د.فتحى عامر فى لحظة فارقة من عمر الوطن، حيث تتشابك الأزمات العالمية مع التحديات المحلية، يخرج القرار الحكومى بإغلاق المحال فى التاسعة مساء كواحد من تلك القرارات التى لا ينبغى النظر إليها بسطحية، بل بوعى عميق يدرك أبعاد اللحظة وحجم المسئولية. نحن لسنا أمام مجرد تنظيم لمواعيد العمل، بل أمام محاولة جادة لإعادة ترتيب الأولويات فى زمنٍ اختلطت فيه الضرورات بالكماليات. هذا القرار، الذى يأتى فى ظل ظروف دولية مضطربة، مع تصاعد التوترات والحروب وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، يمثل استجابة عقلانية وواقعية لواقع لا يمكن تجاهله. فحين ترتفع أسعار البنزين والطاقة، لا يكون الحل دائمًا فى تحميل المواطن أعباء جديدة، بل فى إدارة الموارد بحكمة، وترشيد الاستهلاك دون المساس بجوهر الحياة اليومية. ومن هنا، يصبح إغلاق المحال فى وقت مبكر خطوة تحافظ على التوازن بين احتياجات الناس وقدرة الدولة على الاستمرار. ولعل أجمل ما فى هذا القرار أنه لم يأتِ كإجراء قاسٍ أو مفاجئ، بل كحل بديل عن سيناريوهات أكثر صعوبة، مثل: قطع الكهرباء، الذى كان من الممكن أن يُربك الحياة اليومية ويؤثر على الجميع بلا استثناء. هنا تظهر فلسفة الإدارة الرشيدة: أن تختار الحل الأقل ضرراً، والأكثر قابلية للتطبيق، والأقرب إلى تحقيق المصلحة العامة. لقد عاش المجتمع المصرى لسنواتٍ طويلة فى حالة من الفوضى التسويقية، حيث تمتد ساعات العمل إلى ما بعد منتصف الليل، بل إلى ساعات الفجر الأولى، فى مشهد لا يعكس فقط استهلاكاً مُفرطاً للطاقة، بل يعكس أيضًا خللاً فى نمط الحياة ذاته. أضواء ساطعة بلا مبرر، وضجيج لا ينتهي، وسهر يمتد على حساب الصحة العامة وراحة السكان. هذا النمط لم يكن يوماً دليلاً على الحيوية، بقدر ما كان تعبيرًا عن غياب التنظيم. ومن هنا، فإن القرار الجديد لا يهدف فقط إلى الترشيد، بل إلى إعادة الانضباط إلى المشهد العام. هو دعوة غير مباشرة إلى استعادة إيقاع الحياة الطبيعي، حيث للعمل وقت، وللراحة وقت، وحيث يحظى المواطن بحقه فى الهدوء والسكينة داخل بيته، بعيدًا عن صخب لا ضرورة له.. وليس من قبيل المصادفة أن نجد أن هذا النموذج معمول به فى العديد من الدول المتقدمة، حيث تغلق المحال أبوابها فى ساعاتٍ مبكرة نسبياً، احتراماً للطاقة، وحرصاً على جودة الحياة. هناك، لا يُقاس التقدم بعدد ساعات السهر، بل بمدى كفاءة استغلال الوقت والموارد. وهذا ما نحتاج إلى أن نتعلمه ونطبقه بما يتناسب مع واقعنا.. إن ترشيد استهلاك الطاقة لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة وطنية وقومية، خاصة فى ظل الظروف التى تمر بها المنطقة. وما بين تحديات الاقتصاد العالمي، وضغوط الأوضاع السياسية، تصبح كل خطوة نحو الحفاظ على الموارد خطوة فى اتجاه حماية الأمن القومى.