بين طفولة كان يفترض أن تُعاش بأمان، وزواج يُفرض قبل أوانه، تتجدد مأساة زواج القاصرات فى مشاهد صادمة تكشف حجم الخطر الذى يهدد حقوق الفتيات فى المجتمع، فخلف الأبواب المغلقة، تتحول براءة البنات إلى مسؤوليات تفوق قدرتهن. ولم تكن واقعة الطفلة ذات ال14 عامًا فى مركز ساقلتة بمحافظة سوهاج سوى جرس إنذار جديد، بعدما أعلن المجلس القومى للطفولة والأمومة إحباط محاولة تزويجها من رجل يبلغ 38 عامًا، عقب بلاغ عاجل كشف تفاصيل صادمة عن ضغوط أسرية تعرضت لها الطفلة لإتمام هذا الزواج. هذه الواقعة، التى تدخلت فيها جهات الحماية بسرعة لوقفها واتخاذ الإجراءات القانونية، تعيد فتح ملف شائك طالما أثار الجدل، حول استمرار زواج القاصرات رغم القوانين، وتداعياته النفسية والصحية والاجتماعية، لتطرح تساؤلًا مهمًا: إلى متى تظل طفولة الفتيات عرضة للانتهاك تحت غطاء العادات والتقاليد؟.. وفى هذا السياق، تناقش «الأخبار» هذا الملف فى التحقيق التالي، لرصد أبعاده المختلفة، وكشف أسبابه، واستعراض جهود الدولة فى مواجهته، إلى جانب تسليط الضوء على قصص إنسانية تعكس واقع هذه الظاهرة. اقر أ أيضًا | زواج القاصرات.. إساءة للدين واغتيال للطفولة شعرت بالجوع فتناولت طبق مكرونة دون أن تدرك أنه سيكون السبب فى نهاية حياتها.. «فاتن زكي» صاحبة ال12 عامًا، قصة جديدة تضاف إلى سجل ضحايا زواج القاصرات، والتى بدأت حكايتها حين وافقت والدتها « التى انفصلت عن الأب » على تزويجها من أحد أبناء القرية بعقد زواج عرفي، بعد أن وقعت الأم بنفسها العقد لعدم بلوغ الفتاة السن القانونية للزواج، وهى 18 عامًا وفقًا للقانون. استمر الزواج عامين فقط، عاشتهما الطفلة تحت وطأة العنف والضرب المتكرر من زوجها الذى يعمل سائق «توكتوك»، وفى يوم الجريمة، شعرت فاتن بالجوع، ولم يكن زوجها وأهله قد عادوا بعد إلى المنزل، فتناولت «طبق مكرونة» لسد جوعها. لكن حين عاد الزوج وعلم بما حدث، انهال عليها ضربًا وتعذيبًا، ثم جرها إلى سطح المنزل وألقاها من الأعلى، لتفارق الصغيرة الحياة قبل أن تصل إلى المستشفى. فاتن ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، طالما استمر مسلسل زواج القاصرات الذى يسرق الطفولة ويحولها إلى مأساة، ووفقًا للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد الفتيات على مستوى العالم فى الفئة العمرية (6 -17 سنة) حوالى 777 مليون فتاة بنسبة 9.7%، و21% منهن تمثل نسبة زواج الفتيات تحت سن 18 سنة فى العالم بمقدار 12 مليون فتاة تتزوجن سنويًا، كما أقرتها اليونيسيف، وفى مصر كشفت بيانات الإحصاء، تراجع نسبة زواج الفتيات فى الفئة العمرية «15-17» سنة إلى 2.1% عام 2021، بالمقارنة بعام 2014 حيث بلغت النسبة لنفس الفئة 6.3% وفقًا للمسح السكانى الأخير، ولكن على الرغم من ذلك لازالت الضحايا تتساقط يومًا بعد يوم، كما روت الفتيات الصغيرات معاناتهن القاسية. انتهاك حقوق الفتيات فى ظل فقد الوعى بخطورة زواج القاصرات وما يترتب عليه من آثار قانونية وإنسانية وصحية، يظل المجلس القومى للطفولة والأمومة أحد أهم الجهات المعنية بحماية الفتيات من هذه الممارسات التى تُعد انتهاكًا صريحًا لحقوق الطفل. وتؤكد الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس القومى للطفولة والأمومة، أن زواج الأطفال يعد أحد صور تعريضهم للخطر، طبقًا لقانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008، كما أنه مخالف لحكم المادة (31 مكرر) من قانون الأحوال المدنية، التى تحظر توثيق عقود الزواج لمن هم دون الثامنة عشرة من الجنسين. وبناءً على ذلك، يتخذ المجلس الإجراءات اللازمة حيال