تبدو الإدارة الأمريكية فى حالة ارتباك لم تشهدها من قبل، فبين تصريحات متضاربة من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، تنفيها طهران بعد دقائق، وبين تصعيد لم تحسب له واشنطن حسابا، حين اتخذ رئيسها قرار الحرب منفصلا، وبضغوط إسرائيلية.. وبينما قال ترامب إن المحادثات تسير «بشكل جيد جدا»، وتوعد «بفتح ابواب الجحيم إذا لم تبرم إيران اتفاقا»، وأعطى قادة إيران مهلة خمسة أيام لإبرام اتفاق. وقبل انتهاء المهلة بيوم واحد أعلن عن مهلة 10 أيام أخرى للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل «تدمير منشآت الطاقة الإيرانية» على حد تعبيره، وحث ترامب إيران على التعامل بجدية لإنهاء الحرب فى الشرق الأوسط «قبل فوات الأوان»، بينما رفضت طهران الاقتراح الأمريكى ووصفته بأنه غير عادل، وأنهم لا يسعون لإبرام اتفاق، وأنهم لم يطلبوا التفاوض ولم يسعوا إليه، فيما يبرره المحللون بأن النظام الإيرانى فقد الثقة فى الإدارة الأمريكية التى أقدمت على الحرب بينما كان الطرفان لا يزالان يجلسان على طاولة المفاوضات.. ونقلت تقارير عن موقع «أكسيوس» أن الجانب الإيرانى يشعر بالحذر الشديد، معتبرا أنه تعرض للخداع مرتين سابقتين من قِبل ترامب، وهو ما يجعله يرفض الانجرار وراء أى وعود دبلوماسية جديدة. اقرأ أيضًا | «مضيق ترامب».. زلة لسان ساخرة للرئيس الأمريكي أثناء حديثه عن حرب إيران أما فيما يتعلق بالمشهد الداخلى الأمريكى فتتصاعد حالة القلق داخل الأوساط السياسية الأمريكية مع دخول الحرب مع إيران أسبوعها الرابع فى ظل تساؤلات متزايدة داخل الكونجرس حول مسار العمليات العسكرية، وتكلفتها التى تتزايد يوما بعد يوم، وكذلك غياب رؤية واضحة لنهايتها. وكان الرئيس ترامب قد قرر الدخول فى الحرب دون الحصول على تفويض مسبق من الكونجرس، ما أثار جدلًا دستوريًا وسياسيًا واسعًا، خاصة مع تزايد الخسائر البشرية والمادية، فى وقت طلبت فيه وزارة الدفاع ميزانية إضافية تقدر بنحو 200 مليار دولار لتمويل العمليات العسكرية. وقد نجح الجمهوريون حتى الآن فى إسقاط عدة مشاريع قرارات تقدم بها الديمقراطيون لوقف العمليات، إلا أن استمرار الحرب وطلب تمويل إضافى قد يضعهم أمام اختبارات أكثر صعوبة خلال الفترة المقبلة. وانتقد عدد من أعضاء الكونجرس غياب خطة واضحة لإنهاء الحرب، معتبرين أن الأهداف الأمريكية لا تزال «متغيرة وغير محددة». وأثار تصريح ترامب بأن الحرب قد تنتهى «عندما يشعر بذلك» موجة انتقادات حادة، حيث اعتبره البعض دليلاً على غياب التخطيط الاستراتيجى. وهو ما أكده جون بولتون مستشار الأمن القومى الأمريكى السابق، والذى وصف الضربات العسكرية الأمريكية فى إيران بأنها «عشوائية، وغير مدروسة جيداً». وفى الوقت الذى يؤكد فيه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب انخراطه فى محادثات مع القيادة الإيرانية لإنهاء العمليات العسكرية، تنفى طهران وجود أى تواصل من هذا النوع، ما يعكس حالة من الغموض والتضارب فى التصريحات، بالتوازى مع استعدادات عسكرية أمريكية لتصعيد محتمل فى منطقة الخليج. وبحسب تقارير عسكرية، بدأت الولاياتالمتحدة فى حشد قوات إضافية، من وحدات المشاة البحرية الأمريكية «المارينز»، إلى جانب فرقة متخصصة فى العمليات المحمولة جوًا. وتشير هذه التحركات إلى أن واشنطن تدرس خيار استخدام القوة لفتح مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة عالميًا. وتمثل المهلة التى منحها ترامب لإيران نقطة مفصلية فى مسار الأزمة، حيث يُتوقع أن تحدد نهايتها شكل المرحلة المقبلة. ويطرح المراقبون عدة سيناريوهات.. أولها وأكثرها خطورة ان يطلق ترامب ضربات عسكرية واسعة تستهدف منشآت الطاقة وقواعد عسكرية ومواقع مرتبطة بالبرنامج النووى. وتتمثل خطورة هذا السيناريو فى توسيع الحرب فى المنطقة بعد رد إيرانى مباشر وتهديد الملاحة فى مضيق هرمز. أما السيناريو الأكثر ترجيحا فهو تصعيد عسكرى محدود وتنفيذ ضربات عسكرية محدودة تستهدف مواقع استراتيجية إيرانية، مع تجنب الانخراط فى حرب واسعة. ويهدف هذا الخيار إلى تعزيز الضغط دون تحمل تكلفة التصعيد الشامل. أما السيناريو الثالث فهو تمديد المهلة وفتح باب التفاوض. ويعتمد هذا السيناريو على ظهور مؤشرات على استعداد إيران للحوار، وقد تلجأ واشنطن إلى تمديد المهلة، مع الإعلان عن تقدم دبلوماسى، وهو ما يتماشى مع نهج ترامب القائم على التفاوض من موقع قوة. ويتوقع السيناريو الرابع تصعيدا متبادلا غير مباشر عبر أطراف إقليمية، دون مواجهة مباشرة بين واشنطنوطهران، بما يطيل أمد الأزمة ويزيدها تعقيدا. ويستبعد معظم المحللين السيناريو الخامس والذى يعتمد على احتمال التوصل إلى تفاهم محدود خاصة إذا تزايدت الضغوط الدولية، إلا أن هذا السيناريو لا يعنى بالضرورة نهاية الصراع. أما المشهد الداخلى الأمريكى فيبقى منقسمًا، بين دعم حذر وتصاعد فى الأصوات المطالبة بإعادة تقييم مسار الحرب قبل فوات الأوان، حيث تُظهر استطلاعات الرأى تراجعا فى شعبية ترامب الذى أكد خلال حملته الانتخابية أنه جاء لينهى الحروب وأنه لن يدخل الولاياتالمتحدة فى حروب جديدة فإذا به يدخلها فى واحدة من أخطر الحروب على الإطلاق. كما تشير استطلاعات حديثة إلى أن شريحة من الأمريكيين تعتقد أن إسرائيل قد تكون المستفيد الأكبر من الحرب.. وتبدو الولاياتالمتحدة أمام معضلة معقدة.. فبين تحقيق أهداف عسكرية وسياسية دون الانزلاق إلى حرب طويلة ومكلفة، وبين ضغوط الداخل وحسابات الخارج، تحدد فترة ما بعد انتهاء المهلة ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط بالنسبة للحرب مع إيران، بل لمجمل التوازنات فى الشرق الأوسط.