عبد المنعم رمضان عشت كل طفولتى تحت مظلة واطئة جدًا لا تسمح ولاتحب أن يغزوها ويجلس تحتها غريب أو ضائع، لذا أنفقت سنواتى الأولى، صباى ومراهقتي، مثل عابر سبيل، يحمل أسئلة متشابكة ليحصل على بعض أجوبة لا تُقنع، إلى حد أنه عندما فوجئت بدخولى الجامعة، اكتشفت أننى مازلت أتطوح بين أسئلة أخرى لا تحد، وأجوبة أخرى ناقصة، مما جعلنى أكاد أضيع بين ما كان وما سيكون، فى الجامعة لا يمكن أن أنسى أننى صادفت زميلًا ضائعَا يشبهني، وإن كان أكثر منى غموضًا، صادفت محمد خلاف الشاعر الذى فيما بعد هرب من الشعر واستقر أخيرًا تحت جاذبية مؤلفات الهندى (أوشو)، ياللهول، لكنه أيامها لازمنى فى رحلة الأسئلة، وضباب الأجوبة، إلى أن وقفنا معًا، ولبعض الوقت تحت مظلة وجودية يسكنها ألبير كامو وسيمون دوبوفوار، أما سارتر فلم نفهمه، على الأقل لم أفهمه أنا، غرامنا بألبير كامو كان مقدمة لتعارفنا على ما يكتبه إدوار الخراط، ابتداء من حيطان عالية ثم ساعات الكبرياء، والمجموعتان فاجأتانا بعدم خضوعهما لما اعتدناه من سياقات القصة القصيرة لغة ورؤيا آنذاك تخيلنا الكاتب مهمومًا بمحض الكتابة، ومحض الكتابة هذا سيظل طوال عمر إدوار الإبداعى هو غرفة عمله الرئيسة، سواء كان ما يكتبه قصة قصيرة أو رواية أو شعرًا، لأنه فى واقعه كان يكتب كتابًا واحدًا مستمرًا، مستمرًا على هيئة كتب فرضتها اختلافات المكان والزمان، عمومًا فى الجامعة كنا، محمد خلاف وأنا، مجذوبين إلى الشعر، نحسب أننا منذورون له، ونحسب أيضًا أننا لابد أن نفتش عن أسلاف ينبغى علينا أن نألفهم، هكذا اكتشفنا النفرى وأبا نواس وجماعة الفن والحرية خاصة جورج حنين ورفاقه، وقد كان إدوار الخراط أحد من أرشدانا إليهم، ثم اكتشفنا ثقافة بيروت حيث جماعة شعر، خاصة أدونيس وأنسى الحاج وشوقى أبو شقرا، ولما التقينا إدوار فيما بعد، تأكدنا أنه زميلنا فى هذه الكشوفات، التى بسببها أعدنا النظر فى الشعر كله، خاصة فى الشعر المصرى الحديث، إلى حد إصرارنا على النيل أحيانًا من ممثليه صلاح عبد الصبور وأحمد حجازي، بالضبط مثلما شجعتنا حيطان عالية وساعات الكبرياء على مساءلة الإنجاز القصصى المصرى ابتداءًا من نجيب محفوظ، وكأننا نقر بأن رواياته أصبحت إرثنا القصصى الذى ينبغى الاجتراء عليه، واحترام كل مسعى لتجاوزه، منذ ذلك الحين انشغلنا، محمد خلاف وأنا، ثم أنا وجيلى الشعرى خاصة جماعة أصوات التى انشغلت منذ بدايتها بضرورة ألا تكون تحت المظلة، أعنى تحت المظلة العامة، منذها رأينا بوضوح ما يمكن أن نسميه المتن، وحلمنا ببدايات وضوح ما يمكن أن نسميه ضد المتن، تفاديًا للتسمية الأكثر شيوعًا، المتن والهامش، بتحديد أكثر دقة تحاشينا خشيتنا الظاهرة من كلمة الهامش، وما يمكن تأويله بصددها، هكذا أصبحت المجموعتان، حيطان عالية وساعات الكبرياء، حاضرتين بيننا، وكان محمد عيد إبراهيم أكثرنا حماسة للسير على طريق إدوار الخراط، والذى حاول أن يذهب إلى حدود تتجاوز ما حاوله إدوار، أذكر أننا بعد قراءات متكررة للمجموعتين الأوليين، أدركنا أن تاريخ إدوار الخراط بدأ كتاريخ منسوج من الرغبة الدائمة والملحة على التطهر من استاتيكية المتن، وعلى ضرورة تجنبه وتفاديه، ومعها ألفنا الانتباه إلى شهوته دائمة التجدد فى دعم كل محاولة خروج، وهو دعم سيستمر ولا يتوقف على مدى أربعة عقود متتالية، عاصرنا أولها مثل صغار يراقبون، وشاركنا بعضها الآخر فاعلين وبحماسة ستظل تلازمنا، خاصة إذا كانت نار إدوار ونوره قد ظلا فى قلب صفوفنا وصفوف من سبقونا على مدى أربعة عقود، عقد الستينيات حيث جاليري، والسبعينيات حيث أصوات وإضاءة وثورة الماستر، والثمانينيات، وكذا التسعينيات، طوال