صور| بنك التعمير والإسكان يستضيف كأس أمم أفريقيا    فيديو| لحظة وصول منتخب مصر لملعب الكلية الحربية    حالة الطقس ودرجات الحرارة المتوقعة .. غداً الخميس    «تنسيقية شباب الأحزاب»تصريحات أردوغان معتادة من نظام يدعم العنف والإرهاب    رئيس الوزراء يتابع الموقف التنفيذي لمشروعي الطريق الدائري الأوسطي ومحور المحمودية    ب«ألف كذبة وكذبة».. ترامب يطلق حملته الانتخابية للولاية الثانية    31 عملية جراحية وقسطرة علاجية مجانية بمحافظة الأقصر ضمن مبادرة "حياة كريمة"    فيديو| مستشارة وزيرة التخطيط: اختفاء 50% من الوظائف الحالية بعد 4 سنوات    كأس الأمم الأفريقية 2019| «منتخب السناجب» يصل مطار القاهرة «صور»    ارتفاع الصادرات المصرية إلى تنزانيا بنسبة 75%    الجيش الجزائري يطلق تحذيرًا للمتظاهرين    محافظ بني سويف: تسلّم 188 ألفا و400 طن قمح    تونس تتغلب على البحرين في البطولة العربية لناشئي السلة    رأس المال السوقى للبورصة يخسر 3.6 مليار جنيه بختام التعاملات    فيديو| رسالة من المرور للمواطنين بشأن الملصق الإلكتروني    ضبط وإحضار 3 متهمين بغسل 55 مليون جنيه فى أعمال غير مشروعة    هوت شورت وكولون شفاف.. دومينك حورانى فى إطلالة صيفية جديدة.. شاهد    أحمد فلوكس: تواصلت مع طفلة لتهدئتها بعد مشاهدة مشهد استشهادي في «الممر»    عمرو دياب يطالب بإغلاق 5 قنوات فضائية    بالفيديو.. الصفحة الرسمية للأزهر على "فيسبوك" تحيي السيرة العطرة لصحابة الرسول    الإفتاء: لا مانع من إعطاء الزكاة ل زوج البنت الفقير    على طريقة مقتل عرفات.. هل قتل السيسي الرئيس بالسم الإسرائيلي؟    25 يونيو بدء قبول دفعة جديدة من المجندين    فيديو.. ضبط شخص يزور المحررات الرسمية ويبيعها للمواطنين    «العشماوي»: رعاية الرئيس لمؤتمر القضاء على الختان يعكس اهتمامه بالمرأة    فيديو..لحظة احباط تهريب أكبر شحنة ألعاب نارية عبر ميناء الدخيلة    رئيس البرلمان اللبناني: متمسكون بالسيادة الوطنية كاملة برا وبحرا    تجربة «نيمار» والمال القطري !!    بعد السقوط أمام كولومبيا.. سكالوني: لم نبدأ بعد كوبا أمريكا    4 أسباب جعلت «حكيم» المطرب الأنسب لحفل افتتاح أمم إفريقيا 2019    شيماء سيف تنفي إصابتها بسرطان الثدي    محافظ جنوب سيناء: توفير شاشات في 10 مراكز للشباب لنقل فعاليات البطولة الإفريقية    الجيش اليمنى يحرر مواقع جديدة فى جبهة قانية بمحافظة البيضاء    حى العجوزة يطور شوارع وادى النيل وابن خلدون.. صور    محافظ بني سويف : تنفيذ الخطة الاستثمارية لمشروعات الوحدات والمديريات بنسبة 100%    الإمام الأكبر: الأزهر حريص على تقديم كل أوجه الدعم للشعب الليبي    البرلمان العربي يؤكد دعمه للصومال في الحفاظ على وحدته وسلامة أراضيه    قوات الوفاق تعلن تدمير طائرة حربية تابعة ل«حفتر»    محافظ أسوان : احتفالية كبرى في سبتمبر لتسليم تعويضات النوبة لمستحقيها    "الأعلى للإعلام" يكشف نتيجة التحقيقات مع ميدو.. ويطالب الشخصيات العامة بالإبلاغ عن الصفحات المزيفة    اتحاد كتاب مصر ينعى المفكر الكبير الدكتور إمام