نظرا لعشقه لفن الكاريكاتير أسس الفنان محمد عبلة متحف الكاريكاتير فى محافظة الفيوم ليسجل فيه تاريخ الكاريكاتير المصري، بجهد شخصي وبمحبة غامرة، لهذا الفن ولمبدعيه، يجمع بجهد شخصي تراث الكاريكاتير المصري، ليكون ارشيفا ضخما يعبر عن تطور هذا الفن، وتعدد مدارسه. تمثل تجربة الفنان التشكيلي محمد عبلة واحدة من التجارب المتميزة والمجددة فى مجال الفن التشكيلي بما تطرحه من قدرة على ملامسة الواقع واقامة علاقة مع تفاصيله اليومية بصورة تجعل من هذا الفن- الذي ظل لفترة طويلة فنا للنخبة- تجعله اقرب إلى روح وحس البسطاء من الناس. اللوحة عند "عبلة" تمور بالحياة، تكاد من قربها للواقع أن تطابقه، رغم ما فيه من رؤية وشفرات فنية، تحمل دلالات اوسع من النظرة الاولى للأشياء لكنها ان صحت التسمية "دهشة العادي" التي تتحول عبر ريشة محترفة إلى وجود ممتلئ بالحيوية. وهكذا تتطابق صورة الفنان مع صورة الانسان، فالفنان الذي أقام عشرات المعارض فى مصر وفى العالم اختار للاقامة "جزيرة القرصاية" بوسط النيل، تلك الجزيرة المهمشة التي يسكنها بشر عاديون بسطاء يعملون فى مهن مختلفة فمنهم صيادون وفلاحون وعمال، وكانت محط انظار رجال الاعمال فى النظام السابق الذين حاولوا الاستيلاء عليها، لكن تصد لهم اهل الجزيرة وعلي رأسهم "عبلة"، الذي حول مرسمه وبيته بالقرصاية إلى سجل فني يؤرخ لتلك البقعة الصافية فى وسط نيل القاهرة. ومن هنا جاءت براءة الرؤية التي تميز معظم اعماله الفنية والتي يؤكد "عبلة" انه يرسمها من خلال اعتماده على فضاء طفولي يحتفى بالوجود الانساني والحنين إلى الصفاء والتكامل والتآلف مع الاشياء. ومن هنا استطاع أن يوجد المعادلة البسيطة القائمة على مفردات الحياة- التي يهذبها تهذيبا- فنجد لوحاته ممتلئة| بالنيل والشجر والمواكب والصيادين وحاملات الجرار والسماء التي تخترقها اضواء الميلاد المحتمل. وما ادراكم بفنان ولد فى احضان النيل وتربي على رقرقة مياهه وتفتحت مداركه الابداعية على انسيابه مابين ضفتين، وهذا يدلنا على مدي تأثره بذلك، حيث صار "النيل" هو المحور الغالب على لوحاته وفى ذلك يقول "عبلة": "النيل فى مصر يعني الحياة بكل مقوماتها وله خصوصية ترتبط بنسيج الشخصية المصرية وارثها الحضاري العتيد، لكن بعيدا عن لك، وفوق كل ذلك، انا احب النيل، فقد استحممت فى مياهه وغصت فيه، بمعني اخر "طهرتني مياهه من الذاتية والنظرة الشخصية، علاقتي به جعلتني اعشق حياة الجماعة- مثله تماما- فكيف يكون هو فياضا واكون ان الانسان العاشق له منحصرا فى ذاتي، ولقد اخترت أن يكون مشروع تخرجي فى كلية الفنون الجميلة بجامعة الاسكندرية "المراكبية" الذين كنت اراقبهم منذ صغري وهم يواجهون الرياح من اجل أن يحصلوا على لقمة عيشهم من صيد السمك، وكذلك "المراكبية" الذين كانوا ينقلون البضائع من صعيد مصر إلى اسواق القاهرة، لقد شاهدتهم وهم يفردون القلوع، وعرفت كيف يقرأون الدنيا والخرائط وكيف يوجهون دفة المركب، كل هذه المفردات وغيرها جعلتني احس أن النيل مثل الكائن الحي وأنه رحيم دائما بمن يحبه، وأن فيضانه ما هو إلا تجل لمحبة المصريين له على مر الزمن". وهذا الجانب هو الذي جعلة "عبلة" يرسم النيل عبر الوان زاهية، ليبرز قيمة "الضوء"، وسمات التفاؤل داخل