الأصنام وقيم التفسخ وإقامة المجتمع الإسلامي الذي يطبق الشريعة ويقيم شعائر الدين ولا يعترف بغير حكم الله، وهذا هو واجبنا الرباني والإسلامي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.