عبد الفتاح    الخميس.. يوم ثقافي دولي بالمتحف المصري بالتحرير بحضور وزير الآثار    كشف غموض العثور على جثة إحدى السيدات بطريق بورسعيد الإسماعيلية    الحكومة تزف بشرى سارة لمتضررى النوبة والسد العالى    أخبار اليوم | انقلاب سيارة تحمل «صابون» بالطريق الدائرى .. فيديو    صحة المنيا: الكشف على 1792 مواطنا خلال قافلة طبية بمركز العدوة    كان 2019 تهدد حلم ميسي.. ومفاجأة تنتظر محمد صلاح    أزمة داخل البرلمان التونسي بسبب قانون الانتخابات    بطريرك الأقباط الكاثوليك يستقبل وفداً ألمانى    الإفتاء توضح ما يجزأ فى صك الأضحية.. اعرف التفاصيل    محمد رمضان يستعد ل«رجالة حمزة» و «شبح النيل»    قطر 2022 فى مهب الريح    على جمعة يوجه نصيحة لمن يعاني من ضغوط ومشاكل الحياة    حملة للتبرع بالدم بمشاركة ضباط وأفراد ومجندي إدارة قوات الأمن بأسيوط    محافظ مطروح يشيد بنجاح أطباء "النجيلة" في تغيير مفصل فخذ كامل لمسن | صور    هل مضغ الطعام بصوت مسموع مخالف للآداب؟.. الإفتاء تجيب    دراسة: العلاجات التي تستهدف ارتفاع ضغط الدم تقلل من ظهور الزهايمر    حزب الشعب الديمقراطى: الشعب المصرى يرفض التدخل فى شئونه الداخلية لانه السيد مصدر السلطات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الربيع العربي يقتحم السودان.. الحگومة ترفع الدعم بدلا من أن تخفض إنفاقها
نشر في الأهالي يوم 02 - 10 - 2013

خصوبة الأراضي ووفرة المياه رشحت السودان ليكون سلة خبز العالم وأقاليمه الآن تعاني من المجاعة
رسالة الخرطوم: عبدالوهاب خضر
في الأسبوع الماضي كنت في قاعة الصداقة بالعاصمة السودانية الخرطوم وقت ان كان الرئيس السوداني عمر البشير يلقي كلمته التي قرر خلالها إلغاء الدعم ..كنت أراقب وجوه السودانيين في هذا المكان المغلق وخارجه ،حتي علمت أن الغضب الشعبي قادم لا محالة..فقرار البشير هذا برفع سعر المحروقات ينتج عنه ارتفاع معظم الأسعار من خضراوات وفواكه ولحوم وخلافه ،تلك السلع التي ترتبط بشكل يومي بالمواطن العادي..ففي شوارع الخرطوم العاصمة تكتشف الكارثة من فقر وجهل وبطالة ورغبة واضحة في التخلص من تلك المشكلات القديمة والجديدة.
عقب الخطاب مباشرة بدأت مقدمات ثورة في بلد عرف في تاريخه الحديث عدة ثورات منذ استقلاله عام 1956، ففي عام 1964،كانت احتجاجات طلابية في الجامعات سرعان ما شملت النقابات العمالية والمهنية، وانتقلت من الخرطوم إلي مدن أخري حتي دخلت السودان في إضراب عام اجتاح البلاد،و قتل وقتها 34 متظاهرا وأرغم الحاكم العسكري للبلاد آنذاك الجنرال إبراهيم عبود علي الاستقالة، وفي 6 ابريل 1985، أطاح الشعب السوداني بالرئيس جعفر النميري الذي حكم السودان 16 عاماً بعد استيلائه علي السلطة المسلحة علي الحكم في 25 مايو 1969 .
تنسيقية التغيير
من جانبها ويوم الاحد من هذا الأسبوع أعلنت القوي الثورية في السودان تأسيس "تنسيقية التغيير"، التي أكدت في بيانها الأول أن الثورة السودانية مستمرة ولا عودة إلي الوراء، كشافة عن مقتل 116 متظاهراً برصاص الأمن خلال 6 أيام من الاحتجاجات علي رفع الدعم عن الوقود..
