«دولة التلاوة» أعاد الاعتبار لجمال الأداء فى عالم التلاوة القرآنية تبقى المقامات الصوتية أحد أهم أسرار الجمال والتأثير فى أداء القارئ، فهى الجسر الذى يعبر من خلاله المعنى إلى القلوب قبل الآذان، وفى برنامج دولة التلاوة برز اسم د.طه عبد الوهاب كأحد أبرز الخبراء فى علم المقامات، حيث كان حضوره لافتًا ومؤثرًا، يجمع بين العلم والدقة والذوق الفنى الرفيع. فى هذا الحوار يكشف لنا د.طه عبد الوهاب أسرار المقامات، ورؤيته لدور البرنامج فى إحياء فن التلاوة، وكيف يمكن للقارئ أن يوازن بين جمال الصوت وخشوع الأداء. ■ كيف كانت رحلتكم مع علم المقامات الصوتية؟ - بدأت منذ سنوات طويلة، حين كنت أستمع بشغف إلى كبار قرّاء القرآن فى مصر والعالم الإسلامى، مثل الشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ مصطفى إسماعيل وغيرهما من أعلام التلاوة، كنت ألاحظ أن لكل قارئ طابعًا خاصًا فى الأداء، ومع الوقت أدركت أن السر يكمن فى علم المقامات الصوتية، ومن هنا بدأت رحلة التعلم والبحث والدراسة، حتى أصبح هذا العلم جزءًا أساسيًا من حياتى. ■ كيف ترون أهمية المقامات فى التلاوة القرآنية؟ - المقامات ليست مجرد زخرفة صوتية أو استعراض للقدرات، بل هى وسيلة تعبيرية تساعد القارئ على توصيل المعنى القرآنى بشكل أعمق، عندما يختار القارئ المقام المناسب للآية فإنه يعبر عن معناها ومشاعرها، فآيات الرحمة لها روح، وآيات الوعيد لها روح أخرى، والمقام يساعد على إبراز هذه المعانى بصورة مؤثرة تصل إلى قلب المستمع. ■ مشاركتكم فى برنامج دولة التلاوة لاقت إشادة واسعة.. كيف تقيمون هذه التجربة؟ - أعتبرها تجربة مهمة جدًا فى مسيرتى، لأن البرنامج لم يكن مجرد مسابقة للقرآن الكريم، بل منصة علمية وثقافية تسعى لإحياء فن التلاوة الصحيح، ما أسعدنى فى البرنامج هو اهتمامه بتعليم المتسابقين وإرشادهم، وليس فقط تقييمهم، كان هناك حرص واضح على تقديم التلاوة بصورة تليق بكتاب الله، سواء من حيث الأحكام أو المقامات أو الأداء. ■ ما الدور الذى كنتم تحرصون على تقديمه خلال البرنامج؟ - حرصت على توضيح الجوانب الفنية فى التلاوة بطريقة مبسطة، حتى يفهمها المتسابق والجمهور معًا، كنت أشرح سبب اختيار المقام فى موضع معين، وكيف يمكن للقارئ أن ينتقل بين المقامات دون تكلف، الهدف لم يكن النقد بقدر ما كان توجيهًا وتعليمًا، لأن القارئ الحقيقى هو من يتعلم باستمرار. ■ ما أبرز الأخطاء التى يقع فيها بعض القرّاء فى استخدام المقامات؟ - أكبر خطأ هو أن يتحول المقام إلى هدف فى حد ذاته، فيبالغ القارئ فى الاستعراض الصوتى على حساب الخشوع والمعنى، التلاوة ليست حفلًا غنائيًا، بل عبادة عظيمة، ولذلك يجب أن يظل المقام فى خدمة المعنى وليس العكس، القارئ المتميز هو من يعرف متى يستخدم المقام ومتى يكتفى ببساطة الأداء. ■ كيف يمكن للقارئ الشاب أن يتعلم المقامات بشكل صحيح؟ - البداية تكون بالاستماع الجيد إلى كبار القرّاء لأنهم المدرسة الحقيقية فى هذا الفن، بعد ذلك يأتى التعلم على يد متخصصين يفهمون المقامات وعلاقتها بالتلاوة، وليس بالغناء فقط. كما أن التدريب المستمر وتسجيل التلاوة ومراجعتها يساعدان القارئ على تطوير أدائه بشكل ملحوظ. ■ ما الذى يميز مصر فى مجال التلاوة القرآنية؟ - مصر كانت وما زالت مدرسة التلاوة فى العالم الإسلامى؛ هنا نشأ كبار القرّاء الذين أثروا العالم بأصواتهم، وهنا توجد تقاليد عريقة فى تعليم القرآن وتجويده، ما يميز مصر هو الجمع بين العلم والروح، فالتلاوة المصرية تمتاز بالخشوع والجمال فى آن واحد. ■ فى رأيكم.. ما مستقبل فن التلاوة فى ظل البرامج القرآنية الحديثة؟ - أنا متفائل جدًا، لأن هذه البرامج تعيد تسليط الضوء على جمال التلاوة وتقدم نماذج شابة واعدة، المهم أن تستمر هذه المبادرات فى الاهتمام بالتعليم والتوجيه، وليس فقط بالمنافسة. إذا تحقق ذلك فسنشهد جيلًا جديدًا من القرّاء يحمل رسالة القرآن بصوت جميل وفهم عميق. ■ كلمة أخيرة توجهونها للقرّاء الشباب ومحبى التلاوة؟ - أنصح كل قارئ بأن يجعل القرآن أولًا فى قلبه قبل صوته، فالصوت الجميل نعمة، لكنه لا يكتمل إلا بالإخلاص وفهم المعنى، وإذا اجتمع صدق النية مع جمال الأداء، فإن التلاوة تتحول إلى رسالة نور تصل إلى القلوب وتترك أثرًا لا يُنسى.