فى قلب الزحام الصاخب، حيث تتسابق الخطى وتتشابك الأنفاس، ثمة «ركن» لا يقاس الزمن فيه بدقات الساعة، بل بنبضات القلوب. ليس مجرد مقهى بل هو «مساحة للضوء»، وأول كافيه دامج فى مصر يكتب بصدقٍ قصة «التمكين»، لا كشعار يُعلق على الجدران، بل كواقعٍ يُعاش يومياً مع كل ابتسامة صافية وبريئة تُستقبل بها فى المكان. هنا، قرر هؤلاء الشباب أصحاب الاختلافات والاضطرابات النمائية، أن يكسروا جدار الصمت، وأن يثبتوا للمجتمع أن «الاختلاف» ليس نقصاً، بل زاوية رؤية مختلفة للجمال، وهو ما دفعنا الى زيارة المكان والمساهمة فى الدعم والمساندة بعمل كوب من القهوة يقدم مع ابتسامة رقيقة وروح صافية، وبالفعل وجدنا منهم ترحاباً وسعادة، يشرحون لنا كل خطوات العمل. المكان كان أشبه بخلية نحل رقيقة وروح مبهجة، يتحرك يوسف خالد بخفة وثقة، يوسف الذى شهدت مصر كلها لحظته التاريخية حين قدّم القهوة للرئيس السيسى بعد صلاة عيد الفطر، يقول يوسف «هنا، لا أشعر بأننى مختلف، القهوة التى أصنعها تصل للناس محملة بحبى لعملى، حين قدّمت القهوة للرئيس، شعرت بأننى أمثّل كل أصدقائى، شعرت بأن العالم بدأ يدرك أخيراً أننا قادرون على العطاء إذا ما أُتيحت لنا الفرصة الحقيقية». بجانبه، كانت رحمة خالد ترتب الأكواب بلمساتٍ فنية وعناية فائقة وتقف أمام ماكينة القهوة بكل حب تقول «الكافيه هو نافذتى على العالم، نحن هنا لنقول للناس انظروا إلينا، نحن مبدعون، دقيقون، ولدينا طاقة حب لا تنفد نريد أن يرانا المجتمع كزملاء، كشركاء، لا كحالات تستوجب التعاطف، كما قالت إن مشروبها المفضل هو الفرابيتشينو وعندما يأتى طلب بعمل هذا للمشروب فتحبذ أن تقوم هى بتحضيره بنفسها لأنها تضع لمساتها الخاصة عليه وهو ما يجعل زبائن المكان يحبونه من يديها، ويطلبونه مجدداً. أما دنيا طارق، فتمتلك طاقة مختلفة وابتسامة مفعمة بالإيجابية كما أنها تتفنن فى إنهاء عملها بدقةٍ متناهية، فتضيف بابتسامة دافئة «نحن نغير الصورة الذهنية كل يوم عندما يدخل الزبون ويجدنا نعمل بمهارة، يتغير انطباعه فورًا، كما أن مشروباتنا مميزة للغاية لأننا نصنعها بالحب». وخلف هؤلاء الأبطال، يقف فريق من الداعمين يمثلون الجسور التى تربط هؤلاء الشباب بسوق العمل رقية وليد، هشام السيد، وعبد الواحد محمد؛ رفقاء الرحلة، الذين يؤمنون بأن دورهم هو صقل المهارات وتقديم الدعم النفسى والتقنى. ويحظى ملف تمكين الأشخاص ذوى الإعاقة باهتمام واضح من الرئيس عبد الفتاح السيسى، الذى حرص خلال السنوات الماضية على ترسيخ فكرة الدمج لا بوصفها شعارًا، بل مسارًا عمليًا فى السياسات العامة والمبادرات المجتمعية، وقد تجلّى هذا الدعم فى مشاهد رمزية مؤثرة، كان من بينها تفاعل الرئيس مع شباب من ذوى الاضطرابات النمائية فى مناسبات مختلفة، ومنحهم مساحة للظهور والاعتراف بقدراتهم أمام المجتمع. من جانبها أشارت رانيا عبد العزيز الشريك المؤسس للمشروع الى أن «سوكس» هو أول كافيه دامج يهدف إلى توفير فرص عمل حقيقية للأشخاص ذوى الاختلافات (الاضطرابات) النمائية، وفى نفس الوقت المساهمة فى تغيير الصورة الذهنية عنهم فى المجتمع. الفكرة انطلقت من ملاحظة أنه لا يزال هناك فهم محدود لطبيعة هذه الاختلافات، وكثير من الناس تتعامل معهم كأنهم فئة واحدة، رغم أن كل شخص فيهم له شخصيته وقدراته وطريقته الخاصة، بالإضافة إلى قلة أو انعدام فرص التوظيف لهذه الفئة من الشباب. وأشارت رانيا إلى أن فريق العمل حاليًا يضم ما يقرب من حوالى 15 شخصاً متدرّباً، من خلفيات وأنماط نمائية مختلفة، ويقومون بالعمل معاً فى بيئة داعمة قائمة على التعاون والاحترام، ونحن كإدارة نسعى دائماً إلى تقديم الدعم والمساندة والتركيز على تطوير مهاراتهم المهنية، وفى نفس الوقت نعمل على دعم ثقتهم بنفسهم وقدرتهم على التواصل والتعامل مع الآخرين. والهدف الأسمى والأكبر الذى نعمل عليه طوال الوقت هو أن نكون جزءاً ولو بسيطاً من تغيير الفكر النمطى للمجتمع تجاههم، لأنهم ليسوا أطفالاً ولكنهم شباب بالغون لديهم شغف حقيقى تجاه تحقيق الذات وكسب العيش من مزاولة العمل، وأثبتوا فعلياً جدارتهم فى تحمل المسئوليات.