هذه الوقائع، من خلال ما يرد إليه من بلاغات عبر خط نجدة الطفل 16000، بالتعاون مع النيابة العامة والجهات المعنية، لملاحقة المتورطين وإيقاف تلك الزيجات فورًا. أما عن حالات الزواج العرفى أو غير الموثق للفتيات دون 18 عامًا، فتوضح السنباطى أن المجلس يتخذ الإجراءات القانونية الكفيلة بضمان عدم إهدار حقوق الأطفال الناتجين عن هذه الزيجات، ويعمل على تمكينهم من الحصول على أوراق ثبوتية رسمية ورعاية صحية لازمة، لضمان عدم وقوعهم ضحايا لجرائم الإهمال أو الحرمان من الهوية. وفيما يتعلق بالجهود التوعوية، تشير إلى أن المجلس نفذ عددًا كبيرًا من الحملات القومية والمحلية لرفع الوعى بخطورة زواج الأطفال، خاصة فى القرى والمناطق الريفية، وتهدف هذه الحملات إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة التى تبرر الزواج المبكر باعتباره وسيلة للستر، موضحة أنه فى الواقع انتهاك لحقوق الفتيات وحرمان لهن من التعليم والعمل والمستقبل، فضلًا عن مخاطره الصحية والنفسية البالغة. وفى حال تلقى بلاغ عن زواج طفلة، توضح السنباطى أن المجلس يتلقى البلاغات والشكاوى من الأطفال أنفسهم أو من البالغين، ويتم التنسيق فورًا مع الجهات المختصة لضمان حماية الفتاة من أى انتهاك، وتحال البلاغات إلى وحدات حماية الطفل العامة بالمحافظات، ووحدات الحماية الفرعية المنتشرة فى المراكز والأحياء، لتقديم الدعم اللازم للفتيات المعرضات للخطر، كما يتعاون المجلس مع مكتب حماية الطفل والمسنين والأشخاص ذوى الإعاقة بمكتب النائب العام، حيث تجرى تحقيقات قضائية فورية لضمان تحقيق المصلحة الفضلى للطفل. الزواج العرفى وإيصالات الأمانة.. طرق التحايل على القانون فى خضم تصاعد حالات التحايل على القوانين لإخفاء زيجات قاصرات، تبرز الحاجة إلى توضيح الأساليب المستخدمة قانونيًا وطرق مواجهتها، وتشرح ندى زيدان، المحامية والباحثة فى مجال حقوق المرأة، أبرز الحيل القانونية والاجتماعية المتداولة وكيفية تعامل القانون معها والسبل الرادعة والمقترحات الوقائية. توضح ندى أن من أبرز الأساليب التى يلجأ إليها البعض لتزويج الفتيات قبل بلوغ السن القانونية هو الزواج العرفي، أى إبرام عقد زواج دون توثيق رسمي، وهو أسلوب شائع لأنه يتيح إجراء الزواج بعيدًا عن رقابة الجهات الرسمية، كما تأتى ظاهرة كتب الكتاب غير الموثقة ضمن نفس السياق، إذ يتم إبرام عقود غير مسجلة لا تظهر فى السجلات الرسمية، ما يصعب متابعة الحالة أو إثباتها قانونيًا عند الحاجة، وتنتشر كذلك ممارسة تزوير شهادات الميلاد بهدف إظهار الفتاة أكبر من عمرها الحقيقى لتسهيل توثيق الزواج لاحقًا أو للتغطية على الأمر أمام الجهات الإدارية. أما عن مسألة كتابة وصل أمانة باسم الزوج كضمان لحق الطفلة، فتشير إلى أن القانون ينظر إلى هذه التصرفات بحذر؛ فوصل الأمانة لا يشرع أو يبرر زواجًا مخالفًا للقانون، وإذا ثبت أن وصل الأمانة استخدم كغطاء لزواج قاصر فقد يندرج ذلك تحت جرائم التزوير أو التستر على جريمة زواج قاصر، ويخضع مرتكبوها للمساءلة القانونية. خلط أنساب وفيما يتعلق بتسجيل الأبناء باسم الجد أو أحد الأقارب لتجنب افتضاح زواج غير موثّق، تؤكد المحامية أن هذا الفعل يعد محاولة واضحة للتزوير والتهرب من المسؤولية القانونية، ويُعدّ جريمة يعاقب عليها القانون وفق قواعد التزوير والتستر، لأن تسجيل بيانات ميلاد الطفل باسم شخص غير زعماء الولادة يعطل حقوق الطفل ويشوّه سجلات الحالة المدنية. أما عن رصد هذه الحالات وكشفها، فتوضح أن الجهات المختصة قادرة على اكتشاف بعضها من خلال آليات متعددة منها تبليغ الأقارب أو الجيران، نتائج التحقيقات فى