مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتوسع دائرة المواجهات بين إسرائيل وإيران وحلفائها، بدأت تتكشف تفاصيل جديدة حول الاستعدادات العسكرية التي سبقت الهجمات التي نفذها حزب الله اللبناني ضد إسرائيل. وتشير تقارير استخباراتية ومصادر مطلعة إلى أن حزب الله أمضى شهورًا طويلة في إعادة بناء قدراته العسكرية وتجديد ترسانته من الصواريخ والطائرات المسيّرة، في إطار استعدادات واسعة لمواجهة محتملة مع إسرائيل. وأوضحت هذه التحضيرات، التي تمت في ظل تداعيات الحرب العنيفة بين حزب الله وإسرائيل عام 2024، إدراك الجماعة اللبنانية بأن جولة جديدة من القتال قد تكون حتمية. وفي الوقت الذي كان فيه الحزب يسعى إلى التعافي من الخسائر العسكرية والبشرية التي تكبدها خلال الحرب السابقة، كان يعمل بالتوازي على إعادة تنظيم هياكله القيادية وتعزيز قدراته العسكرية بدعم مباشر من إيران. وكشفت مصادر متعددة تحدثت لوكالة "رويترز" عن تفاصيل غير مسبوقة حول هذه الاستعدادات، مشيرة إلى أن حزب الله اعتمد على تمويل إيراني ضخم، إلى جانب التصنيع المحلي للأسلحة، لإعادة بناء ترسانته وتحضير قواته لأي مواجهة مقبلة قد تكون مصيرية بالنسبة له. اقرأ أيضًا| الجيش الإسرائيلي يشن موجة جديدة من الغارات على طهران وأصفهان إعادة بناء القوة العسكرية قبل المواجهة أفادت ستة مصادر مطلعة على استعدادات حزب الله بأن الجماعة أمضت شهورًا في تجديد ترسانتها العسكرية، مستفيدة من الدعم الإيراني ومصانع أسلحة مرتبطة بطهران، وذلك استعدادًا لاحتمال اندلاع حرب جديدة مع إسرائيل. وأوضحت المصادر أن قيادة الحزب خلصت خلال تلك الفترة إلى أن جولة قتال جديدة مع إسرائيل أصبحت شبه حتمية، رغم أن الجماعة خرجت منهكة من الصراع العنيف الذي دار بين الطرفين عام 2024. وكشفت المعلومات التي نقلتها "رويترز" أن الحزب كان يدرك أن أي مواجهة مقبلة قد تشكل تهديدًا وجوديًا له، ما دفعه إلى تكثيف جهوده لإعادة التسلح وإعادة تنظيم قواته تحسبًا لأي تصعيد. واعتمدت الوكالة في تقريرها على شهادات ثلاثة مصادر لبنانية مطلعة على أنشطة حزب الله، إضافة إلى مسؤولين أجنبيين اثنين يعملان في لبنان، ومسؤول عسكري إسرائيلي، وجميعهم تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم بسبب حساسية المعلومات. وأشارت الوكالة إلى أن تفاصيل هذه الجهود لإعادة التسلح لم تكن قد كُشفت من قبل. من جانبه، قال رئيس المكتب الإعلامي لحزب الله يوسف الزين إن الحزب لن يعلق على عملياته العسكرية، لكنه أكد أن عناصر الجماعة "مقررون المواجهة حتى الرمق الأخير". تمويل إيراني لإعادة بناء الترسانة كشف أحد المصادر اللبنانية المطلعة على الشؤون المالية والعسكرية للحزب أن الجماعة اعتمدت على ميزانية شهرية تقدر بنحو 50 مليون دولار لدعم عملياتها. وأوضح المصدر أن الجزء الأكبر من هذه الميزانية يأتي من إيران، ويخصص بشكل أساسي لدفع رواتب المقاتلين، وهو ما أكده أيضًا أحد المسؤولين الأجانب. لكن المصادر أشارت إلى أنه لا يزال من غير الواضح متى بدأ حزب الله الاعتماد على هذه الميزانية الشهرية الجديدة، وكيف تقارن بحجم الموارد المالية التي كان يمتلكها سابقًا. وفي السياق نفسه، أعلنت الجماعة أن الدعم المالي الإيراني ساعد أيضًا في تمويل إيجارات آلاف اللبنانيين الذين نزحوا خلال حرب 2024. وبحسب المعلومات، ظل نحو 60 ألف لبناني – معظمهم من الطائفة الشيعية التي تشكل القاعدة الشعبية الرئيسية لحزب الله – نازحين خلال العام الماضي، بعدما تحولت منازلهم إلى أنقاض بسبب المعارك. تصنيع محلي للأسلحة أفادت المصادر اللبنانية والمسؤولان الأجنبيان، إضافة إلى المسؤول العسكري الإسرائيلي، بأن حزب الله عمل خلال الأشهر الماضية على إعادة بناء مخزونه من الصواريخ والطائرات المسيّرة عبر التصنيع المحلي. وأشار المسؤول العسكري الإسرائيلي إلى أن القدرة التصنيعية للحزب تراجعت مقارنة بالماضي. كما كشف أحد المسؤولين