وجاء في بيان إعلان تكوين تنسيقية قوي التغيير السودانية: "دأبت سلطة الجبهة الإسلامية منذ انقلابها في الثلاثين من يونيو 1989 علي قهر وقمع الشعب السوداني، ولم تتورع عن إشعال الحروب وتقسيم البلاد ونهب مقدرات وثروات الشعب السوداني باسم الدين".
وتابعت: "هذه السلطة التي أذلت وقتلت أبناء شعبنا في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة وقبلهم في محرقة الأهلية بجنوب السودان، واعتقلت وعذبت وقتلت المواطنين الشرفاء في الوسط والشرق والشمال، تواصل اليوم نفس نهجها في قتل المتظاهرين السلميين الذين قالوا لا لتحميل الشعب السوداني فاتورة ربع قرن من السياسات الفاشلة والفساد وسوء الإدارة والحروب. ونتائج هذا لم تعد تخفي علي أحد، ففي كل بيت في السودان اليوم شهيد أو معتقل" وقالت التنسيقية إن "آلة العنف والقتل واجهت المتظاهرين السلميين في الأيام الماضية وسقط جراؤها حتي الآن 116 مواطنابالرصاص الحي فضلاً عن مئات الجرحي والمعتقلين".. وواصل البيان: "ولما كان لزاماً علي القوي العاملة من أجل التغيير والفاعلة من أجل مصلحة الوطن ومهمومة بقضاياه أن تجمع كل الجهود لمواصلة هذه الانتفاضة إلي نهاياتها بإسقاط هذا النظام الجاثم علي صدر الوطن فقد اجتمعنا لتكوين تنسيقية لقوي التغيير من التجمعات الآتية: تحالف شباب الثورة السودانية، قوي الإجماع الوطني، والنقابات المهنية (نقابة الأطباء، لجنة المعلمين، نقابة أساتذة جامعة الخرطوم، التحالف الديمقراطي للمحامين، نقابة أطباء الأسنان)، وتحالف منظمات المجتمع المدني".
الوضع المأساوي
ويطالب المتظاهرون برحيل هذا النظام ومجيء بديل ديمقراطي يختاره الشعب يوقف الحروب ويشيع السلام ويوقف اهدار الموارد وسرقة المال العام ويوجه المال العام نحو التنمية الحقيقية المتوازنة العادلة وفق أولويات علمية مدروسة وفي ظل معايير أخلاقية تحكم المجتمع والدولة.
د. عفيفي المطران وهو الخبير السياسي المعارض يقول انه خلال حكم الإسلاميين حدث ما يلي: السودان كان يحكمه جعفر نميري، والشعب ثار عليه واسقطه، والشعب السوداني الحر انتخب أول حكومة مدنية ديمقراطية في حياته، و استلمت الحكم، وكانت المهمة الأولي للحكومة المدنية هي المصالحة مع المتمردين في الجنوب من اجل عدم فصل الشمال مع الجنوب .. وفعلاً نجحوا ووقعوا اتفاقيات صلح ووحدة وطنية .. ومخطط تفتيت السودان فشل ، وفي يوم 30 يونيو سنة 1989 رتب حسن الترابي مع الضابط ذي الخلفية الإسلامية عمر البشير انقلابا ضد الحكومة المدنية .. واستولوا علي الحكم، ودمروا والغوا اتفاقيات الصلح مع الجنوب وشنوا حربا شرسة ضد الجنوب، كما ألغوا الانتخابات تماماً ولم يعد هناك اي انتخابات في السودان منذ عام 1989 حتي الان، وتفتت السودان وانقسم في ظل حكم الإخوان إلي دولتين،(الشمال والجنوب)، وتحول الجيش الي جيش طائفي بدلا من الجيش الوطني…حتي جاء قرار الغاء الدعم وكان القشة التي قصمت ظهر البشير وهي الغاء الدعم دون وجود خطة تنموية مدروسة الامر الذي يهدد معيشة المواطن حيث تحدي الرئيس السوداني معارضيه والمشاركين في التظاهرات المندلعة ببلاده، والتي راح ضحيتها القتلي حتي الآن مذكرا إياهم بما أنجزه علي صعيد مستوي معيشة المواطن السوداني، مدللاً علي ذلك في تصريح تناقلته وسائل الإعلام أن المواطن لم يكن يعرف ما هي وجبة "الهوت دوج" قبل حكمه.وتناول نشطاء المواقع الاجتماعية في السودان ، تصريح البشير هذا و المتصدر لمانشيتات إحدي الصحف السودانية، بنوع من السخرية، عاقدين مقارنة بينه وبين الرئيس المصري المعزول، الدكتور محمد مرسي، الذي أطلق تصريحا مماثلا، خلال فترة حكمة، قائلاً: "المصريون في عهدي بياكلوا مانجة لأنها بقت رخيصة".