المحاكم الشرعية أو الجنائية، وتقارير الجمعيات الأهلية العاملة فى الميدان، كما أن التعاون بين الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدنى يسهم فى كشف حيل التزوير والتستر وإحالة القضايا للنيابة للتحقيق. قصور العقوبات وتشير أيضًا إلى وجود ثغرات قانونية وعملية تساعد على استمرار هذه الممارسات، مثل قصور العقوبات بحيث لا تكون رادعة كفاية، وصعوبات إثبات الزواج العرفى فى غياب شهود أو وثائق، ونقص الوعى القانونى لدى بعض الأسر، ما يجعلهم يلجأون للتحايل بدافع الجهل أو الحاجة. عقود الكتاب المؤجل ومن جانبه يحذر الدكتور أمجد غزال، استشارى التدريب وبناء القدرات المؤسسية، من انتشار ما يسمى ب«عقود الكتاب المؤجل» أو «الزواج العرفى المؤجل»، بوصفها أحد أخطر أشكال استغلال الطفلات والتلاعب بالقانون.. كلها قصص مختلفة، لكنها جميعًا تؤكد أن تزويج الطفلات ليس حماية، بل جريمة ترتكب باسم العادات والستر. جريمة فى حق الطفولة للأسف لا تزال بعض الأسر ترى فى الزواج المبكر وسيلة للستر أو الخلاص من عبء الفقر، وفى هذا السياق، تتحدث الدكتورة سحر شعبان، أستاذة علم الاجتماع وباحثة فى مجال حقوق المرأة، عن الجوانب النفسية والاجتماعية المدمرة لزواج القاصرات، وكيف يمكن للمجتمع أن يواجه هذه الظاهرة التى تعد جريمة فى حق الطفلة. توضح د. سحر أن الزواج المبكر له تأثيرات نفسية واجتماعية سلبية عميقة على الفتاة، فهو يحملها مسؤوليات تفوق سنها وقدرتها العقلية والنفسية، فالفتاة التى لم تنضج بعد عاطفيًا أو اجتماعيًا تجد نفسها فجأة مطالبة بأن تؤدى دور الزوجة والأم، وهو ما يسبب لها ضغطًا نفسيًا كبيرًا، وكثيرًا من الفتيات اللاتى تزوجن فى سن صغيرة يعانين من الاكتئاب والاضطرابات النفسية بسبب غياب النضج الكافى للتعامل مع مشكلات الحياة الزوجية التى تبدأ مبكرًا جدًا فى هذه الحالات. وترى د. سحر أن زواج القاصرات يُعد بلا شك أحد أشد أنواع العنف ضد الطفلة، فهو شكل من أشكال الاستغلال الجنسى والنفسي، حيث تجبر الفتاة على علاقة لا تفهمها ولا تختارها، وتحرم من التعليم والعمل وحقوقها الأساسية كإنسانة. وتوضح الدكتورة هنادى عبد التواب أحمد، استشارى النساء والتوليد والعقم، أن الزواج المبكر يشكل خطرًا خفيًا يهدد صحة الفتيات ومستقبلهن، محذرة من أن الفتيات اللاتى يحملن قبل بلوغ الثامنة عشرة أكثر عرضة لمضاعفات خطيرة، منها النزيف وتسمم الحمل والولادة المبكرة وانخفاض وزن المولود، كما ترتفع احتمالات وفاة الأم أو الرضيع مقارنة بالنساء فوق العشرين. يقول الدكتور أحمد عبدالله بكير، مشرف الفتوى بمنطقة وعظ القاهرة بالأزهر الشريف، أن الزواج فى الإسلام ميثاق غليظ يقوم على السكينة، والمودة، والرحمة، وليس مجرد عقد يقوم المأذون الشرعى بكتابته، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كانت الفتاة بالغة عاقلة رشيدة، أما تزويج الفتاة القاصرة فيعد مخالفة صريحة لمقاصد الشرع الإسلامى التى جاءت لحفظ النفس والعقل والنسل، بل واعتداء على مقاصد الزواج التى شرعها الله لتحقيق السكن والمودة، ويُعد صورة من صور الإكراه والضرر الممنوع شرعًا. وقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج...»، وهذا الحديث الشريف دال على أن الأساس هو القدرة، لا السن، سواء كانت قدرة مادية أو نفسية أو اجتماعية. وتحدث عن أهمية الخطاب الدينى الواعى فى كونه رسالة تنموية قادرة على تغيير المفاهيم الخاطئة وتوجيه السلوك الاجتماعى نحو الزواج القائم على النضج والمسؤولية، وتوظيف هذا الخطاب فى التوعية بمخاطر الزواج المبكر هو خطوة أساسية لبناء أسر مستقرة ومجتمع آمن.