أول من جعل المبالغة فى تقمص الشخصية طريقًا إلى النجومية لا بد من الإقرار بأن الفنان يحيى الفخرانى يتميز عن باقى أفراد جيله بثلاث نقاط مهمة، الأولى هى أنه ربما يفوقهم جميعًا موهبة، وهذا أمر لا يمكن قياسه أو إيجاد معيار حقيقى له سوى انطباعات الجماهير ووجهات نظر النقّاد، وبالتالى ربما يخضع هذا الأمر لذائقة المشاهد قبل كل شيء، لكنه فى النهاية يبقى محل إجماع بين جمهور السينما والدراما والمسرح المصريين. «الموهبة فضيحة»، هكذا يقول الشاعر السورى الراحل محمد الماغوط، وهذا ما يتجلّى بوضوح فى حالة يحيى الفخرانى، إذا ما وضعناه فى مقارنة مع أبناء جيله مثل محمود عبد العزيز وحسين فهمى ومحمود ياسين والراحل نور الشريف وغيرهم. النقطة الثانية التى تميز الفخرانى تتمثل فى الاحترافية، والدأب، والزاوية التى ينظر منها الفخرانى لعمله ومهنته كفنان، فالرجل الذى تخرّج فى كلية الطب، لم يحتمل العمل كطبيب ممارس إلا لفترة محدودة، وانحاز لمشواره الفنى القصير الذى كان قد قطعه كهاوٍ ضمن فريق التمثيل فى كلية طب قصر العيني. الفخراني، ومنذ فيلمه الأول، لم يترك أى سنة تمر دون أن يكون قد شارك فى عمل فني، سواء فيلم أو مسلسل أو مسرحية أو حتى مسلسل إذاعي، لا استثناءات هنا، وهو الأمر الذى ضمن له أن يتبوأ موقع الصدارة، مقارنة بمحمود ياسين مثلًا الذى انعزل فى السنوات الأخيرة، أو محمود عبد العزيز الذى شهدت مسيرته الفنية وجود فجوات زمنية واسعة قد تفصل بين أعماله المختلفة. ويمكن فى هذا السياق، أن نرصد مثلًا بعض السنوات المتصلة التى لم ينقطع فيها الفخرانى عن العمل الفني، وعلى سبيل المثال لو قمنا بإجراء حصر لإنتاجه الفنى فى الفترة منذ عام 1999 وحتى عام 2010، سنجد أنه شارك خلال ذلك العقد بعمل فى كل موسم، على النحو التالي: (لما التعلب فات – 1999)، (أوبرا عايدة – 2000)، (للعدالة وجوه كثيرة - 2001)، ( جحا المصرى – 2002)، ( الليل وآخره – 2003)، (عباس الأبيض فى اليوم الأسود – 2004)، (المرسى والبحار – 2005)، (سكة الهلالى – 2006)، (يتربى فى عزو – 2007)، (شرف فتح الباب، 2008)، (ابن الأرندلى – 2009)، (شيخ العرب همام – 2010). كذلك يمكننا الاستدلال على الفارق بين الفخرانى وباقى أبناء جيله، فيما يتعلق بالاحترافية والإتقان، فى أحداث مسلسلات مثل (شيخ العرب همام)، و (دهشة)، حيث لم يقدم الفخرانى شخصياته إلا بعد أن استعان القائمون على العمل بخبراء تدقيق للهجات الصعيدية والجنوبية والهوارية، بحيث يبدو الفرق واضحًا بين هوارة جنوب مصر وهوارة ليبيا، وتبدو كل مفردة فى موقعها بالضبط، وصادرة عن صعيدى يعيش القرن التاسع عشر. أما أهم عوامل تميز يحيى الفخراني، فتبقى فى ثقافته الواسعة، والتى أهلته وتؤهله دومًا لاختيار (سكريبت) أو سيناريوهات مميزة ومتماسكة، لم ينجرف الفخرانى لموجات الأفلام التجارية فى الثمانينات، ولم ينجرف كذلك للظهور بشكل عابر فى الأفلام الحديثة فى أدوار صغيرة مع نجوم الصف الأول من الممثلين الشبّان الذين يتصدرون المشهد حاليًا، لم يسمح الفخرانى للزمن، أو لاحتياجات مادية أو غيره بأن تفرض عليه المشاركة فى أعمال تافهة وهشة، وإنما حرص دومًا على اختيار السيناريو الذى سيجسد إحدي شخصياته، بل إنه تمادى فى وضع ضوابط لاختيار تلك السيناريوهات، واستطاع أن يحول بعض الأعمال الأدبية إلى مسلسلات أو مسرحيات، مثل (دهشة) المأخوذ عن (الملك لير) لويليام شكسبير، أو فيلم (خرج ولم يعد) الذى كتب السيناريو الخاص به السيناريست عاصم توفيق عن رواية (براعم الربيع) للكاتب الإنجليزى ه.إي.بيتس. لم يكتف يحيى الفخرانى بالانغماس كليًا فى عالم الفن، بين السينما والدراما التليفزيونية، بل امتد هوسه بكل ما هو متعلق بهذا المجال، فاقترن بزميلته الطبيبة لميس جابر، والتى كانت صاحبة أحد المواقف الفارقة فى حياته، عندما انسحب الفخرانى من إحدى مسرحياته إثر خطأ فنى بسبب المسئولين عن المسرح، إلا أن لميس استطاعت أن تقنعه بالعدول عن الفكرة، ودفعته للخروج لتحية الجماهير، وهو ما كان، ليجد الفخرانى فى لميس جابر السند المناسب فى مشواره الفني، وهى بدورها عكفت على كتابة السيناريوهات، بعيدًا عن الأضواء. كما أهّل يحيى الفخراني، ابنه شادي، ليقتحم عالم الفن، كمخرج، بعد أن بدأ كممثل فى فيلم (محاكمة على بابا) مع والده وإسعاد يونس، كما أخرج شادى الفخرانى عددًا من الأفلام القصيرة.