في كل بيت مصري تقريبًا، قد تجد هذا المشهد المألوف: "راديو صغير لا يُغلق، ينساب منه صوت إذاعة القرآن الكريم، كعادة يومية راسخة، سواء طلبًا للسكينة، أو تحصينًا، أو ببساطة لتعمير البيت بذكر الله. إذاعة القرآن الكريم، وعلى مدار 62 عامًا، لم تكن الإذاعة مجرد وسيلة لبث تلاوات القرآن، بل تحولت إلى مرجع ديني وثقافي، تقدم برامج متنوعة تُجيب تساؤلات الناس، وتناقش قضاياهم بأسلوب مبسط يصل إلى الجميع. من قرار سياسي.. إلى هوية أمة منذ انطلاقها عام 1964 بقرار من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أصبحت جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية المصرية، وواحدة من أهم المنابر التي حفظت فنون التلاوة والابتهال. ومن خلالها تعرف العالم على مدارس مصرية فريدة في قراءة القرآن، بصوتيات مميزة تجعل المستمع قادرًا على تمييز كل قارئ من أول آية. اقرأ أيضا| في ذكرى انطلاقها ال62.. إذاعة القرآن الكريم صوت لا يغيب عن وجدان المصريين أصوات خالدة.. صنعت وجدان أجيال لم تكن الإذاعة مجرد منصة، بل كانت بيتًا احتضن كبار القراء والمبتهلين، الذين تحولوا إلى رموز خالدة: - سيد النقشبندي فارس الابتهال، الذي مزج بين الروحانية والعاطفة، وخلد اسمه بأعمال أيقونية أشهرها "مولاي إني ببابك"، عام 1967. تميز بأسلوبه القوي في الأداء، وقدرته على نقل حالة وجدانية تصل مباشرة إلى قلوب المستمعين. - الشيخ محمود خليل الحصري أول قراءة أذيعت له على الهواء مباشرة كانت بتاريخ 16 نوفمبر 1944، ليصبح أول قارئ يقوم بتسجيل القرآن الكريم، حيث كان له الفضل في تسجيل القرآن الكريم مرتلًا بأكثر من رواية. وزار العديد من البلدان، فكان أول من تلا القرآن الكريم في الكونجرس الأمريكي، وأذن لصلاة الظهر في مقر الأممالمتحدة، وبسبب صوته أشهر عدد كبير من الأجانب إسلامهم. عُرف بدقته الشديدة في أحكام التجويد، حتى أصبح مرجعًا معتمدًا لطلاب القرآن حول العالم. - نصر الدين طوبار بصوته المميز، جمع بين الابتهال والروح الصوفية العميقة، وكان من أوائل من أدخلوا البعد الدرامي والتعبيري إلى فن الابتهال. - طه الفشني مدرسة خاصة في العذوبة والإنشاد، بدأت من قرى الصعيد ووصلت إلى قلوب الملايين، اكتشف مدير المدرسة صوته بالصدفة، ليبدأ بعدها رحلة تاريخ. امتلك قدرة فريدة على التنقل بين المقامات بسلاسة جعلته من أبرز رواد الفن الصوفي. - أحمد التوني شيخ المداحين، ورمز الإنشاد الشعبي، وصاحب أسلوب حكائي مميز. اعتمد على السرد والغناء معًا، ليأخذ المستمع في رحلة عبر السيرة والمدائح النبوية. - الشيخ محمد رفعت اشتهر بقيثارة السماء، ورغم فقدانه البصر وهو في الثانية من عمره، إلا أنه تمكن من حفظ القرآن الكريم كاملًا في سن الخامسة، وكان صاحب شرف افتتاح بث الإذاعة المصرية عام 1934. تميز بصوت ملائكي خاشع جعله أحد أكثر القراء تأثيرًا في تاريخ التلاوة. - الشيخ عبد الباسط عبد الصمد "الحنجرة الذهبية"، وأحد أشهر الأصوات التي عبرت القارات. حاز على شهرة عالمية واسعة، ولقب بسفير القرآن لصوته الذي وصل إلى مختلف دول العالم. - محمد صديق المنشاوي الصوت الخاشع الذي لقب ب "الباكي"، أتم حفظ القرآن الكريم وهو في الثامنة من عمره، وعلمه أبوه الشيخ صديق المنشاوي فن قراءة القرآن الكريم، وطور من نفسه حتى عُرف بأسلوبه الحزين المؤثر الذي يلامس القلوب ويُشعر المستمع بخشوع عميق. - الشيخ محمد محمود الطبلاوي أحد أعمدة التلاوة في العصر الحديث، الذي شغل منصب نقيب القراء القرآن الكريم، وكان له دور بارز في الحفاظ على مكانة التلاوة المصرية. - الشيخ أبو العينين شعيشع أصغر من التحق بالإذاعة، وأحد رموزها الكبار، فقد تميز بأسلوب فريد يجمع بين القوة والهدوء، وتولى نقابة القراء لسنوات، وظل نقيبًا لها حتى وفاته في 23 يونيو 2011 عن عمر يناهز 89 عامًا. - الشيخ أحمد نعينع نموذج جمع بين الطب والتلاوة، حيث حفظ القرآن الكريم وهو في الثامنة من عمره، واستمر في دراسته حتى تخرج من كلية الطب جامعة الإسكندرية وعمل في المستشفى الجامعي. واستطاع أن يحقق شهرة واسعة بفضل صوته المميز وأسلوبه المختلف في ختام التلاوة، فقد كانت تلاوته ل"صدق الله العلى العظيم"، غير معتادة مما لفت انتباه المستمعين. - عبد الفتاح الشعشاعي من رواد الجيل الأول، وصاحب بصمة واضحة في فن التلاوة، عُرف بصوته الندي وأسلوبه المتقن الذي جعله من أعمدة المدرسة الكلاسيكية. الشيخ مصطفى إسماعيل صوت من ذهب، جمع بين العلم والأداء الفني الرفيع. امتلك قدرة استثنائية على توظيف المقامات لخدمة المعنى القرآني بشكل مميز، فكان أول قارئ يسجل في الإذاعة المصرية دون أن يمتحن. وبفضل موجات إذاعة القرآن الكريم، وصلت تلاوات الإذاعة إلى آسيا وأفريقيا وأوروبا، حتى أصبح كثير من المسلمين حول العالم يتعلمون القرآن على أصوات قرائها، و يتذوقون المقامات المصرية الفريدة. وكان لذلك دور كبير في ترسيخ صورة مصر كواحدة من أهم مراكز التلاوة والابتهال في العالم الإسلامي.