مفاجأة سارة..رنة "رسالة sms على موبايلى" تبشرنى بالتوجه لأخذ الجرعة الأولى من لقاح فيروس كورونا بمستشفى المنيرة العام ..الرسالة وصلتنى بعد 13 يوماً فقط من تسجيل طلبى على الموقع الرسمى لتسجيل اللقاح بوزارة الصحة والسكان فى وقت أسمع فيه عمن ينتظر دوره منذ شهور..طبعا تفاءلت وتوقعت تطوراً ملموساً فى خدمات الوزارة بفضل التعاون مع وزارة الاتصالات والمعلومات لكن يبدو أنها فرحة ما تمت "أخذها طابور تلقى اللقاح وطال" ؟!. رحلة العذاب بدأت بوصولى بوابة المستشفى 9:30 صباح اليوم المحدد "الأحد 19 سبتمبر الحالى"، وكانت الصدمة الأولى أن الحارس طلب منى ومن كثيرين جاءوا معى تسجيل أسمائنا فى ورقة صغيرة والانصراف فوراً والعودة الساعة 2 ظهراً لعدم وجود مكان للانتظار وسط الزحام ومنعا للتكدس الذى لن تحمد عقباه ..فالبعض سجل اسمه وذهب الى عمله والبعض الآخر عاد إلى بيته. أما أنا قمت بمشوار لأعود الساعة 12:30 ظهراً ..أى قبل الموعد المحدد ولحسن الحظ دخلت وعثرت على مكان للجلوس باستراحة المستشفى وسط عدد كبير من المنتظرين، وكان الكل مشغولاً بملء استمارة البيانات والاقرار بالعلم بأعراض وآثار اللقاح الجانبية وأنه حصل على موافقة للاستخدام الطارئ فقط رغم عدم ذكر نوع اللقاح بالاستمارة التى يتم توزيعها والأهم التوقيع على إخلاء مسؤولية الوزارة تماما حال التعرض لأى ضرر ؟! ..وطبعا تحولت الاستراحة الى جلسة مناقشات وتساؤلات وهواجس من الآثار المحتملة خاصة بين المرضى وكبار السن وفجأة انصرفت سيدة متزوجة حديثاً لأنها اكتشفت بسؤال الطبيب أن تناولها اللقاح قد يؤخر الحمل سنة. سحبت استمارة مثلهم وانتظرت دورى لكن هيهات ..فالأعداد تتزايد والتكدس يشتد بلا مسافات آمنة وتتعالى الشكاوى لأنه حتى الواحدة ظهراً لم يتم ادخال سوى 47 شخصاً الى غرفة تلقى اللقاح من قائمة طويلة تضم نحو 300 شخص . وعند بدء النداء على الأسماء تبين أن بعضها غير موجود ودب الهرج والمرج لتحايل البعض والدخول باسم من تغيبوا ؟ ..فجأة صرخت سيدة وفتحت كاميرا الفيديو بموبايلها معلنة اعتراضها على الفوضى والزحام وقالت "هيجيلى شلل قبل ما أطعم ..أنا هنا من 9 صباحا وسايبة بيتى وشغلى وفيه شباب دخلوا قبلى"، وأيدها الجميع فى سبيل طلب الغوث وفى محاولة لتهدئتها أكد لها المنادى أن التأخير ليس منه لكن للأسف "السيستم" وقع على الكمبيوتر ويجب انتظار عودته لمسح البطاقات وتسجيل الاسماء على قاعدة بيانات الوزارة. وكان وقوع "السيستم" فرصة لراحة الموظفين وتناول الغداء وتدخين السجائر بينما التف حولهم عدد هائل من المنتظرين بحثا عن رقمهم بقصاصات الورق المسجلة بها الاسماء . ومع أذان العصر ..رجع "السيستم" وعاد صوت المنادى على أصحاب الدور وسط صيحات من كبار السن المنتظرين من الصباح حتى نفد صبرهم وارتفع ضغطهم، وفجأة بكت إحدى المسنات من التعب، فبادر أحد الشباب باسنادها وتسليم بطاقتها للموظف ملتمسا دخولها قبل الدور مراعاة لظروفها الصحية.. متسائلا: لماذا لم يتم تصنيف البيانات المسجلة على موقع طلب اللقاح وفصل كبار السن وذوى الهمم عن سائر الفئات وتخصيص مكان منفصل لهم ومنحهم أولوية ورعاية خاصة ؟. وبعد الوصول الى الاسم رقم 130 ..توقف صوت المنادى وسط دهشة الجميع والالحاح عليه: أكمل ..لماذا توقفت ؟..