الأيتام معاناة مستمرة «فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ».. جاءت هذه الآية في سورة الضحي لتوصي الناس بأن يحسنوا معاملتهم للأيتام، لا أن يتم قهرهم، أو تعذيبهم، أو اغتصابهم، كما يحدث في غالبية الدور التي تحولت إلي مجرد «سبوبة» يقوم أصحابها باستغلال الأطفال كي يحصلوا علي تبرعات باسم التعاطف والشفقة والدين. لنجد في النهاية أننا أمام أكبر ملف انتهاك يحدث في مصر، ولولا الفيديو الأخير الذي تم تسريبه لصاحب دار أيتام «مكةالمكرمة»، وهو يعاقب مجموعة من الأطفال بالضرب المبرح، ما التفتت الدولة لحجم الكارثة التي تحدث كل يوم. هناك حوالي مليون و700 ألف يتيم يعيشون في عزلة تامة عن المجتمع، وفي تقييد لا حد له، وكبت مفروض عليهم بالقوة، من قبل كل العاملين في دور الرعاية الاجتماعية، سواء الأهلية منها أو الحكومية، والتي تتكتم علي أشكال الاستغلال التي يتعرض لها هؤلاء الأطفال علي أيدي القائمين علي أمر الدور التي من المفترض أنها تقوم برعايتهم، والتي قد تصل إلي حد الاتجار بالأطفال. هذا الوضع أكدته لنا سارة خُليف، الباحثة في شأن دور الأيتام، ورئيس جمعية أجدع ناس للتنمية، والتي تقضي أيامها في رصد كافة الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال، تقول ل «آخر ساعة» إن غالبية دور الأيتام تشهد حالات متعددة من التعذيب، خصوصاً في ظل عدم وجود رقابة من قبل وزارة التضامن الاجتماعي، والتي إذا وفرت ذلك، يتم التفتيش فقط علي الطعام، ولا يتم الكشف نفسياً وبدنياً علي الطفل، الذي يعد مجرد «وسيلة» لمشروع تجاري اسمه دار أيتام، هذه الكارثة ليست نتاج عام أو اثنين، بل نتاج نحو عشرة أعوام رفعت فيها الدولة يديها عن حماية اليتيم. وقسمت سارة خُليف دور الأيتام إلي ثلاثة أنواع؛ الأول يستقبل عددا قليلا من الأطفال، ويتم تأهيلهم نفسياً وخلقياً وعلمياً علي أفضل مستوي، وما إن يبلغوا السن القانونية، يتم غلق الدار، وتوفر لهم شققا سكنية خاصة، وهذا النوع نادر جداً. أما النوع الثاني وهو الشائع؛ دور تستقبل الأطفال، وبعد بوصولهم إلي 18 عاماً يخرجون من الدار طبقا للقانون، ويتم استقبال غيرهم، وهذا النوع يتعامل مع اليتيم علي اعتبار أنه مورد للرزق. النوع الثالث عبارة عن دور فقدت مواردها وفقدت من يستطيع مباشرتها فتحولت إلي وكر لتجارة المخدرات والدعارة مثل دار «أ.ق» في مدينة 6 أكتوبر، والتي تعلم الوزارة مشكلتها الكاملة ولم تتوصل إلي حل حتي الآن، في الوقت الذي لا تستطيع فيه الداخلية مداهمة الدار لأن القانون يمنعها من ذلك. وعددت رئيس جمعية أجدع ناس المشاكل التي تواجه النوع الثاني من دور الأيتام، وأهمها عدم وجود أم بديلة؛ الوظيفة التي يرفضها المجتمع، ومن تتقدم لها تكون من أقل الفئات تعليميا واجتماعيا وأخلاقيا، كما أنه لا يوجد في الوزارة ما يلزم تأهيل السيدات لها. وإذا كانت هناك أم بديلة تكون في الغالب محولة أو مطرودة من دار سابقة أو ارتكبت فعلا سيئا، فيتم استبعادها. سارة أكدت أن هناك أزمة أخري في دور الأيتام، وهي الخلط في التعامل والتأهيل بين اللقيط واليتيم، فالأول جاء بطريقة غير شرعية وقد يكون حاملاً لجينات وسلوكيات عدائية، يتم اكتشافها حين يكبر، فعندما تستلم الدار أي طفل يكون معه ملف يتم وضعه في خزينة سرية لا يطلع عليها سوي صاحب الدار فقط منعا لإحراج الطفل مستقبلياً. ولفتت الباحثة في شأن دور الأيتام إلي تعرض الأطفال للاعتداءات الجنسية، قائلة: «غالبية الفتيات يفقدن عذريتهن من قبل العاملين في الدار، إذ يتم توزيعهن علي حسب الجمال بين صاحب الدار والموظفين، وقد سألت عددا كبيرا منهن في دور مختلفة، وأخبروني أنه لا توجد فتاة لا تتعرض لانتهاك نفسي وجنسي، إضافة إلي انتشار الشذوذ بين الصبية والفتيات، سواء نتيجة لاغتصابهن أو لعدم وجود وعي جنسي بينهن. مستطردة أن هناك جمعية شهيرة، تقوم ببيع الأطفال - خصوصاً البنات - للأميرات الخليجيات مقابل 2 مليون جنيه لاستغلالهن في أغراض جنسية. وتعجبت من وجود هذا الكم من الانتهاكات، نظراً لعدم سهولة فتح أي دار، إذ يتم التحري عن صاحبها أمنياً وخلقياً، مشيرة إلي أن عدم تفعيل الرقابة قد يكون السبب وراء دخول عناصر في هذا المجال مما لا يمتلكون أي إنسانية. من جانبها، أعادت منظمة العدل والتنمية لحقوق الإنسان فتح ملف تفشي الشذوذ الجنسي بجمعيات رعاية الأطفال، وكشفت بمستندات مسربة عن تفشي ظاهرة الشذوذ الجنسي من واقع محاضر المشرفين الاجتماعيين بجمعية إنقاذ الطفولة الكائنة بشارع ميريت بميدان التحرير، والمشهرة تحت رقم 596 لسنة 1967 والتي تعود ملكيتها إلي زينب عزت، رئيس مجلس إدارة الجمعية، نائب رئيس مجلس إدارة الهلال الأحمر، رئيس مجلس إدارة رابطة الإصلاح الاجتماعي. وأوضح المحامي نادي عاطف رئيس المنظمة، ل «آخر ساعة»، إنه سبق ونشر هذه المستندات في يناير الماضي، لكن الدولة لم تتخذ أي إجراء لإنقاذ الأطفال، وبعدما تم تسريب فيديو ضرب الأيتام في دار مكةالمكرمة، أعدت نشر المستندات مرة أخري ليتم تسليط الضوء عليها، مضيفاً أنه من خلال فريق بحثي تابع للمنظمة، قمنا بالتحدث مع الإخصائيين والأطفال والعاملين هناك، وتم إثبات ممارسة الشذوذ بين الأطفال في دورات المياه بالجمعية.