انهيار الدولة
وأضاف الخبير السياسي عفيفي "المطران" انها بداية مواجهات اندلعت علي خلفية قرار الحكومة السودانية برفع الأسعار، وهو ما أدي إلي اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين، حيث تصاعدت أعمدة الدخان في مواقع متعددة بعدما أضرم محتجون النار في منشآت خاصة وعامة بينها مقر المؤتمر الوطني السوداني الحاكم في منطقة أمبده بأم درمان. من ناحية اخري اتفق خبراء ومحللون اقتصاديون اخرون مع الرئيس السوداني عمر البشير علي تدهور الاقتصاد السوداني وخطورة ما يعانيه من أوضاع غاية في السوء.لكن الاقتصاديين اختلفوا مع الرئيس حول مبررات رفع حكومته الدعم عن بالبنزين وبعض السلع الأخري، مما يزيد من حدة تدهور الاقتصاد في البلاد. وبدا أن الأوضاع السودانية الاقتصادية مرشحة لمزيد من التدهور والانهيار "في ظل سياسات اقتصادية لم يخطط لها بشكل علمي مدروس
فالرئيس السوداني استبق بداية تنفيذ قرار حكومته برفع الدعم عن البنزين وبعض السلع الأخري بالتحذير من انهيار الدولة "إذا لم تطبق ما وصفها بحزمة الإصلاحات الاقتصادية التي أقرتها بشكل عاجل".وقال للصحفيين يوم الأحد قبل الماضي إن استمرار الدعم الحكومي للمحروقات يشكل خطورة كبيرة علي الاقتصاد السوداني "لأن البلاد تستورد أكثر مما تُصدر، وتستهلك أكثر مما تُنتج"، مشيرا إلي إمكانية انخفاض الاستهلاك في حال رفع الدعم عن المواد البترولية.وبرر وزير المالية السوداني علي محمود القرار بأنه سيؤدي للتوازن في الموازنة، ويقلل اعتماد الميزانية المقبلة علي الاستدانة من البنك المركزي. أن ما تم سيؤدي -علي المدي المتوسط- لتخفيض معدلات التضخم إلي 3% و استقرار سعر الصرف وزيادة في معدلات الناتج المحلي الإجمالي إلي 3.6% وهو "ما يعادل ضعف ما كان عليه في العام الماضي".
