ترتبط علاقتنا بالآخرين وتتبرمج تصرفاتنا معهم حسب محبتنا لهم، حسب قربهم منا أو بعدهم عنا. لا يلهث البسطاء وراء الألقاب، وإن امتلكوها لا يحبذون أن تسبق أسماءهم، ولا يحزنهم أن يُنادوا مُجردين منها، بل يلوم بعضهم من يُصر على مناداته بلقب. كما لا يهتمون بالصورة التى سيراهم غيرهم عليها، ولا ما سيُقال عنهم، سواء أكان خيرًا أم شرًّا، ولا يفكرون كثيرًا فى الهالة التى يسعى كثيرون لأن تُظلل كياناتهم الفارغة. ما يهتمون به هو أن يعيشوا فى سلام نفسى، لا يضرون غيرهم، راجين أن يَسْلموا من ضرر الآخرين الذين لا يَسْلم من أذاهم لا نبات ولا إنسان ولا حيوان. مثلما يهتمون بأن يعيشوا حياتهم فى هدوء، بعيدًا عن الشد والجذب، وال«خُد وهات». إن ما يسعون إليه هو نقاء القلب، راحة البال، السريرة الوديعة والطيبة التى تحب الجميع دون شروط. هؤلاء هم البسطاء الذين لو علِم غيرهم ما للبساطة من فوائد لقاتلوهم عليها، لكن أهل العقول فى نعيم كما يقولون، وهناك من يسعون وراء ما يؤرق حياتهم، لا ما يمنحها سكينة مُشتهاة. نعم ما أجمل أن تعرف جيدًا وأن تُدرك معنى أن تكون بسيطًا! «مواطن مصرى» أعتقد أننا اليوم، فى ظل الحروب التى تشعلها بعض دول العالم وتعم آثارها السلبية على معظم بلدان العالم، نحتاج إلى مواطن مصرى يؤدى ما عليه من واجبات قبل أن يطالب بما له من حقوق، دون أن يُقصِّر فى طلبها ما دام يستحقها. نحتاج إلى مواطن يعتز بمصريته فيعمل على رقى بلده ونهضته، ويسانده فى الوقوف إن لحقت به كبوة. نحتاج إلى مواطن يجعل مصلحة وطنه قبل مصلحته هو، ولا يفكر فى نفسه إلا بعد أن يفكر فى تراب بلده الذى يعيش عليه، ويبذل ماله وروحه فداءً له ولمجتمعه وأهله. نحتاج إلى مواطن مصرى يعرف كيف يعتمد على ذاته دون أن ينتظر العون من الآخرين، ويتخلى عن كل الصفات السيئة من نصب وغش ولا مبالاة، ليصبح خلال فترة وجيزة نموذجًا للمواطن العالمى الذى يقدره الجميع ويحترمه، لا يشوّه صورة بلده لا فى الداخل ولا فى الخارج، ويشارك على الصعيد السياسى ليطالب برفعة الوطن والعمل على تقدمه. نحتاج إلى مواطن مصرى يراقب الآخرين حتى يقوِّم اعوجاجهم بما يعود بالنفع على الوطن، أرضًا وشعبًا، مواطن مقدام، شجاع وجرىء لا يخشى فى الله لومة لائم وبذا يراعى الله وضميره فى حياته وفى عمله، وأينما سار ينال إعجاب الآخرين واحترامهم، مواطن جدير بحمل مسئولية مصر بلد الحضارة والتاريخ، ويستحق أن يقول له الجميع: «ارفع راسك فوق أنت مصرى». هذا هو المواطن المصرى الذى نحلم به جميعًا ونحتاج إليه، المواطن الذى سيغيّر من نفسه الآن حتى يتمكن بعد ذلك من تغيير التاريخ. مع مرور السنوات وتَغيّر الأزمنة تزداد الحياة صعوبةً مما يجعل كثيرين يعيشون فى أزمات حياتية متعددة منها الاقتصادى ومنها النفسى ومنها الاجتماعى، ووسط هذه الأزمات يحتاج الإنسان إلى من يخفف عنه وطأتها ويزرع فيه الأمل حتى لا يفقد إيمانه بالحياة، ويمنعه من الاستسلام والخضوع لجيوش اليأس والإحباط. نعم، فى وسط هذه الأزمات نحتاج إلى من يضىء أمامنا الطريق ولو بشمعة صغيرة حتى لا يُحكم الظلام قبضته على صدورنا، نحتاج إلى من يجعلنا نضحك أو نبتسم فى أثناء ما يمر بنا من أحزان وهموم، نحتاج إلى من يمد يده لنا ليساعدنا فى النهوض مرة أخرى ومواصلة الحياة، دون أن نكفر بها ودون أن نفكر للحظة واحدة فى الخلاص منها. لذا وجب