شهدت الأيام الماضية تصعيدا اعلاميا يمتلئ بأسلون انفعالي سواء من بروكسيل أو واشنطن ضد موسكو .لم تتعد هذه الحرب الاعلامية في مجملها العام تحركات واقعية في التأثير علي القرار الروسي علي منحي التداعيات والأحداث المستمرة في أوكرانيا . يعود السبب الأساسي لتناسق وتداخل روسيا في محاور العولمة السياسية والاقتصادية ،فلا يمكن عزلها بسهولة عبر الأسلحة الأمريكيةالغربية التقليدية المسماة :عقوبات اقتصادية وحصار تجاري .ففيما اذا أقدمت كل من واشنطنوبروكسيل باستخدامهما فان المردود سيكون عكسيا وستكون له آثار وخيمة ليس فقط عليهما وانما علي العالم أجمع .!ففي يوم الثلاثاء الماضي أعلنت الادارة الأمريكية تجميد العلاقات العسكرية والتجارية مع موسكو ،بل ان «جون كيري « وزير الخارجية الأمريكية ،ذهب في انفعالاته لأبعد محذرا بالمزيد من الخطوات الجادة لارغام بوتين علي دفع الثمن ؟!ولم يستبعد عزل روسيا اقتصاديا ؟ أعقب ذلك هزة ببعض الأسواق المتذبذبة وفقدان العملة الروسية لنسبة 20 % من قيمتها ،لكن بعد يوم استعادت عافيتها . فبنظرة لنتائج الاجتماع الطارئ لقيادات دول الاتحاد الأوربي الأسبوع الماضي ،يتأكد لنا صحة عدم جدوي واستحالة استحدام واشنطن وحليفتها بروكسيل الأسلحة التقليدية الاقتصادية .فقادة أوربا لم يستطيعوا الاتفاق علي آليات لفرض عقوبات علي موسكو ،ولا حتي بتجميد مفاوضات الشراكة الأوربية الروسية المقرر انتهاؤها أواخر العام الجاري 2014 لمنح روسيا صفة «شريك متميز « ،ولا حتي بتجميد مفاوضات ملف الطاقة والغاز (التي لم تصل لتقدم ) .كل ما أخرجوه من جعبتهم تجميد مفاوضات نظام مخفف للتأشيرات (مازالت مفاوضاته متعثرة منذ قمة روسيا والاتخاد أواخر العام الماضي) ،مع منع سفر بعض المسئولين الروس لدول الاتحاد الأوربي ؟! ولم تتضح قائمة هؤلاء !. ويبدو الصراع بداخل قمة زعماء أوربا واضحا من خلال جناحين، أحدهما تتزعمه ألمانيا ، بريطانيا وفرنسا، ولكسمبورج، وايطاليا، وهولندا وفنلندا، وبلغاريا، ورومانيا واليونان في مواجهة جناح لبعض دول شرق أوربا المتشدد تتزعمه بولندا والتشيك والمجر والدول السوفيتية السابقة أستونيا ولاتفيا وليتوانيا وكرواتيا .الجناح المتشدد تبني نهج التصعيد تجاه موسكو ويبدو تخوفه الواضح علي تداعيات قرار بوتين بحماية المواطنين الروس في شبه جزيرة القرم وانتشار عدوي القرم للمناطق الشرقية والجنوبية الأوكرانية التي التي تعج بالغالبية الروسية ؟!. ولربما كان قرار المجلس الأعلي للقرم _أثناء انعقاد القمة الأوربية _ بطلب الانضمام للفيدرالية الروسية له وقع الأثر ،هذا مع تداعيات الغاء الحكم الأوكراني الحالي لقانون عام 2012 بالغاء التحدث بلغة الأقليات في المناطق التي تعيش بها والتي تمثل بها أكثر من نسبة 10% من مجموع السكان ، فبلغاريا علي سبيل المثال لديها أقلية تبلغ وفق مصادر مليون مواطن يعيشون بالمناطق الشرقية الأوكرانية .بعض الدول الشرقية تخاف من توسيع دائرة قراربوتين بحماية المواطنين الروس ،حيث تبلغ نسبة المواطنين الروس فقط في «ريغا» عاصمة لاتفيا 50 % وكذلك في أستونيا ،وبلاتفيا تصل إلى15 ، من هنا لجأ هذا الجناح للعوض باستخدام شباك الناتو في طلب دعم عسكري !