المفردات المحيطه به، سواء كانت اشجارا او مراكب او حتي عششا فقيرة. هذا التفاؤل- ايضا- الذي يملأ تجربة "عبلة" الفنية بدرجاته المختلفة، جعله يهتم برسم الوجوه التي تنطق بالابتسام ونظراتها متعلقة بالمستقبل، رغم انها قد تبدو للوهلة الاولي وجوها بسيطة ليبشر مهمشين نسيتهم الحكومات فكانوا خارج حساباتها. التاريخ الانساني اهتمام "محمد عبلة" بالبيئة الشعبية جعله يخصص لها عدة معارض، فهو كفنان لم ينفصل عما حوله، كذلك هو لا يرسم اللوحة فى اطار اللحظة فقط، بل يحاول أن يجعل لها خلفية من التاريخ الشعبي القريب لتلك الشخصية المرسومة، وهذا جعله يستلهم تاريخه الشخصي- على سبيل المثال- فى ثلاثة معارض كان اولها معرض تحت عنوان "نوستالجيا" والثاني هو "العائلة" الذي تناول فيها الشخصية الشعبية المصرية فى الخمسينيات والستينيات من خلال طفولته- فقد ولد عبلة عام 1954- تلك الطفولة التي عاشها عبر قيم نبيلة ميزت الشخصية المصرية والعربية فى تلك الفترة، التي كان من اهم سماتها الدفء الاسري والود والتآلف بين ابناء المجتمع الواحد. وقد تحولت الشخوص التي رسمها إلى معان انسانية فى غاية العذوبة والرقة بما تحمله من حنين إلى ماض جميل فقد استخدم "العائلة": كتيمة، مستفيدا من فكرة "الحكاية" داخل اللوحة، فكل لوحة تتضمن حكاية مختلفة عن احد مواقف العائلة، وربما استلزم الامر من "عبلة" ان يقوم بلصق صور اصلية- كخلفيات للوحة المرسومة – ثم قام بمعالجتها لونيا بشكل بسيط لا يطمس دلالات الحكاية التي تدور حولها. وحول ذلك يقول "عبلة": انا كنت اعيش الحالة التي ارسمها تماما- فأنا لم ارسم شيئا لم أره بعيني- فقد عشت جو الخمسينيات والستينيات من خلال الصور الفوتوغرافية، ومشاهد الافلام الدرامية المصرية لهذه الفترة، بالاضافة إلى قراءة الروايات والشعر المنتج فى ذلك الوقت، فكنت حين ارسم كأنني احياه فعليا، اضافة إلى استعانتي احيانا بالموديل، بالاضافة إلى انني قبل القيام بهذه التجربة قمت بعمل عدة دراسات حول امكانية توظيف المفردات الشعبية والصور القديمة داخل اللوحة التشكيلية، فى محاولة لاتاحة حلول جديدة لمعالجة الفراغ. بحثا عن الجذور ورغم ارتباط "عبلة" بتفاصيل الواقع المصري إلا أنه دائما ما يبحث عن الجديد فى عالم الفن التشكيلي وتقنياته واخر ماوصلت إليه مدارسه فى العالم، فقد قام بزيارات متعددة لمتاحف العالم، واشترك فى ورش فنية كثيرة فى الهند والمانيا والنمسا وايطاليا وغيرها، بالاضافة إلى مشاركته فى معارض جماعية مع فنانين من دول مختلفة، ولذلك فهو يؤمن بأن لغة الفن لا تحدها حدود، ولا تقف فى طريقها جغرافيا وعن ذلك يقول : "من خلال تجربتي ورؤيتي لتجارب الفنانين العالميين تعلمت خبرات جديدة، فقد درست الجرافيك، عملت نحاتا، ودرست علم نفس، فلغة الفن عالمية، لكن الفن نفسه محلي، بمعني انك كفنان جذورك وانتماءاتك هي المؤثر الجوهري فى شكل فنك، اما المنتج النهائي الذي ترسمه فيمكن قراءته فى أي مكان وزمان بعيدا عن أي حدود جغرافية، والفنان الحقيقي هو الذي يرسم بيئة، فنجيب محفوظ اشتهر عالميا لكتاباته روايات فذة عن الحارة المصرية، والفنانون العالميون- بالتأكيد- كل واحد منهم استفاد من البيئة| المحيطة به حتي لو جاءت هذه الاستفادة بشكل رمزي".