علينا ألا نترك إنسانًا ضاقت به السبل فريسة لأزماته التى قد تدفعه دفعًا للانتحار، فالإنسان، مهما أظهر من قوة، ضعيف خاصة إن وجد نفسه وحيدًا، ولم يشعر بأن أحدًا هناك ليقف بجانبه. لقد خلقنا الله تعالى وجعلنا أممًا وقبائل لنتعارف، لنتشارك الفرح والحزن، لنقف إلى جانب بعضنا البعض فى أزماتنا حتى نعبرها بسلام ودون خسائر كبيرة، وحتى تستمر الحياة على الوجه الذى يرجوه الجميع. ومثلما قال د. محمد منصور ود. عاطف الشربينى فى كتابهما سيكولوجية الأمل بين النظرية والتطبيق: الأمل هو الحياة، هو سر البقاء، به نزرع وبه نحصد، ونحب على أمل الوصول إلى من نحب، ونعمل الخير أملاً فى دخول الجنة، وتحمل الأم أملاً فى رؤية طفل يبعث الفرح والطمأنينة فى نفسها ونفس من يحيطون بها. الأمل كذلك يحفزنا على الصمود والمثابرة وعدم الاستسلام، ويبعدنا عن الكسل والكآبة والإحباط، ولولاه لجلسنا فى غرفة مظلمة ننظر إلى جميع الأمور من حولنا نظرة سلبية تمنعنا من الاستمتاع بكل ما هو موجود لدينا، وليس هناك أجمل من كلماتٍ تبعث الأمل فى نفوسنا، وتزيد حياتنا روعة وجمالًا. «الذين نحبهم» ترتبط علاقتنا بالآخرين وتتبرمج تصرفاتنا معهم حسب محبتنا لهم، حسب قربهم منا أو بعدهم عنا، حسب علوّ الحواجز بيننا أو انعدامها، حسب حجم مقاعدهم داخل قلوبنا، وهل هناك مَن ينافسهم فى ذلك أم لا. هناك أشخاص نتعامل معهم بالشوكة والسكين فيما نتعامل مع آخرين وكأننا نتعامل مع أنفسنا: نتحدث، نمزح، نقول ما نريد دون أن نخشى أى تفسير خاطئ، ودون أن نضع سوء فهمهم فى اعتبارنا. نتعامل مع هؤلاء تعاملنا مع أنفسنا، ومهما قسونا عليهم فى أحاديثنا، مهما كان مزاحنا سخيفًا، ومهما زادت غلاستنا، لكننا نعرف أنهم يفهموننا جيدًا، نعرف أنهم لن يفسروا ما نقول على محملٍ آخر غير هذا الذى نقصده. قد يكون فى حياتنا أشخاص نحرص فى علاقتنا معهم على الرسمية المفرطة، حتى لا نضع أنفسنا على محمل التأويل الخاطئ لتصرفنا أو لكلامنا معهم. هذه الطريقة فى التعامل متعبة للغاية، كأنك مجبر على ارتداء الزى الرسمى طوال الوقت، دون أن يُباح لك تبديله حتى فى أوقات الراحة. أما أولئك الذين نحبهم فطريقتنا فى تعاملنا معهم مختلفة ومريحة ومحبّبة إلى أنفسنا. ليس هناك أجمل من أن تشعر وأنت تتعامل مع شخص كأنك تتعامل معك، لحظتها لستَ بحاجة إلى انتقاء كلام بعينه، لستَ بحاجة لأن تتهيأ لاستقباله كما تقول بروتوكولات الإتيكيت الفرنسية، أنت معه كأنك معك، تضحك، تبكي، تمزح، تُظهر ضيقك وتأففك، تُبدى سعادتك وأفراحك، تفتح قلبك وتبوح بما فى داخلك، كل ذلك يحدث دون أن تخشى شيئًا، بل تلجأ إلى فعل هذا معه كطريقة لعلاج نفسى يُخلّصك من كل ما تشكو منه من متاعب الحياة. مثل هذا الشخص بمثابة كتفٍ حنون تحتاج إليها كى تستريح عليها، وكى تسحب منك كل ما يعكر صفو دمك. «نقطة أخيرة» ما هو مُسْتقِرٌّ لدىَّ أن الإنسان أرقى الكائنات. لكنى حين أرى مجموعة من الأصدقاء يتقاتلون بعنف فى لحظة مزاح، أرى أن الحيوانات أرقى. حين أرى إنسانًا يقوم بتعطيل عقله تمامًا، أرى أن الحيوانات أرقى. حين أرى إنسانًا مربوطًا فى ذيل غيره، ينفذ ما يُمليه عليه دون تفكير ومناقشة، أرى أن الحيوانات أرقى. حين أرى أخين يتناحران أو يتقاتلان على أشياء تافهة، أرى أن الحيوانات أرقى. حين أرى ما يحدث من بعضهم فى هذه الأيام، أرى أن الحيوانات أرقى.