أما الجناح الداعي للتهدئة والتي تتزعمه ألمانيا ،فهي تتخوف من دفع فاتورة عقوبات سواء اقتصادية أم تجارية، فالشركات الألمانية ليست علي استعداد لفاتورة ذلك ،علي منح استثمارات ألمانية علي الأراضي الروسية تبلغ لعام 2012 لأكثر من 20 مليار يورو، تلازما بحجم استيراد ألماني للنفط والغاز الروسي يبلغ 40 % ، بل يتعداه لدول أوربية أخري كبلغاريا لنسبة 100 % ، ودول مثل فنلنداوألمانيا وايطاليا وغيرها .بل جري التساؤل في كواليس القمة الأوربية الطارئة حول مدي نجاح الاعلان عن مساعدة كييف وحكمها الحالي بقروض تبلغ 11 مليار يورو؟! بل مدي فاعليتها لانقاذ كييف من الافلاس ؟! – علي منحي التداخل الروسي الأوكراني الاقتصادي والتجاري- في وقت تعصف الأزمات المالية وشبح الافلاس بدول منطقة اليورو وضعف شديد لمعدلات النمو وازياد أعداد البطالة!.ولم تستطع الكواليس الأوربية الاجابة عن السؤال الأهم في الرد الروسي حول عجز كييف دفع فواتير الغاز الروسي المتأخرة وقرار شركة غاز بروم الروسية برفع الأسعار في ابريل المقبل، في ظل عدم اعتراف موسكو بشرعية الحكم القائم بكييف؟! ذلك كله يدفع للاعتقاد بخطأ حسابات بروكسيل وعدم قياس رد الفعل الروسي الصارم، فذلك الغرب الرأسمالي المتوحش اندفع بالتوسع نحو الشرق (طمعا في الأسواق والأيدي العاملة الرخيصة) دون الأخذ فيس الاعتبار المصالح الحيوية الروسية وأمنها القومي .. نجاح مشكوك فيه !! مازالت الأحواء الأجواء الاعلامية تصخب برنين الخطاب الأمريكي الغربي حول استخدام الأسلحة الاقتصادية التقليدية ، كآلة مخترعة في العلاقات الدولية .فقد جربتها بغداد من قبل ،ثم طهران وحاليا دمشق ولم تسقط للعام الثاني علي التوالي كما تحلم واشنطنوبروكسيل ..بالطبع لا يمكن عقد مقارنة مع موسكو اللاعب الدولي المهم والذي يعيل عليه الغرب في حل معضلاته !روسيا ووفقا لاحصاءات البنك الدولي لعام 2012 السادسة بمعدلات الدخل القومي 2,5 تريليون دولار بعد ألمانيا3,1 تريليون دولار التي تقع في المرتبة الخامسة ،بل تسبق بريطانيا 2,4 تريليون دولار، وفرنسا في المرتبة التاسعة باجمالي 2,2تريليون دولار .فللحديث عن عقوبات اقتصادية أو تجارية أمريكية ، ينبغي الاشارة الي أن واشنطن تمثل الموقع 15 في المرتية التجارية لروسيا ،بعكس أوربا المتقدمة والثالثة في هذه المرتبة التجارية. وبشكل عام يمثل الغاز الروسي والطاقة نسبة 35 % من استهلاك أوربا مجتمعة ،مع نسبة 40 % من المنتجات الخام .بمقابل استهلاك نسبة 18 % من الصناعات الكيماوية الأوربية بالأسواق الروسية ،ومبيعات السيارات بها بلغت 10 مليارات يورو لعام 2012 وعلي سبيل المثال لا الحصر بلغ حجم التبادل التجاري الروسي الألماني لعام 2012 -80,3 مليار يورو .روسيا تتبوأ المرتبة الرابعة عالميا بحجم الاحتياطي النقدي من العملة الأمريكية الدولار ،وبامكانها _حسب تصريحات المستشار الاقتصادي للرئيس بوتين «سيرجي جلازييف « استبداله سواء باليوان الصيني ،أو بأي عملة ما شاءت .وفي هذا الصدد يوضح بأن موسكو لديها استثمار في سندات أمريكية تبلغ 139 مليار يورو من جملة الديون الأمريكية البالغة 5,8 تريليون دولار وهو ما يمكنه من احداث أزمة مالية أمريكية .أيضا بلغت حجم ودائع وقروض القطاع الخاص الروسي في البنوك الأوربية لمبلغ 13 مليار يورو ،وفي حال قرار أوربي بتجميد الودائع الروسية فانه بالقطع سيؤثر علي بنوكها ،بل وقطاعات اقتصادية أخري .