فكانت الصدمة الثانية: بينى وبينكم اللقاح خلص"، وعلى رأى المثل "هم يضحك وهم يبكى" والمصريون يتفنون فى صناعة الفكاهة حتى فى عز الأزمة، فتبادلوا التعليقات الساخرة من نوعية "مفيش لقاح ..راحوا يجيبوه من الصين واحنا هنبات هنا". وكان التساؤل الحائر: لماذا تم ارسال رسالة الى عدد أكبر من جرعات اللقاح المتوافرة ومن الامكانيات المتاحة ؟. وفى الخامسة مساءً تقريبا ..وصلت جرعات اللقاح الاضافية بالسلامة وانفرجت أسارير منتظري الفرج وظهر موظف تولى تنظيم الدخول و"فلترة" كشف الأسماء المتبقية لأن هناك من سجل اسمه أكثر من مرة ومن سلم بطاقته ودخل وانصرف قبل دوره ومن لم يحضر أساسا . وأخيرا ..تنفست الصعداء بسماع اسمى فى الخامسة ونصف مساءً، جاء دورى لعبور الباب الحديدى والانزلاق وسط مجموعة الى غرفة تلقى اللقاح لاكتشف أنها غرفة واحدة "قسم العلاج الطبيعى والروماتيزم "وبها موظف واحد يسجل البيانات على جهاز كمبيوتر وطبيبتان وممرضة ..فلماذا لم يتم تخصيص أكثر من غرفة وعدد أكبر من الموظفين والأطباء بما يتناسب مع عدد المتقدمين على فترتين أو ثلاث فترات خاصة أن المستشفى واسعا ومتعدد الأقسام ويعمل طوال اليوم ؟. وفى الاستراحة الصغيرة ما بين الباب الحديدى وحجرة اللقاح، اكتشفت كواليس اخرى ..حيث تم ارجاع البطاقة لإحدى السيدات بعد دخولها بحجة أنها غير مسجلة على موقع الوزارة رغم أنها وصلتها رسالة من الوزارة على موبايلها، وأثناء تسجيل البطاقات رصد الموظف 3 باسبورات لشباب من الفلبين وسط الحضور وتم استدعاؤهم أولا اكراما لهم رغم أنهم منتظرون معنا بالطابور فى صمت ودهشة من ساعات دون أن يلتفت اليهم أحد ؟. وداخل حجرة التطعيم ..الطبيبة تسأل عن الحالة الصحية وآخر مرة أصيبت بالبرد وهل تعانى من أمراض خطيرة، ولايتم السماح بأخذ جرعة اللقاح إلا بعد توقيع استمارة البيانات والاقرار باخلاء مسئولية الوزارة تماما بل لايتم الاكتفاء بالتوقيع بخط اليد وانما لابد أن نبصم أيضا على الاستمارة والاقرار مع الاحتفاظ بكارت متابعة لقاح فيروس كورونا لاستكمال الجرعة الثانية قبل ختمه من المستشفى. وطبعا كان هذا الاقرار مثيراً لمخاوف وعلامات استفهام كثيرة لكن أغلب من مر برحلة طويلة شاقة يصعب عليه التراجع وانما يوقع ويسلم أمره الى الله . والحقيقة ..حقنة اللقاح لم تكن مؤلمة ولم تستغرق دقيقة لكن كان لابد من رحلة شقاء امتدت ساعات فى سبيل هذه اللحظة التاريخية مع دقات السادسة مساءً رغم أن رسالة الموبايل تنص على أن الموعد من 9 صباحا – 3 ظهرا، وحتى توقيت انصرافى لم يكن الطابور انتهى بعد! . ختاما ..حرصت على كشف كواليس "تجربتى مع اللقاح" ليس بغرض الانتقاد أو التهوين من المجهودات المبذولة سواء فى التوعية ومكافحة العدوى أو توفير وتصنيع اللقاح أو استيعاب الكم الهائل من قوائم الانتظار قبل دخول الجامعات والمدارس خاصة بالأحياء المزدحمة وتوفير اتوبيسات حملة "معا نطمئن" لتجوب المحافظات . وانما هذه التجربة لم تكن شخصية بل جماعية شاركنى فيها المئات باليوم والمكان نفسه وشملت مشاهد واقعية تحمل رسائل مهمة وعاجلة لمن يهمه المتابعة والاصلاح والتطوير على أمل أن تكون الرحلة القادمة لى ولغيرى أفضل حظاً وأكثر تنظيما وأعلى أمانا بمختلف مراكز التلقيح ضد الجائحة ..ونتمنى السلامة والتوفيق للجميع.