مجرد أوهام
أما الخبير الاقتصادي التجاني الطيب إبراهيم فوصف الوضع الاقتصادي السوداني بالخطير جدا، واعتبر أن ما يجري "معالجة خاطئة تذهب في اتجاهين متضادين".وقال في تصريح إن القرارات ستصعد بالتضخم إلي أعلي مستوي له، بجانب مساهمتها في انهيار كثير من المشروعات الاقتصادية الصغيرة،مشيرا إلي أن الحكومة بقراراتها ارتكبت عدة أخطاء أساسية. وتوقع أن تضطر الحكومة لزيادة الإنفاق "لتضر بالتالي بالاقتصاد والمواطن علي السواء"، مشيرا إلي أن الحكومة هي المستهلك الأكبر للمحروقات البترولية في السودان.وبدوره، قال الخبير الاقتصادي سيد علي زكي إن أسباب انهيار الاقتصاد السوداني لا تزال موجودة حتي بعد رفع الدعم "طالما يوجد خلل يمنع الموازنة المالية من الاستدامة".وقال ايضا إن الحكومة تريد أن تعيش وتحصل علي القدرة الكافية لمصارعة الحياة، ولدينا أزمة حادة في الاقتصاد "رغم ما يحدث من تدهور".وأكد أن البدائل لمعالجة الأوضاع الاقتصادية "هي منظومة متكاملة، تبدأ من الحكومة نفسها بخفض الصرف وليس رفع الدعم عن السلع"، مشيرا إلي أن التفاؤل بمعالجة القرارات للوضع المتدهور "هي أحلام لا صلة لها بالواقع".أما مدير عام وزارة المالية عادل عبد العزيز فرأي أن الحكومة "كانت تعتمد علي الاستدانة من النظام المصرفي لتغطية الحاجات الاستهلاكية الكبيرة، كالصرف علي دعم المحروقات" مشيرا إلي أن استمرار العملية تسبب في ضغوط وصلت بالاقتصاد إلي الكساد التضخمي. لكنه أشار إلي خسارة الخزينة لنحو 25 مليار جنيه سوداني "وهي تعادل موازنة الدولة كاملة وبالتالي فإن الوضع خطير حقاً".وقال إنه كان من الممكن الاعتماد علي موارد خارجية كقروض أو إيداعات من الدول الصديقة "ولكن من الواضح أن استجابة الدول لطلبات السودان بشأن الدعم المباشر أو الاستثمارات، أو بوضع ودائع في البنك المركزي كانت دون المبالغ المطلوبة، ولا توجد بدائل أو معالجات آنية سوي رفع الدعم عن المحروقات".
فقر وغياب التخطيط
وبلغة الارقام التي وفرها لنا الدكتور محمد ابراهيم عبده كبج الخبير الاقتصادي في السودان فإن الثورة قادمة بسبب الفقر وغياب الخطط التنموية فهي تراكمات سيئة في البلاد فحسب المسح الأسري الذي أجرته الحكومة فإن هؤلاء الذين يعيشون تحت حد الفقر في الخرطوم أصبحوا 40% من جملة عدد سكان الخرطوم ، و95% من جملة سكان ولاية شمال دارفور، والنسبة آخذة في الزيادة،حتي الأسر المتوسطة ليست أفضل حالا فهي تنفق أكثر من 65% من دخلها علي الغذاء وحده ولربما يجيء يوم تضطر فيه الأسر المتوسطة إلي إنفاق كل دخلها علي توفير الغذاء ولربما لا يكفي هذا الدخل.وهنا تساءلت ..كيف لبلد يمتلك تلك المقومات والثروات ويعيش أهلها في هذا البؤس الشديد ،وتلك الحالة والألم السياسي والاقتصادي وبالتالي الإجتماعي؟!! ..سؤال حاولت الإجابة عليه خلال فترة وجودي في الخرطوم العاصمة ..فالسودان دولة عربية و أفريقية، وهي من أكبر الدول من حيث المساحة في إفريقيا والوطن العربي، وتحتل المرتبة العاشرة بين بلدان العالم الأكبر مساحة حيث تقدر مساحته بأكثر من مليون ميل مربع (2.5 مليون كيلو متر مربع). ويبلغ عدد سكانه 40.2 مليون نسمة .ويقع السودان في المنطقة المدارية، ولذلك تتنوع الأقاليم المناخية من المناخ الصحراوي إلي المناخ الاستوائي ونجد توزيعها كالآتي: المناخ الصحراوي الحار في شمال السودان، هو مناخ مشابه لمناخ البحر الأبيض المتوسط علي ساحل البحر الأحمر..والمناخ شبه الصحراوي في شمال أواسط السودان، وهو مناخ السافانا الفقيرة في أواسط وغرب البلاد .. ثم مناخ السافانا الغنية في جنوب السودان والمناخ الاستوائي أقصي الجنوب .وقد أدي تنوع الأقاليم المناخية هذه إلي تنوع الثروات الطبيعية التي يذخر بها هذا البلد، وهو ما دفع الخبراء إلي وصف السودان بقارة تسكن دولة، وهو ما جعله مطمعاً للدول الغربية التي تريد أن يكون لها نصيب الأسد من تلك الثروات الموجودة والتي من اهمها الماء، والأراضي الزراعية، والثروة الحيوانية، والبترول، اليورانيوم والثروة المعدنية.
