استمرار انهيار الذوق العام وتراجع مخيف في حجم الإنتاج هل بدأت صناعة السينما رحلة السقوط للهاوية؟ منذ ثورة يناير بدأ التراجع التدريجي في الإنتاج، وفي المقابل ظهرت موجة الأفلام الهابطة، التي تعتمد علي توليفة رخيصة، تغازل غرائز الصغار، وتحشر كل ما يسيء للذوق والأخلاق داخل شريط سينمائي، أزمة صناعة السينما أدت إلي حالة كساد بين مئات الفنانين والفنيين، وتهدد في حالة استمرارها بإغلاق معظم دور العرض أبوابها.. آخر ساعة حاولت البحث عن تفسير للأزمة.. هل الأحداث السياسة والانفلات الأمني السبب؟ أم أن الظروف الاقتصادية السيئة وراء انخفاض الطلب علي مشاهدة الأفلام، أم أن المستوي المتدني لسيناريوهات الأفلام، والإسفاف الواضح في تنفيذها، هو السبب الأول للأزمة، وضعنا التساؤلات أمام بعض المشاركين في الإنتاج السينمائي، وأساتذة علم النفس والاجتماع. قلت للكاتب والسيناريست مصطفي محرم، السينما المصرية كانت رائدة في اختيار الموضوعات ومناقشة القضايا الجادة، الناس لاتنسي أفلاما مثل سواق الأوتوبيس وانتبهوا أيها السادة وغيرهما من الأعمال الجادة، هل تري أن دور السينما بدأ في التراجع منذ ثورة يناير؟ أجاب: السينما منهارة قبل ثورة يناير.. بل إنها في حالة انهيار منذ عام 1995.. لأن القائمين عليها كالمنتجين أصبحوا الآن لايفهمون في السينما وليس لهم دخل بها فهم حاليا مجرد تجار فقط.. وفي نفس الوقت هناك رفض للجيل السابق الذي تطور بالسينما وأوصلها لمرتبة كبيرة.. بالإضافة لأن المخرجين والسيناريست الذين ظهروا الآن ليسوا علي المستوي المطلوب وينقصهم أشياء كثيرة ومتعجلون. أضاف: المشكلة ليست أزمة أفكار ولكن أزمة كتاب حقيقيين لأن الفكرة ليست كل شيء بالنسبة للفيلم السينمائي لكن التكتيك أيضا والفنيات.. فالسيناريو تطور وتقدم في الدول الأوروبية وأمريكا ولكن انخفض مستواه في مصر.. فكل مايفعله الكتاب الجدد الآن أن يروا الفيلم الأجنبي ويقلدوه فقط.. وكذلك نوعية المنتجين الذين أصبح همهم الربح السريع دون النظر للمضمون.. فالجمهور لم يجد غير هذه النوعية فأقبل عليها لفترة ثم بدأ عملية الرفض. بينما يري المنتج والمخرج مجدي الهواري أن السبب الأول للأزمة الأوضاع السياسية غير المستقرة.. فلا أحد ينزل من بيته فالناس تذهب لعملها بصعوبة حتي أن البعض لايستطيع الذهاب لأشغاله. وكذلك الأوضاع الاقتصادية أيضا عامل مهم جدا.. فالناس حاليا تقول: نأكل ونشرب أولا ونشحن كارت الموبايل ولكن ليس عندهم المقدرة للذهاب للسينما.. فهم يبحثون عن تغطية الضروريات فقط لصعوبة الحياة.. فالعامل الاقتصادي الآن أثر علي الناس بشكل كبير.. بالإضافة لعصر التكنولوجيا النت وفيس بوك وتويتر جعل الشباب لايضطرون للنزول إلي السينما وإنما يشاهدون الفيلم عن طريق النت في بيوتها دون عناء.. بالإضافة لبرامج التوك شو التي سحبت البساط بشكل كبير فالناس تجلس في بيوتها تشاهد البرامج في التليفزيون لمتابعة الأحداث والتي تعد الآن الأهم بالنسبة لهم.. لذلك فقد تخطينا حاليا مرحلة الأزمة إلي الأسوأ من ذلك أي علي حافة الهاوية. وأضاف مجدي الهواري استقرار الأوضاع التي نرجوها جميعا بمثابة الأوكسجين الذي ننتظره.. فإذا استقرت الأوضاع السياسية والأمنية فيما حتي العوامل نستطيع إيجاد حل لها ممكن أن نخفض سعر التذاكر ونبحث عن حلول ولكن الآن ننتظر أن تمضي هذه المرحلة علي خير.. خصوصا بعد تعديل خارطة الطريق والاستعداد للانتخابات الرئاسية أولا.. فبعد