الرجل الذي أكله الحزن يوسف المحيميد* قال لي: إذا لم تشرح لي حالتك لن أتمكن من مساعدتك، لن أخرجك من حالتك هذه أبداً، ربما سيحدث لك يوما انتكاسة، لحظتها لن نتمكن من مساعدتك! قلت في نفسي وأنا أنظر صوب مريلته البيضاء، لماذا يملكون هذا القدر الضخم من الثرثرة المجانية، وأنا كالأخرس، لا أملك أن أعبِّر عن حالتي، فقط أحتاج إلى وحدة وعزلة دافئتين، وقلم فحسب، لأكتب على ظهر كرتون المناديل الورقية، أو على المناديل ذاتها، أو على مؤخرة هذا الغبي الذي يشبه عمله عمل المحققين أو المخبرين السريِّين، يستدرجني لأحكي له عن حالتي، ويقوم بكتابة ما أقوله له داخل هذا الملفّ الأخضر، ويردّد لي كمن تحوم حوله شكوك: لا تقلق! هذه المعلومات سريّة! أنا أسجّلها فقط لأغراض طبيّة! لم أقل له: لو كنت أملك أن أكتب ما يطوِّح بي ويرجُّني على ظهر هذا البلد لفعلت، جرَّبت أن أكتب شتائم وأحزاناً وأحلاماً ورسائل على الجدران، لكنها لا تكفي، يأتون في اليوم التالي ويدهنون جدرانهم القبيحة كي يخفوا سوءاتهم التي أثيرها بكتاباتي الجدارية، لست مراهقاً، بل مرهقاً ويائساً وحزيناً! همس بوداعة:لم أنت كتوم؟ ولم جئت هنا؟ لماذا لا تعتبرني أخاً أو صديقاً؟ لم أقل له لا أخوة لي، ولا أصدقاء ولا أعداء، لاشيء يحرضني على الكلام في هذا العالم كله، لا الشوارع ولا العمارات ولا الأشجار ولا عيادات الأطباء، لا الوجوه العابرة، ولا المألوفة المتكررة، حتى الأشجار التي كنت أحكي معها قبل سنوات لم أعد أجد ما يبرر صداقتي الطويلة لها! قام بغتة من كرسيِّه الدوَّار، والتقط من رفِّ المكتبة خلفه شيئاً ما لم ألاحظه، ووضعه على الطاولة: هذا تمثال زجاجي، أنظر إليه! حدّقت فيه وهلةً قبل أن يقف ثانية ويتجوَّل في غرفته الصغيرة: أنت مثل هذا التمثال سهل الكسر، قد يسقط من على الطاولة ويرتطم في البلاط ويتهشَّم! كنت أنظر في النافذة قبل أن أضيف إلى كلامه: وأنا قد أسقط من النافذة وأرتطم بالإسفلت وأتهشم! التفَّ نحوي سريعاً، وجلس على الكرسي المقابل، وحدَّق بي، فرأيت في عينيه البغيضتين غشاوة تشبه غشاوة الموتى! سألني بتشفٍ: لماذا تريد أن تقفز من النافذة؟ وقفت فجأة، واستدرت تجاه الباب دون أن أدفع له أجرة الكشف: لا تخف، سأخرج من الباب، ولن أنتحر على سلالم في عمارة بغيضة! وصفقت الباب خلفي. في الشارع تركض حولي صناديق أحزاني المغلقة، كأنما هم أطفالي المخلصون الأشقياء، هذا صندوق الحنين إلى ما لست أعرف، وهذا صندوق الألم، وذاك البعيد الذي يجرجر أقدامه صندوق الذكريات، وأما ذلك الصندوق الطويل الذي يشبه النعش فقد كان صندوق البكاء! كنت أبكي بحرقة، وجهي تضربه شمس يونيو اللاهبة دون أن تجفف دمعه! كنت أغنّي بضيق، أردّد أغنيات قديمة لمطرب شعبي، وأنشج بشراسة ناقة، لم أنتبه إلى ما حولي، لم أشعر أن هناك من يمشي معي على الرصيف، كنت وحيداً أبكي وأغني وأتذكر معاً! مشيت قرب سور مدرستي الابتدائية، ثم انعطفت إلى شارع مظلم وتوقَّفت عند باب المدرسة المقفل، طرقته بحذر، ثم طرقته بشدَّة، لم يكن هناك أحد! سحبت قدميَّ بتخاذل، بعد أن تلفَّت طويلاً باحثاً عن الحارس الذي يبيع حماماً في العصر، ويرتاد نادي النصر ليلاً. عدت إلى الشارع المضيء، ومشيت صاعداً الشارع دون أن أتوقَّف عند باب خالد الذي صار ضابطاً، أو سعيد الذي أصبح لاعب كرة مشهوراً. عند المخبز الأتوماتيكي بحثت عن سيارتي النيسان البيضاء القديمة، فوجدتها تقف عند باب المخبز. انتظرت قليلاً حتى خرج شاب عاري الرأس، ليفتح بابها. لحقت به وسألني: خير؟ قلت له: سيارتي، وأنا أشير نحوها! دفعني برفق وأدار محرك السيارة، وانطلق بسرعة ووجل! مشيت تجاه شارع العصَّارات وأنا أقضم أصابعي، اجتزت الشارع دون أن التفت صوب السيارات المسرعة، سرت ببطء شديد أسفل سور وزارة العدل المتكلس، كنت أقف كل لحظة وأطالع في الأشجار الهرمة اليابسة من وراء السور. كان الشارع خالياً والليل يتمدّد مثل عجوز لقيط. انعطفت ناحية منزلنا، وطرقت الباب طويلا، لم يكن هناك صوت سوى مناغاة أشجار الكينا، وهي تهدهدني مثل طفل ضال وشريد. قلت لها: لماذا لا تفتحين لي الباب؟ انعطفت برأسها الشامخ إلى الوراء دون أن تجيب! عادت ثانية وتلصّصت عليَّ. رجوتها بنزق: هيّا افتحي يا عجوز! أريد أن اطمئن على البنسيانة وسط الحوش! اضطربت أوراقها ثانية وهي تشيح بوجهها عنّي! ظللت وهلةً أقضم أصابعي وأتلفت بضجر وارتباك، ثم دخلت في نوبة هياج وأنا أهز الباب الحديدي الضخم من مقبضه، بدأ يتمايل مثل شجرة الكينا، حتى انفتح عن آخره. أعرف سرَّه مذ كنت صغيراً، ما أن أرجَّه بقسوة الصغار حتى يضعف وينفلق مثل ثمرة ناضجة! دخلت حذراً ومرتبكاً، بعد أن أغلقت الباب خلفي بهدوء، انعطفت يميناً باحثاً عن الحديقة المنزلية بنخلة السلَّج التي أصعدها كي ألقِّح طلعها ذا الرائحة المدهشة، لم أجدها، ولم أرَ شجرة التوت ولا الجهنَّمية المتسلقة بزهرها ثلاثي الأوراق، لم أجد شيئا غير بيت شعر أسود كبير جداً، يغطي مساحة الحديقة تماماً، تجاوزته دون أن أنظر داخله، ذاهباً إلى الحديقة الأخرى التي تتوسطها نخلة ثانية، وتجاورها شجرتا جوافة تطلان برأسيهما على الجيران، كم أربكني أن أجد البلاط المرصوف بعناية يملأ المكان بأكمله، تهاويت على البلاط، وأنا ألهث: اللعنة، لم كل هذا البلاط؟ مع من سأتكلم الليلة؟ لا شجرة أفضي بأسراري بين أوراقها، لا نخلة تمسح على رأسي بسعفها! على من سأدلق أحزاني الليلة، البيت لم يعد البيت، وأمي ليست هنا، والأشجار طوت جذورها وغادرت، والليل موحش على بلاط أبله وغبي، وأنا وحيد لا أسمع صوتي أبداً، صرت أنشج الليل كله، وأنا ممدَّد على البلاط الأبيض المنقَّط بالسواد، ممدَّد مثل قتيل، مثل جنازة أكلها الحزن! تسللت حرارة إلى وجهي، فكرت وأنا في الغيبوبة هل مازلت حيَّاً، لم أفتح عينيَّ المطفأتين، حرَّكت يدي بصعوبة بالغة، رفعتها تجاه جبيني، سَرَت حرارته إلى يدي، تشجَّعت ففتحت عينيَّ، ونظرت إلى الأعلى حيث شمس الظهيرة تصفع وجهي، والبلاط حولي حرارته عالية، حاولت أن أستند بمرفقي على البلاط الحارق، فلم أستطع. حاولت ثانية، وزحفت قليلاً نحو الظل لصق جدار البيت، ثم اتكأت على الجدار ونهضت بتثاقل، خطوت ببطء، وأنا أستند بكتفي على الجدار، مررت بجوار بيت الشعر الأسود الضخم، وهو يسترخي مكان الحديقة بلا اكتراث، تجاوزته، ثم اتجهت صوب الباب الخارجي، دون أن أرفع رأسي نحو شجرة الكينا، فجأةً، اصطدمَتْ جبهتي بالباب، فاهتز، واتكأت عليه بكفيّ، وحين أردت أن أجذب قفل الباب، ارتعبت بغتة، لم يكن في كفّي أصابع، متآكلة كانت، كأنما شيء حارق وقاس جزّها أثناء غيبوبتي، فرفعت رأسي صوب الكينا، وأجهشت بالبكاء! روائي وقاص من السعودية