فوق رصيف المرفأ السيد نجم .. لا تسألني متى كان ذلك؟ يوم أن رأيته: قابلت ذلك البدين القصير الخرع، الذي يحمل بالات الملابس المستوردة من الصين، بتكاسل وملل غريب، على الرغم من أن مهمته لا تزيد عن حملها إلى سيارة النقل الكبيرة، الراسية بجوار البوابة العاشرة للمرفأ. بقليل من الكلمات العن جد أبيه، وأمه التي أرضعته القيء والقرفة. معه عرفت كيف يضحك المرء قنوطًا.. بلا قهقه ولا حتى بصوت هامس! قررت أن أهدده بالطرد من جنتي التي تأويه.. يزيد من ضحكته المغلقة، لا يزوم ولا ينطق! "قاسم قنصوه" لا يحسم أمره أبدًا، ولا يبالي شيئا، أعرف ذلك عنه وواثق.. أنظر، كيف يبدو لي مثيرًا للدهشة؟ دعوني أقص عليكم قصة اسمه! كنا معًا في الملجأ أيام الحرب، وبعد وردية الخدمة الأخيرة إل "شينجى"، لا يبقى سوى القهقهة، والبحث عن الصخب وتدخين السجائر من علبه "قاسم" خلسة. فلما نعجز عن العثور على حيلة للصخب، أغمز بكلتا عيني لأن ندير الدفة نحو الدفعة "قاسم"، ولا تعجزنا الحيلة أبدًا. نسأله عن معنى اسم جده الغريب "قنصوه"؟ يقص المخبول قصة جده، والتي سمعناها بدلا من المرة، الف مرة، وفى كل مرة يردد الحفيد الأهبل بأكثر حمية وحماسة وثقة عن سابقتها وكأن جده الملك أو الجن، يقول:(شاهد جدي في تليفزيون المقهى بقريتنا، أحد الأفلام القديمة، أقصد أن موضوع الفيلم عن أيام زمان، وسمع بأذنيه وشاهد بعينيه أحد الملوك أو السلاطين، أحدهم كان من حكام مصر، واسمه "قنصوه".. ومنذ تلك المرة وما بعدها شاهد الفيلم كثيرًا، أعلن للجميع وأرضعنا.. أننا من سلالة جدنا السطان الملك الخليفة "قنصوه) واثق الملعون "قاسم" أن جده الملك أو السلطان، فأشاعها في كل مكان يحط عليه، وأخبر كل سكان القرية وزملاء الكتيبة، وأظن الجيش الثالث كله. .. كما أرجوك لا تسألني، ماذا حدث من بعد؟ يوم أن شاهدته: قلبت في أوراقي القديمة، أحيانا أحن لأوراقي تلك المبعثرة، وان حفظتها في حقيبة جلدية متشققة وفى غير انتظام. متعتي أن أعيد ترتيبها –أحاول- مرة حسب تاريخها، ومرة حسب أهمية أحداثها، ومرات كثيرة عن غير هدى! وهو الأفضل عندي، لأن أجد ما أبعثره وأعيد ترتيبه في مرة تالية. للمرة التي لا أعرف عددها، التقطت تلك الورقة، إنها الورقة الداخلية المغلفة لعلبة سجائر، لأننا أيام الحرب لم نكن نحتفظ بورقة أو بقلم.. إلا "قاسم" الذي يعلق قلمه في جيب السترة العلوي الملاصق لقلبه، وكأنه من كتاب عصره. نعم، نعم.. كان موضوع الورقة يخصه ويخصني، كتبت عليها: "اليوم عدنا من مأمورية استطلاع خلف خطوط العدو، الليلة مقمرة، ومن عاش الصحراء ليلة، يعرف معنى أن تكون الصحراء بغير قمر.. الصمت يصارع ريح غبية.. بينما كنت أتقدم قاسم لأنني الحكمدار المقدام، لم أنتبه للوحة مكتوب عليها طلاسم بالعبرية.. إذا بصخرة خشنة قاسية تنال من اليتى وتؤلمني كثيرًا.. ظننت أنها قنبلة لم تنفجر.. انزعجت بشدة، ليس من الحكمة أن أتعرض للموت ولا أحتذر.. لمحت "قاسم" بعصبية يشير نحو اللوحة التي تحذر من حقل الألغام، فهمها الجن من رسم الجمجمة عليها.. تقدم وحده.. وأتمم المأمورية". انتهت الكتابة على الورقة، ما لم أكتبه، أن عدنا معًا إلى قائد الكتيبة، ولأنني قائد المجموعة أبلغته بتمام إنجاز المهمة.. هنأني الرجل وعانقني طويلا، ثم أبلغ القيادة الأعلى، ووعدني بمنحة خاصة من قائد الفرقة. أما "قاسم" الذي لا يجيد التحدث في مثل هذا المقام، اكتفى بالبقاء وحده خارج ملجأ القائد! العجيب الغريب أن رأيته يضحك من غير قهقهة، ومن غير صوت كعادته! .. الآن أرجوك لا تسألني تفاصيل أكثر، بعد أن أنقذني، أيام أن: اقتسمت معه اللقيمات الجافة، التي يحرص أن يزيل عنها حبيبات الرمل، بأن يطرقها على ركبته أكثر من العشر مرات، وهو ما لا يفعله مع لقيماته، المخبول كان يأكل العيش المقدد من حرارة شمس سيناء، مخلوطًا بالرمل! للحقيقة لم تكن تلك اللقيمات عفنة، كانت شهية، وتذكرني بالعيش المحمص الذي نشتريه من الأفران البلدية. الملعون "قاسم" صاحب فكرة حفظ "الجراية" أرغفة الخبز في الرمال أيام الرغد، أيام أن كان يصلنا التعيين الساخن والترفيه الحلو وعلب السجائر "السوبر".. في بداية العبور، وقبل أن تحاصرنا قوات الأعداء فوق أرض سيناء. كل أفراد الملجأ سخروا منه، ثم بدأوا في تقليد فعلته، إلا أنا.. فكان ينظر إلى ضاحكا ضحكته الملعونة، من غير قهقهة ومن غير صوت! الآن أظن يقينًا، أنه لولا تلك اللقيمات الجافة، لهان على روحي أن تنزع نفسها عن جسدي، المخبول أنقذني، أكيد فعل دون أن يدرى. .. عدت منتبها من شرودي التي طالت، تفحصت الخلاء من حولي، الحقيقة لم يكن خلاء، كان ضجيجًا لا يحتمل! سفينة البضائع القادمة من الصين تسقط حاويتها، تبدو كما الغول الخفي، ابتلعت رصيف الميناء بطوله الطويل، وكدت أظنها ستحجب قرص الشمس الذاهب إلى غروب، ليشرق على موانيء أخرى وأرض جديدة.. وبان لي أن أناس أخر على لون الاحتقان والشعر الأصفر والعيون الخضراء، يبدون وكأنهم يسيرون على وسادة هوائية أعلى بلاطات أرضية الميناء، سعداء إذن.. ولما تفحصت المكان من حولي جيدًا، وضحت لي أجساد تعرف وجهتها جيدًا، وإلا لماذا لم يسمعوني وأنا أصرخ في "قاسم" الملعون أن يسرع الخطو؟ لا أراه يفعل، ولا أراهم ينتبهون!