الأجانب أن الجماعة نشرت صواريخ جديدة ومواد لوجستية إيرانية الصنع في جنوبلبنان قبل اندلاع الحرب الأخيرة. وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي اللفتنانت كولونيل نداف شوشاني إن حزب الله لا يزال يمتلك كميات كبيرة من الأسلحة المتبقية من المواجهات السابقة، مضيفًا أن الجماعة كانت تحاول إعادة التسلح رغم الجهود الإسرائيلية لإحباط ذلك. وأضاف شوشاني أن إسرائيل كانت تعمل باستمرار على منع إعادة تسليح الحزب. تصاعد القصف بعد وقف إطلاق النار كانت الحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحزب الله عام 2024 قد انتهت بوقف لإطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة الولاياتالمتحدة. وعقب الاتفاق، أوقف حزب الله هجماته ضد إسرائيل، لكن تل أبيب واصلت تنفيذ ضربات قالت إنها تستهدف محاولات الحزب إعادة بناء قدراته العسكرية. كما أبقت إسرائيل قواتها متمركزة في خمس نقاط عسكرية على قمم تلال جنوبلبنان. وفي الوقت نفسه، بدأت السلطات اللبنانية خلال العام الماضي مصادرة أسلحة تابعة لحزب الله في جنوب البلاد، غير أن إسرائيل قالت إن الجماعة تعيد تسليح نفسها بوتيرة أسرع من عملية نزع سلاحها. وقبل أسابيع من اندلاع الحرب الإقليمية الأخيرة، أكد أحد المصادر اللبنانية ل"رويترز" أن حزب الله كان يعمل على إعادة بناء قدراته العسكرية بالتوازي مع العمليات الإسرائيلية التي تستهدف تدميرها. اقرأ أيضًا| الرئيس الإيراني: مجلس القيادة المؤقت وافق على عدم شن هجمات ضد الدول المجاورة مؤشرات على حجم الترسانة العسكرية كشفت وتيرة الهجمات التي نفذها حزب الله في الأيام الأولى من المواجهة الأخيرة عن حجم مخزونه من الأسلحة. وذكر مسؤول أجنبي ثان يتابع نشاط الجماعة عن كثب أن الحزب أطلق نحو 60 طائرة مسيّرة وصاروخًا في الثاني من مارس، وهو اليوم الأول للهجمات على إسرائيل، ثم أطلق عددًا مماثلًا في اليوم التالي. لكن المسؤول أشار إلى أن الحزب أطلق في الرابع من مارس أكثر من ضعف هذا العدد من المقذوفات، ما يدل على امتلاكه مخزونًا أكبر من الأسلحة. وقدرت منظمة "ألما" الإسرائيلية للأبحاث الأمنية أن ترسانة حزب الله عشية الهجوم كانت تضم نحو 25 ألف صاروخ وقذيفة، معظمها قصيرة ومتوسطة المدى. كما نشر حزب الله في الرابع من مارس مقطع فيديو يظهر أحد مقاتليه وهو يجهز طائرة مسيّرة من طراز "شاهد-101" في منطقة غابات. قوة الرضوان تعود إلى الجنوب أفادت تقارير هذا الأسبوع بأن حزب الله أعاد نشر مقاتلين من قوة "الرضوان"، وهي وحدة النخبة في الجماعة، في جنوبلبنان. وكان الحزب قد سحب هذه القوة من المنطقة بعد انتهاء الحرب مع إسرائيل عام 2024. وفي المقابل، استمرت إسرائيل بعد وقف إطلاق النار في استهداف ما قالت إنها معسكرات تدريب تابعة للحزب. وفي أواخر فبراير، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفذ ضربات على ثمانية مجمعات عسكرية تستخدمها قوة الرضوان لتخزين الأسلحة والاستعداد للمواجهة. خسائر بشرية وصعوبات في التجنيد قال مسؤول إسرائيلي ومسؤول أجنبي إن حزب الله يواجه صعوبات في تجنيد مقاتلين جدد نتيجة الضربات التي تعرض لها خلال الحرب السابقة. وكان الحزب قد خسر نحو خمسة آلاف مقاتل خلال حرب عام 2024، في واحدة من أكبر الخسائر البشرية التي تعرض لها منذ تأسيسه. لكن أحد المصادر اللبنانية أكد أن الجماعة لا تزال تمتلك نحو 95 ألف مقاتل. قرار الهجوم الاستباقي قبل انخراط حزب الله في الحرب الإقليمية الأخيرة، أفاد مصدر لبناني بأن قيادة الحزب أصبحت مقتنعة بأن إسرائيل تخطط لشن هجوم واسع عليه بهدف تعطيل قدرته على الرد. وأوضح مسؤول أجنبي ثالث مطلع على تفكير قيادة الحزب أن هذا التقييم دفع الجماعة إلى اتخاذ قرار بشن الهجوم أولًا. وأشار المسؤول إلى أن الحزب كان يخشى أن تحول إسرائيل تركيزها العسكري لاحقًا من إيران إلى حزب الله. وأضاف المسؤول: "كانوا يعلمون أنهم التالي على القائمة".