ليس التاريخ ما حدث فقط، بل ما نتمنى لو أننا سألنا عنه في حينه. وفي رمضان، حين يهدأ الزمن قليلاً، نتخيل أن نمد مائدة للكلام لا للأكل، وأن نستدعي من التاريخ من لا يزال صوته حاضرًا في أسئلتنا. وفي هذا الحوار المتخيَّل، يحاور الدكتور شريف خاطر رئيس جامعة المنصورة رائد النهضة التعليمية في مصر علي باشا مبارك، الذي حفر اسمه في سجل الخلود بما قدمه للوطن في مهد نهضته. البدايات.. رحلة كفاح نحو العلم ■ الأجيال الجديدة في حاجة لإطلالة سريعة على رحلتكم الثرية المليئة بالكفاح والعطاء؟ ولدت في قرية برنبال الجديدة التابعة لمركز دكرنس بمحافظة الدقهلية عام 1824م. حفظت القرآن الكريم وتعلمت مبادئ القراءة والكتابة، وكان طموحي الشديد ورغبتي في التعليم سببًا في انتقالي من قريتي إلى مدرسة الجهادية بقصر العيني وأنا في الثانية عشرة من عمري. كانت مدرسة داخلية ذات نظام عسكري صارم، ثم انتقلت بعدها مع زملائي إلى المدرسة التجهيزية بأبي زعبل. وبعد ثلاث سنوات تم اختياري مع عدد من المتفوقين للالتحاق ب مدرسة المهندسخانة عام 1839م، وتخرجت فيها عام 1844م متفوقًا، حيث كنت الأول على دفعتي باستمرار. البعثة إلى فرنسا ■ ماذا عن رحلتكم الدراسية في الخارج؟ تم اختياري ضمن مجموعة من الطلاب الفائقين للسفر إلى فرنسا في بعثة دراسية. تعلمت اللغة الفرنسية حتى أتقنتها، وقضيت ثلاث سنوات في المدرسة المصرية الحربية بباريس، ثم التحقت بكلية متز عام 1847م حيث درست المدفعية والهندسة الحربية لمدة عامين. وعندما تولى عباس الأول الحكم، أصدر أمرًا بعودة أفراد البعثة، فعُدنا إلى مصر عام 1851م. مرحلة العمل وبناء النهضة التعليمية ■ وماذا عن المرحلة الثانية من حياتكم العملية بعد العودة إلى مصر؟ بعد عودتي عملت بالتدريس، وأشرفت على امتحانات المهندسين وصيانة القناطر الخيرية، كما أعددت خطة لإعادة تنظيم ديوان المدارس وتخفيض أعباء الإنفاق. وتم تكليفي بنظارة المدارس ومنحي رتبة أميرالاي، فقمت بتجميع المدارس في مكان واحد، وأعدت ترتيبها وتنظيمها، كما تم تعيين المدرسين ووضع نظام الدراسة واختيار الكتب، إضافة إلى إنشاء مطبعتين لطباعة الكتب الدراسية. موسوعة «الخطط التوفيقية» ■ لماذا حظيت موسوعتكم «الخطط التوفيقية» بكل هذا الاهتمام؟ لأنها سدّت فراغًا كبيرًا في دراسة جغرافيا القاهرة وتاريخها، خاصة بعد التغيرات الكبيرة التي حدثت منذ عصر المقريزي. تضمنت الموسوعة وصفًا دقيقًا للمدينة ومنشآتها ومدارسها ومستشفياتها ومساجدها وكنائسها، كما أرخت للإسكندرية وباقي الأقاليم المصرية، وخصص جزءان منها للحديث عن نهر النيل، وفي الجزء الأخير تم التأريخ للنقود المصرية. تعليم البنات.. رؤية سبقت عصرها ■ أسستم مدرسة «السيوفية» كأول مدرسة عامة لتعليم البنات في مصر.. هل توقعتم تلك النهضة التعليمية للفتيات؟ عند إنشاء المدرسة التحق بها عدد محدود للغاية، أقل من عدد فصل واحد في بعض المدارس اليوم، وكان ذلك بسبب القيود الاجتماعية وارتفاع نسبة الفقر آنذاك. لكنني كنت مؤمنًا بأن هذه المدرسة ستكون بذرة لتعليم الفتيات، وأن عدد المدارس والطالبات سيتضاعف مع مرور الزمن. التعليم في مصر اليوم ■ ما رأيكم في واقع التعليم الراهن في مصر وكيف يمكن تطويره؟ هناك طفرة كبيرة وغير مسبوقة في بناء المدارس والجامعات وتطوير المنشآت التعليمية، لكن المرحلة القادمة تتطلب التركيز على جودة التعليم وليس الكم فقط. ويجب مواكبة التطور العالمي في المناهج وطرق التدريس وأساليب التقييم، والابتعاد عن الحفظ والتلقين، حتى تصبح الجامعات قادرة على إعداد أجيال تسهم في تنمية المجتمع والارتقاء به في مختلف المجالات.