يحلو للاعلام الأمريكي والغربي الحديث عن أوكرانيتين ،كمسلمات "شرقية وغربية " .فالاحصاءات للعام الماضي تشير الي أن تعداد سكان أوكرانيا 45,400 مليون نسمة ،موزعين علي 24 محافظة وبمدينتين باستقلال اداري هما كييف العاصمة وسيفاستوبول ،مقر تمركز الأسطول البحري العسكري الروسي ،كما أنها أيضا ممر لأنابيب الغاز لأوربا . علي أن اجمالي تعداد السكان الذين يتحدثون اللغة الروسية 19,400 مليون نسمة موزعين علي محافظات القرم ،دونيتسك ،دينبروفيتسك ،لوغانسك ،خاركوف ،زابورجيه ،أوديسا ونيقولايفسك .هذه المحافظات كانت ومازالت في تداخل عرقي ،تاريخي ،اقتصادي وثقافي ،تعليمي بل وديني مع روسيا ومع الكنيسة الأرثوذكسية بموسكو . وللحديث عما يسمي "بأوكرانياالغربية " فهي تتشكل من 8 محافظات حررها الجيش السوفيتي عام 1939 _ كانت تلك المحافظات ضمن الامبراطورية النمساوية الهنجارية حتي عام 1914 ،ايفانو –فرانمكوفيسك ،لفوفسك ،كيرنوبولسك ،تشيرنوفوفيتس ،فولنيسك ،روفنسك وانضمت اليها محافظة خميليتسك ويبلغ تعداد سكانهم 14,400 مليون نسمة .ففي خلال الحرب العالمية الثانية نشأت في هذه المحافظات المذكورة حركة موالية للاحتلال النازي الألماني ،وقاتلت ضد الجيش السوفيتي .أما القسم المتبقي من أوكرانيا وهو 10 محافظات بالاضافة للعاصمة كييف (2,900 مليون نسمة ) لعبت دور التوازن فيما بين الشرق والغرب . تصعيد بمؤازرة أمريكية لفهم تطورات الأحداث والتداعيات المستمرة للمشهد الأوكراني ،ينبغي علينا العودة للتاريخ القريب فيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط المنظومة .فقد شهدت أوكرانيا أجواء من الديمقراطية الأمريكية ،وفتحت السلطات المجال لما يسمي بالمنظمات الحكومية .وهي التي مولتها ودعمتها واشنطن منذ عصر الكابوي "ريجان " عام 1991 ،وهو ما أكدته "فيكتوريا نولاند " – صاحبة التسريب المشهورمنذ أيام ماضية ، في المحادثة الهاتفية مع السفير الأمريكي بكييف حول ترتيب تنصيب المعارضة الأوكرانية في السلطة القادمة والعبارات المسيئة للاتحاد الأوربي – .فقد أكدت نولاند مساعدة وزير الخارجية الأمريكي عبر تصريحها في ديسمبر العام الماضي ، أن واشنطن مولت هذه المنظمات بأكثر من 5 مليارات دولار ،لتطوير ما يسمي بالمفاهيم الديمقراطية في أوكرانيا وبخاصة في المناطق الغربية .! علي أن الهدف والغرض الأساسي يكمن في المزيد من تعميق الهوة بين مناطق الشرق والغرب ،ولعمليات التجسس المعروفة من الباب الخلفي !،نتج عن ذلك فيما بعد ما سمي بالثورة البرتقالية 2004 وفتح الطريق لشراكة مع حلف الناتو ضمن خطة للانضمام لعضويته ،وهو ما رفضه فيما بعد الرئيس الأوكراني ياناكوفيتيش . يضاف لذلك سلسلة التخبط طوال سنوات التسعينيات للنخبة الأوكرانية التي ضرب الفساد بها بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في سياسات الانفتاح الاقتصادي ،والتي أدت في مجملها للمزيد من الأزمات الاقتصادية وظهور حالات الفساد المصاحبة لها ،مع تراجع النمو المحلي ظل انفجار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية 2008 ،لنسبة 20 %. وبخاصة في المناطق الغربية بعكس المناطق الشرقية ,التي يشكل القطاع الصناعي بها جزءا مهما من هيكل الصناعات الروسية وخصوصا الصناعات الثقيلة وصناعات السيارات وطائرات النقل والمركبات الفضائية والتي تملك أوكرانيا فيها وكالة فضائية وأقمار صناعية خاصة بها !. في ظل رفض الرئيس ياناكوفيتيش آخر لحظة التوقيع علي اتفاقية الشراكة مع بروكسيل للحصول علي صفة "دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوربي " مقابل معونة مالية تقدر بمبلغ 620 مليون يورو في10 سنوات بشرط اجراء اصلاحات (هيكيلية ) بالاقتصاد الأوكراني؟!. أخذت واشنطنوبروكسيل في ترتيب صفوف أعوانهما بالمناطق الغربية من الحركات اليمينية المتطرفة والفاشية ،ونشطت ماكينة الاعلام الأمريكي الغربي باشاعة عن الحرب الأهلية .لكن تقارير عديدة ومصادر اعلامية روسية وبلغارية ،وشرائط فيديو علي شبكة اليوتيوب، أكدت وجود عناصر في ميدان كييف تم تمويلها وتدريبها للعب علي "ورقة الدم " ،وهو مابرز في كثرة القتلي والاصابات برجال الشرطة والجيش من خلال قناصين علي أسطح المباني لاصطيادهم !. وتدل مظاهر التخريب واحراق المباني العامة لتعمد القوي المتطرفة إحداث حالة من الفوضي العامة .بل تبدو الصورة واضحة أكثر في تسريبات عن وجود عناصر من المخابرات الاسرائيلية والأمريكية للتنسيق وادارة الوضع الميداني من قبل المتطرفين . ذلك يؤكد الانطباع بوجود مخطط معد له بشكل مسبق يهدف من ناحية اشعال حرب أهلية بعملية تقسيم ولتمركز قوات الناتو علي الحدود الغربية الأوكرانية ،في ظل انشغال موسكو بحدث داخلي في دورة الألعاب الأوليمبية بسوتشي . اتفاق الممكن ازاء تردد وضعف "ياناكوفيتيش " في التعامل مع ظاهرة التطرف والارهاب من قبل العناصر الفاشية التي استولت علي الميدان ،وحتي اعتراف قيادات المعارضة بفشلهم في السيطرة علي الميدان وعناصره .وبمرور الوقت استولت هذه العناصر علي الشارع ومازالت رافضة الانصياع والالتزام باتفاقية الحكم والمعارضة .! وعلي كل حال هي اتفاقية الممكن والمتاح ، ولأن موسكو تعي دروس الماضي القريب من التدخلات العسكرية المباشرة ونتائجها العكسية ،فهي التي طالبت ولاتزال بالحل السياسي ..نصوص الاتفاقية تسبغ في ظاهرها نصرا للمعارضة ،في عودة العمل بدستور 2004 بالنظام المختلط من خلال تعديلات دستورية مقرر لها شهر سبتمبر، وانتخابات رئاسية مبكرة حتي أوائل ديسمبر القادم ،ومع تشكيل حكومة تكنوقراط وتعييرات بقانون الانتخابات واعادة تشكيل اللجنة المركزية العامة المشرفة علي الانتخابات مع الافراج عن يوليا تيميشنكو. من الواضح أن موسكو تدرك جيدا منذ بدايات التصعيد الأمريكي الغربي، أن واشنطن تسعي لأن تكون "كييف " مفتاح الضغط عليها بتقديم تنازلات في سوريا ،لذا سعت باغراق بروكسيل في المستنقع الأوكراني وللحد من تخوفات تأثير اليورو الصاعد بالأسواق العالمية علي حساب العملة الأمريكية الهابطة والديون الداخلية المتفاقمة.! من هنا يمكن القول بنجاح السياسات الروسية الحذرة في المحافظة علي وحدة أوكرانيا تكتيكيا ، ويتبقي لبروكسيل نجاح مؤقت وضعيف في دفع أنصارها للاشتراك في الحكم وعمليات تغيير بالأنماط الاقتصادية والاجتماعية القائمة . لكن الأحداث تثبت صحة الطرح الروسي في ايجاد آلية متوازنة عبر تشكيل مجلس روسي أوكراني أوربي لمعالجة الوضع ولامكانية انشاء منطقة للتجارة الحرة مع أوربا دون التدخل في الشئون الأوكرانية . ستفسر الأيام القليلة القادمة عن منحي تطور الأحداث ودرجة الرد الروسي القادم في ظل حرب مفتوحة، يتفادي الجانبان الأمريكي والروسي وصفها بالعودة للحرب للباردة وتأثير ذلك علي كل الملفات بالبؤر الملتهبة في الشرق الأوسط وأفريقيا وأسيا .