إهدار مائي
يقول الدكتور محمد ابراهيم عبده كبج أن المصادر المائية تتعدد في السودان من «أمطار إلي مياه النيل ووديان ومياه جوفية» وحتي الوقت الراهن لا تستفيد من مياه النيل إلا مساحات قليلة من الأراضي السودانية تتمثل في الشريط النيلي الممتد من الجنوب إلي الشمال حول ضفتي النيل وروافده، بينما تعتمد معظم مساحات السودان اعتماداً كلياً علي مياه الأمطار والمياه الجوفية. ومعني ذلك أنه علي الرغم من وجود المياه وبكميات هائلة لكن الاستفادة منها تعتبر ضئيلة جداً…: وبالنسبة للأراضي الصالحة للزراعة فإن السودان يمتلك حوالي 200 مليون فدان صالحة للزراعة، أي ما يعادل حوالي 45% من الأراضي الصالحة للزراعة في الوطن العربي، ويزيد من أهمية الأراضي الصالحة للزراعة في السودان توافر المياه اللازمة للزراعة وبكميات كبيرة.. ويعتبر السودان من أغني الدول العربية والأفريقية بثروته الحيوانية والتي تقدر فيها أعداد حيوانات الغذاء( أبقار- أغنام- ماعز- إبل) بحوالي 1.3 مليون رأس، إضافة ً إلي 4 ملايين رأس من الفصيلة الخيلية، و45 مليونا من الدواجن، وثروة سمكية تقدر بحوالي 100 ألف طن للمصائد الداخلية و10 آلاف طن للمصائد البحرية، إلي جانب أعداد كبيرة مقدرة من الحيوانات البرية. مع ملاحظة أن الثروة الحيوانية في السودان تملك من المقومات الطبيعية ما يتيح لها أن تتضاعف أضعاف ما هي عليه الآن إذا توافرت لها الكوادر البشرية المتدربة والرعاية البيطرية وقبل هذا وذاك التمويل المالي.. من جانب آخر تقدر إحصائيات الاحتياطي النفطي في السودان بحوالي مليار ومائتي مليون برميل معظمها من الجنوب والغرب، وخاصة بإقليم دارفور الذي يطفو علي بحيرة من البترول…اليورانيوم: أثبتت الدراسات وجود أكبر محزون يورانيوم في العالم كله بإقليم دارفور بجنوب السودان، ويتميز خام اليورانيوم الموجود في السودان بأنه من النوع العالي النقاوة.. وتذخر الأراضي السودانية بثروة هائلة من المعادن، حيث توجد بها كميات كبيرة من الذهب والنحاس والكروم والرخام والجرانيت….يضاف طبعا إلي كل هذه الثروات الطبيعية والخيرات الهائلة الموقع الاستراتيجي.. وكلها مميزات تم إهدارها لقلة الكفاءة والفساد المالي والإداري.
