من ريف الهند إلى الغرب الأوسط الأمريكي، يحذر المزارعون من تفاقم أزمة الغذاء العالمية مع امتداد آثار الاضطرابات الناجمة عن الحرب إلى أسواق الطاقة والأسمدة. في البنجاب، قلب الهند الزراعي، يقول المزارعون إن نقص المدخلات الأساسية بدأ يظهر بالفعل قبل موسم زراعة الأرز الحاسم. وبحسب تقرير فاينانشال تايمز، وصف راجبال سينغ، وهو مزارع محلي، قلقه المتزايد مع تضاؤل فرص الحصول على الأسمدة وانقطاع التيار الكهربائي اليومي لمدة تصل إلى ثماني ساعات. على بعد آلاف الأميال في مينيسوتا، يواجه المزارع الأمريكي براندون فرونينغ ارتفاعًا حادًا في تكاليف المدخلات قبل أسابيع فقط من زراعة الذرة. ارتفعت أسعار الأسمدة بشكل غير متوقع في أعقاب اندلاع الحرب مع إيران، مما جعل العديد من المزارعين غير قادرين على تأمين الإمدادات أو التمويل. نقص الأسمدة يعطل سلاسل التوريد العالمية يكمن جوهر الأزمة في تعطل إنتاج الأسمدة وتجارتها، والذي يتركز بشكل كبير في منطقة الخليج. أدى إغلاق مضيق هرمز، وهو شريان حيوي لشحنات الطاقة والمواد الكيميائية العالمية، إلى توقف الصادرات وارتفاع الأسعار بشكل حاد. يعتمد إنتاج الأسمدة على الغاز الطبيعي ومشتقات النفط. ومع محدودية تدفقات الطاقة، تراجعت إمدادات الأسمدة النيتروجينية، مثل الأمونيا واليوريا، كما تأثرت مدخلات أساسية أخرى، كالكبريت، الضروري للأسمدة الفوسفاتية. يقدر المحللون أن 43% من تجارة اليوريا العالمية و45% من صادرات الكبريت معرضة للخطر بسبب النزاع. وقد سُجلت بالفعل تخفيضات في الإنتاج في مناطق خارج الشرق الأوسط، بما في ذلك شمال أفريقيا وأوروبا، حيث أجبر نقص الغاز المصانع على الإغلاق. ارتفاع التكاليف يدفع أسعار الغذاء إلى الارتفاع يمتد تأثير ذلك ليشمل جميع جوانب النظام الغذائي. فارتفاع تكاليف الوقود والكهرباء يزيد من تكلفة نقل ومعالجة وتخزين الغذاء في جميع أنحاء العالم. في أجزاء من أفريقيا، بما في ذلك كينياوالصومال وتنزانيا والسودان، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل ملحوظ، حيث سجلت الصومال زيادات بنحو 20% في أسعار السلع الأساسية منذ بدء النزاع. في آسيا، تستعد الدول التي تعتمد على الغاز المستورد، مثل الهند وباكستان وبنغلاديش، لانخفاض إنتاج الأسمدة وتراجع غلة المحاصيل. حتى في الاقتصادات المتقدمة، من المتوقع أن تظهر آثار ذلك. ويتوقع المحللون أن يرتفع التضخم الغذائي في الولاياتالمتحدة من حوالي 2% إلى 4% سنويًا، مع احتمال وصوله إلى خانة العشرات إذا استمر النزاع. خطر أزمة أكبر من أزمة 2022 يحذر الخبراء من أن الأزمة الحالية قد تتجاوز الصدمة الغذائية التي أحدثها الغزو الروسي لأوكرانيا. على عكس أزمة 2022، التي تركزت في البداية على صادرات الحبوب، فإن الاضطراب الحالي يؤثر على قطاعات متعددة، مثل الطاقة والأسمدة والخدمات اللوجستية، مما يخلق ما يصفه المحللون ب"صدمة نظامية". أشار أحد محللي السلع الأساسية إلى أن "هذه ليست مجرد مشكلة لوجستية". هذه المرة، يكمن التحدي في محدودية الإمدادات. تشير تقديرات الأممالمتحدة إلى أن ما يصل إلى 45 مليون شخص إضافي قد يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي خلال الأشهر القادمة، لينضموا إلى 318 مليون شخص متضرر بالفعل على مستوى العالم. مخاطر الحصاد والتأثير طويل الأمد قد تظهر أشد العواقب في مراحل لاحقة من الدورة الزراعية. يؤدي نقص الأسمدة إلى انخفاض مباشر في غلة المحاصيل، لا سيما المحاصيل كثيفة المدخلات مثل الأرز. في بنجلاديش، أفاد المزارعون بنقص في وقود الديزل أدى بالفعل إلى تعطيل أنظمة الري، مما يعرض المحاصيل للخطر. وفي جميع أنحاء جنوب آسيا، يواجه موسم زراعة الرياح الموسمية القادم - أحد أكثر الفترات اعتمادًا على الأسمدة على مستوى العالم - حالة من عدم اليقين الشديد. تشير الأبحاث إلى أن الارتفاع المستمر في أسعار الأسمدة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء العالمية بنسبة تتراوح بين 60% و100%، مما قد يدفع ما يصل إلى 100 مليون شخص إضافي إلى براثن سوء التغذية. تزايد الضغوط السياسية والاقتصادية تزداد الحكومات وعيًا بالمخاطر. لا تزال أسعار المواد الغذائية قضية حساسة سياسياً، لا سيما في الاقتصادات الكبرى قبيل الانتخابات. في الهند، يخشى المسؤولون من أن يؤدي نقص الأسمدة إلى اندلاع احتجاجات المزارعين. وفي الولاياتالمتحدة وأوروبا، قد يؤدي ارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى تفاقم السخط الشعبي في ظل ضغوط غلاء المعيشة. في الوقت نفسه، تُنذر الاستجابات السياسية، كفرض قيود على الصادرات أو التخزين المحلي، بتفاقم الخلل العالمي. وقد أشارت دول، من بينها الصين وروسيا، بالفعل إلى فرض قيود على صادرات الأسمدة لحماية الإمدادات المحلية. نظام تحت الضغط يُبرز التقرير الترابط الوثيق بين أنظمة الطاقة والغذاء. فكل مرحلة من مراحل إنتاج الغذاء، من الزراعة إلى التوزيع، تعتمد على الوقود والكهرباء والمواد الكيميائية. على عكس إنتاج الحبوب، الذي يمكن نقله جغرافياً، يرتبط إنتاج الأسمدة بموارد محددة، مما يجعل الاستبدال السريع أمراً صعباً. يرى المحللون أن الأزمة تُبرز ضرورة التعامل مع الأسمدة كمورد استراتيجي، على غرار الطاقة، ما يستلزم تنويع سلاسل الإمداد وتوفير احتياطيات للطوارئ. التوقعات: صدمة عالمية بطيئة التفاقم بينما لم تتضح آثارها الكاملة بعد، يحذر الخبراء من أن المسار الحالي يُنذر بأزمة غذائية عالمية طويلة الأمد وربما أشد وطأة. إذا استمر النزاع خلال مواسم الزراعة الرئيسية، فإن الآثار المُجتمعة لانخفاض استخدام الأسمدة، وارتفاع تكاليف الطاقة، وتقلبات الأحوال الجوية، قد تُؤدي إلى اضطراب كبير في الإمدادات الغذائية العالمية، مُحوّلةً بذلك مؤشرات التحذير الحالية إلى تحدٍّ إنساني واسع النطاق.