سيقف التاريخ طويلًا بعد سنوات، متأمّلًا هذه الحقبة، متسائلًا: كيف تمكّن دونالد ترامب من نسج روايات مُحكمة من التصريحات المتناقضة، زيّن بها قراراتٍ خطيرة ومثيرة للجدل، ويدفع العالم ثمنها الفادح؟. نحن اليوم أمام مشهد يتعرض فيه الواقع لتزييف مُمنهج، حيث تُعاد صياغة التناقضات الواضحة، على أنها حقائق قابلة للترويج، بينما يتوارى ما يحدث فى الواقع، وسط ضجيج التغريدات والتصريحات، التى لا تقوى على الصمود، أمام أى تحليل منطقى أو قراءة سياسية متماسكة. تأملوا جيدًا فى جدلية تصريحات ترامب المتعلقة بمضيق هرمز، ففى لحظة يقول «لم نكن فى حاجة لمضيق هرمز ولا نحصل منه على النفط»، محاولًا إيهام العالم بأن أمريكا فى معزل عن أزمات الطاقة العالمية، وبعدها يرتدى قناع القوة مهددًٍا «سأدمر إيران إذا لم تفتح مضيق هرمز»، ولا يقف التخبط عند هذا الحد، بل يمتد ليلقى بالمسئولية على الآخرين، بمطالبته «على الأوروبيين أن يأتوا بسفنهم ويفتحوا المضيق»، فى تنصلٍ واضح من التزامات القوة العظمى، التى أشعلت الحرب. إنها التصريحات المتناقضة، التى لا تدمر فقط هيبة أمريكا، بل تحرق مصداقيتها فى العالم، فمنذ بداية التلويح بالحرب على إيران، ونحن نشاهد استعراضًا من الكلام المتضارب، الذى يفتقر للبوصلة الإستراتيجية، تارة يزعم أن الغزو هو من أجل «الحرية للشعب الإيرانى»، وتارة يرفع فزاعة السلاح النووى والصواريخ الباليستية، ثم يعود ليتحدث بصراحة عن الحصول على «البترول» كدافع أساسى، وصولًا إلى التهديد بإعادة إيران إلى «العصر الحجرى» إذا لم تُسرع بفتح المضيق. وهذا التذبذب يراه البعض ليس مجرد «تكتيك» سياسى، بل تخبطًا ينم عن غياب الرؤية الشاملة.. كيف يمكن للعالم أن يثق فى حليف يغير مبررات حربه كل لحظة؟، ويستخدم لغة التهديد بالدمار الشامل، ويضع الولاياتالمتحدة فى مأزق تاريخى لن تخرج منه بسهولة، حين تتحول القوة من أداة لحفظ النظام العالمى، إلى وسيلة للابتزاز والاضطراب الذى لا ينتهى. تأسست الهيبة الأمريكية عبر عقود، على تلازم القوة المادية مع المصداقية السياسية والاتساق فى المواقف، إلا أن النزيف الذى خلفته الصراعات العسكرية والحروب، لا يترك مجالًا لترميم ما انكسر، وتسببت هذه التحولات فى تقويض دعائم النفوذ التقليدى، وأصبح من الصعب استعادة الصورة الذهنية الراسخة للقوة العظمى. جاءت الحقبة الترامبية بميلها للاستعراض الإعلامى المكثف، فيما يراه مراقبون بداية فعلية لتآكل نفوذ القطب الواحد، رغم محاولات تجميل حالة التخبط السياسى وتسويقها، وهى استراتيجية فشلت فى إخفاء حقيقة التراجع. سيكتب التاريخ أن ترامب راهن بجرأة على هشاشة ذاكرة الناس، وعلى قدرته فى خلط الأوراق، وقلب المشهد رأسًا على عقب، لكن الحقيقة تظل أقوى من أن تُطمس، وأوضح من أن تُخفى، رغم كثافة وضبابية التصريحات.