لا حياة لمن تنادي
معظم الخبراء والمحليين السودانيين قالوا إن الأمر جد خطير ويحتاج إلي تحرك عربي واع وفعال للحفاظ علي ثروات السودان وكيانه واستقلاله ، لكي تكون خيرات السودان وثراوته لأهله، وكفي الغرب ما سلب ونهب ولكن "لا حياة لمن تنادي".. رفع نظام البشير أولا بعد أن استولي علي السلطة شعار نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع،ووضعوا الخطة العشرية التي تغطي السنوات من 1992 إلي 2002 وقالوا انها ستغير وجه السودان في كل المجالات وتضمن لهم الاستمرار في الحكم إلي ما شاء الله ، كانت خطتهم تستهدف في نهايتها انتاج 20 مليون طن ذرة و2 مليون طن قمح و2 مليون طن دخن، لكن بنهاية هذه الخطة كانت أرقام الانتاج المحققة تعادل أقل من نصف الانتاج في العهد الديمقراطي ، وتواصل فشل الزراعة لكنهم يعتمدون علي ضعف الذاكرة في التلاعب بالارقام، مثال لهذا التلاعب بالأرقام هو التناقض في أرقام ايرادات الذهب فالجمارك لها أرقامها ، ولبنك السودان أرقامه وهي تبلغ أضعاف أرقام سجلات الجمارك. وفي العهد السابق كان استيراد السودان من المواد الغذائية يكلف 72 مليون دولار سنويا، ورغم أنهم وعدوا بتمزيق فاتورة الغذاء والمساهمة في حل أزمة الغذاء في العالم وتخفيض أسعاره علي غرار استراليا وكندا، لكن أرقام استيراد الغذاء ارتفعت عام 2004م إلي 420 مليون دولار،أي ستة أضعاف ما كانت تستورده في الزمن الماضي ثم ارتفع الرقم عام 2008 إلي مليار واربعمائة مليون دولار أي عشرين ضعفا ثم 22 ضعفا عام 2009 ،أما في عام 2010 فقد كانت واردات الغذاء 2 مليار و365 مليون دولار أي أن تكلفة استيراد المواد الغذائية في ظل الانقاذ تعادل 34 ضعف تكلفة الاستيراد في العهد السابق ، و أن واردات الغذاء في سنوات الخطة العشرية 1992 إلي 2002 حسب تقارير بنك السودان بلغت 2,5 مليار دولار، وهذه دلالة كافية علي انهيار الخطة العشرية ، ولم تأكل السودان مما تزرع مثلما لم تلبس مما تصنع.و قبل مجيء النظام الحالي كان السودان ينتج 168 مليون ياردة من المنسوجات ومعظمها من المصانع الخاصة ، وهدفت خطتهم العشرية إلي انتاج 800 مليون ياردة يخصص 600 مليون منها للتصدير و200 مليون للاستهلاك المحلي ، ولكن بنهاية الخطة العشرية تقلص الانتاج إلي 15 مليون ياردة فقط أي ما يعادل 15% فقط من انتاج المنسوجات في العهد السابق. في عام 1990م استوردت السودان منسوجات بقيمة 3 ملايين دولار وارتفع الرقم عام 2002م إلي 360 مليون مليون دولار أي 120 ضعفا، أما في عام 2010 فقد كان انتاج النسيج في السودان صفرا كبيرا حسب ارقام بنك السودان. وانخفاض الانتاج الزراعي لم يأت مصادفة فقد أطلقت سياسة التحرير الاقتصادي العنان لاستيراد السلع البذخية التي بلغت فاتورة استيرادها 650 مليون دولار علي مدي 15 سنة في حين أن واردات التراكتورات والمبيدات الزراعية طوال نفس الفترة لم تتجاوز135 مليون دولار للتراكتورات و138 مليون دولار للمبيدات وهي تقل عن واردات أدوات الزينة والعطور التي بلغت 148 مليون دولار والمياه المعدنية والبسكويت التي بلغت بدورها 140 مليون دولار.و بنهاية الخطة العشرية بلغت فاتورة الواردات 11 مليار دولار منها 8,5 مليار دولار للغذاء.
في مظاهرات الجوع والفقر
وفي النهاية فإن عدد القتلي الذي وصل الي 119 خلال الستة ايام الاولي من الانتفاضة الجماهيرية وقيام السلطات السودانية بإعتقال نحو 600 شخص تسعي لتقديمهم للمحاكمة الأسبوع المقبل بتهم تتعلق بإثارة الشغب وإتلاف الممتلكات العامة..وعمليات حرق الممتلكات العامة والمسيرات التي تجوب شوارع الخرطوم الان هي كلها مؤشرات لربيع عربي جديد في دولة تئن من الفقر والفساد رغم ثرواتها الهائلة التي رشحتها لتكون سلة خبز العالم!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.