من التوجيهات النبوية جهد البلاء وهو كثرة العيال وقلة الشيء. هذا حديث صحيح وفي معناه "شر الفقر كثرة العيال وقلة المال" وحديث الموضوع ليس فيه أمر صريح. ولا نهي صريح. وإنما هو توجيه نبوي إلي شأن واقعي في الحياة. يحسه كل مرء منا اكتنفه كثرة الذرية. وضاقت ذات يده عما يحتاجه وتوجيهات الرسول صلي الله عليه وسلم وإن لم نكن أمراً. ولا نهياً. فهي لا تحرج. ولا تبعد عن نطاق الأمر والنهي لأنها دائماً للتعليم. والتثقيف. والاقتناع بالطاعة والعمل. ومرمي هذا الحديث ونحوه توعية المسلم أن يتعرض لجهد البلاء بكثرة العيال وقلة المال: فإن جهد البلاء معناه البلاء المجهد للإنسان. والمشقة المتعبة. وهي الكثرة في العيال مع القلة في المال وإنما كان هذا بلاء شاقاً لأن المرء حينئذ لا يكون في هم واحد. بل يكون رازحاً تحت أعباء ثقال. ومكدوداً في هموم متراكمة فهو في ضيق من شعوره بحرمان نفسه من حاجاته. ورغباته. والنفس راغبة دائماً. وهو علي مضض من حرمان أولاده وأهله من ضروراتهم ومشتهياتهم وما تلتقي به أنظارهم. إن الدين الإسلامي قد أجاز لنا أن نعالج العقم في المرأة. أو الرجل العقيم وأباح لنا اتباع العلم النافع فيما يجدي علينا اتباعه والأخذ به من وسائله المشروعة فهل يضيق بنا الدين عندما ترهقنا الذرية. تثقلنا الأعباء. وتكون الكثرة عند بعضنا. أثقل هماً وأكثر إيلاماً للنفس من العقم عند العقيم؟ الدين يسر لا عسر ولم يجعل الله علينا في الدين من حرج. ما دمنا نأخذ بهديه. ونسير في حوزته. ونتوخي مقاصده. ولا نتلاعب علي حسابه ومن قبيل ذلك يكون تنظيم النسل بعلاج العقيم. والتخفيف عن المكثرين. أما العقيم فليس بحاجة إلي تشجيع. فإنه مدفع بفطرته إلي علاج أمره حتي يقضي الله معه ما شاء له. وأما الولود المكثار فالحديث معه. وهو المقصود بتوجيهات الرسول في توعيته الحكيمة ليحتاط قبل تورطه فما الوسيلة في الوقاية.. والوقاية أيسر علينا من العلاج بعد ذلك.. فلتكن الوسيلة إلي دفع هذا البلاء. هي الاقتصاد في الانجاب. دون تورط في الكثرة المرهقة. ودون التعرض لجهد البلاء كما ينصح بذلك توجيه الرسول عليه الصلاة والسلام. ذلك علاج ندفع به الضرر. خاصة عند ذوي العسرة وأصحاب الموانع الصحية. والأعذار المتحكمة في حياة الناس هذا كلام يفهمه علي وجهه الواضح من تضيق بهم مجالات العمل في دنيا الكفاح. ومن تقعد بهم العقد المستعصية الحل عن كثرة الحمل. أو عن متابعة الحضانة للرضيع. والفطيم. وعن رعاية المريض. أو عن الجمع بين شيء من هذه الاعتبارات وبين مؤازرة الرجل في النهوض بأعباء أهله. وكذلك الكلام في حياة المجتمع. إذا خيف أن ينفرط النسل. وتقل الكفاية ويصبح ولاة الأمور في مخافة: يرقبون في الأفق نذراً تهدد بضنك. أو مجاعة أو أزمات يتأثر بها المجموع.. كما سمعنا عن مجاعات اجتاحت أقواماً آخرين والسعيد من وعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه. ولا إسلام نفسه لم يسقط من حسابه تلك الاعتبارات الداعية إلي الاقتصاد في النسل أحياناً.. وما دام الإسلام يراعي ضرورات الناس. وحوائجهم. ويرسم لنا بعض الحلول ويجيزها ويعتمد كثيراً علي آراء الأطباء الثقات الأمناء فليكن من هذا تنظيم النسل في ضوء المصلحة.