العقود الأربعة كان إدوار الظهير الدائم الذى يلتقى عنده شباب كل جيل، لم يشأ إدوار أن يحدث صخبُا، لم يشأ أن يشذ، فقط ما أراده كما أدركناه ووعيناه، هو أن نبتعد عن المتن، نتركه لهم ولا نخضع له، مع أنه كان يعرف جيدًا كما دلتنا فيما بعد صداقاتنا معه واعتياد التردد عليه، أن المتن قادر بنفوذه على أن يحميك، وقادر على أن يجعلك عضوًا فى الجماعة الحاكمة لدولة الأدب، وأن تلاحقك الأسفار والجوائز وعيون أجهزة الإعلام، هكذا تعارفنا كمنشقين وخارجين على سلطة المتن، التففنا حول إدوار، وحول رفاقه، عدلى رزق الله وإبراهيم أصلان ومحمد البساطى وعبد الحكيم قاسم وعفيفى مطر وغيرهم، وكلهم أصبحوا العائلة الجديدة التى تغرى بمخاصمة المتن، وفى بعض الأوقات التى ترددنا فيها وكدنا ننزلق إلى إغواءات المتن، كانت براءة إدوار وإصراره على صحة التقسيم، المتن وضد المتن، تكبح شهواتنا فى التماس السعى وراء الأغلبية، بيت إدوار الخراط لم يكن تلبية لشهوات صغيرة، مثل أن يعرفنا الآخرون، أن تعرفنا الأغلبية، ولكنه كان تلبية لجحيم أن نعرف أنفسنا ونعيمه، خاصة أن إدوار لم يبتعد فقط عن المتن، ولكنه ابتعد أيضُا عن احتراف السكنى فى طابق واحد من طوابق الإبداع، وهكذا دأب طوال الوقت على هدم الأسوار بين كل الأشكال الممكنة، الشعر والرواية والقصة والرسم، الخ، حتى كاد أن يزعم بأن احتراف شكل واحد من روزنامة الإبداع، قد يؤدى إلى عبودية لا تختلف عن عبودية المتن، لم يتردد إدوار فى استمرار حربه على المتن، كأنه يرسم لوحة، كأنه يرسم لوحة إصراره، مثل هذه اللوحات تستجلب خصومها، على الرغم من أنها قد تصاب بعطب ما، عطب طارئ، أو تحاط بتشويش متعمد، عمومًا حاولنا أن نغفر لإدوار ما حكاه خصومه عن خطيئته، التى أعترف أنها أربكت لفترة بعض محبتنا له، وبعض ثقتنا فيه، خاصة بتأكيدهم أنه رجل يوسف السباعي، والسباعى كان قوميسيير الثقافة لزمن طويل، وكلنا لم نكن أيامها نتصوره حليفًا لأحلامنا، كان عدوًا، لم يتزحزح طوال معرفتنا به عن كونه رمز سلطة ورمز هشاشة أدبية وثقافية وسياسية، وحامل عتلة تدمير كل ما هو جديد، ومع تحريمنا لمجرد ذكره، فوجئنا بفاروق عبد القادر يكتب ذات لحظة سوء ظن، ذات لحظة فجاجة سياسية، يكتب عن مهمة إدوار ودوره فى نسج الروابط والوشائج بين السباعى من جهة السلطة وبين الأدباء والكتاب المشاركين فى جاليرى 68 من جهتنا، وصارت هذه التهمة بقعة يتفاوت حجمها حسب تفاوت أجيال الناظرين، خاصة أنها تجاوزت الحد عند بعض شعراء جيليْ الستينيات والسبعينيات وقصاصيهما ونقادهما الذين لم يستطيعوا أن يروا السياسة والأدب منعزلين أحدهما عن الآخر، حتى تروتسكية إدوار القديمة والتى أعتقل بسببها فترة من الزمن، تبدو الآن كشاهد على عمق فكرة إدوار حول أن يكون ضد المتن فى السياسة أيضًا مثلما فى الأدب، وهذا ما عصمه من الغضب والضغينة والنيل من نوبل محفوظ، مادام هو، أعنى إدوار، وأدبه فى مكان آخر، بينما يوسف إدريس أحد علامات المتن إلى حد منافسة نجيب محفوظ على لقب الإمام أو الأول، لن يستطيع أن يخفى غضبه وغيرته، هاتفًا أنا الأكثر استحقاقًا، أنا يوسف إدريس، تبقى كلمة تجبرني، أعنى الكلمة، أن أصيح بها، عندما انتهت العلاقة بين الاثنين، إدوار الخراط ويوسف السباعي، بموت الثاني، استمر إدوار فى انتظاره لكل جيل جديد حرصًا على أن يستمر فى حربه ضد كل متن، دون مصلحة، سوى شغفه بإبادة المتن، على الأقل باجتنابه، كما لو أن يوسف السباعى كان محض مصادفة لم تلوث حركية الإبداع عند إدوار الخراط، فقط سمحت لحراس المتون بمحاولة تشويهه، هكذا غلبت حريته وساوس هؤلاء الحراس، أعنى سجناء الأيديولوجيات.