مضي هذه الأحداث علي خير إن شاء الله ربنا يفرجها.. والمسألة ليست أزمة أفكار ولاترك الفنانين أشغالهم واتجاههم للعمل السياسي.. بل بالعكس الفنانون الآن جالسون في بيوتهم ينتظرون أي أوردا سينما لأنها أصبحت عملة نادرة فهم جاهزون للعمل.. فكلنا في انتظار استقرار الأوضاع. وتقول الدكتورة هالة حماد استشاري الطب النفسي وزميل الكلية الملكية البريطانية للطب النفسي: السينما الآن بالفعل في حالة انهيار.. لأن رأس المال جبان.. فقد تراجعت السينما المصرية نتيجة الإنتاج المتدهور لأن الأفلام الجادة يقوم بها الهواة وأصبحت المعادلة صعبة، كيف أقدم فيلما جيدا وفي نفس الوقت لاتكون التكلفة عالية. وتضيف: السينما قديما كان لها مضمون وتعمل علي توصيل رسالة ومفاهيم راقية وكان الفيلم يضم مجموعة من الأبطال في فيلم واحد مثل فيلم (جري الوحوش) كان يعطي رسالة ومفاهم أخلاقية ودينية يوصلها للمجتمع وتتأثر بها الناس وضم مجموعة من الأبطال.. أما الآن فكبار الفنانين يشترطون الأجور العالية.. بالإضافة لتدني التقنية وعدم تجويد العمل وإخراجه بشكل جيد فينتج عن ذلك رداءة العمل ككل.. أين الكتاب الجادون والأفكار الجيدة والمضمون؟ وأين أشياء كثيرة افتقدتها الأفلام الحالية؟.. وحتي موضوع القصة يحض علي الأخلاف المتدنية والإعلاء من السلبيات داخل العمل.. فالكل الآن يسير بمبدأ (خد الفلوس وأجري) دون إتقان لأي عمل والهدف فقط جني الأرباح بالإضافة للتدني الأخلاقي وظهور بعض المناظر غير المقبولة والألفاظ النابية. لم تعد السينما والأفلام تناقش قضايا أخلاقية ومبادئ وإنما سيطر عليها العشوائيات والمناظر الخليعة والعنف والبلطجة.. ففيلم مثل عبده موتة يظهر لنا صورة البلطجي علي أنه المثل الأعلي وأن هذه هي الصورة المطلوبة حاليا.. فالأطفال أكثر الناس تأثرا بهذه الأشياء وتقليدها.. ومثل هذه الأفلام تلقن مشاهديها رسالة خاطئة تعتمد علي العنف والدماء والكارثة التي تحدث وتشجع المشاهدين علي إصدار القانون ويصبح سبيلها أخذ الحق بالذراع وأنه بذلك يكون شجاعا ويستطيع العيش في المجتمع.. وفي علم النفس هناك شيء يحدث للإنسان عندما يشاهد عملا سينمائيا وهو أنه يضع نفسه مكان البطل ويري نفسه فيه. وأما الدكتورة عفاف إبراهيم أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية فتري أن كل وقت وله ظروفه المختلفة.. قديما كانت السينما جميلة وراقية وحتي الشاشات والأماكن كانت نظيفة وطريقة العرض والأهم من ذلك نوعية الجمهور التي تغيرت الآن من الطبقات الراقية المتذوقة إلي العشوائيات وبالتالي تراجع الفن تبعا لنوعية الجمهور الجديدة مما أدي لعدم ذهاب الأسر المصرية للسينما التي تضم حاليا نوعيات مختلفة من الجمهور فمعظمهم من الشباب والألفاظ التي تخرج من هؤلاء والتعليقات التي تظهر في دور السينما أثناء عرض الأفلام.. في الماضي كنا نذهب كأسرة مصرية إلي السينما مرة كل أسبوع أو أسبوعين ونرتدي ملابس «شيك» ونهتم بشكلنا علي أعلي مستوي ونعتبر أن مشوار السينما مهما بالنسبة لنا جميعا وكانت الناس وقتها راقية حريصة علي الذوق والرقي. كل شيء هبط لأن الخدمة تقدم حسب مستوي الجمهور.. وأصبح نظام الفن الآن أي شيء في أي شيء مثل طعام الشارع الذي لايهتمون بجودته ونظافته معتمدين علي أن معدة المصريين تهضم الزلط نفس الشيء أصبح للسينما والفن.. فالمصريون الآن يتقبلون كل شيء رديء في الفن دون الاهتمام بالجوهر والمضمون والأخلاقيات كما كانت قديما.