نظرة واحدة على خريطة الشرق الأوسط، كفيلة برصد حالة السيولة الاستراتيجية، عدم الاستقرار الذى تعيشه، واستعداد قوى مهمة فيه، لرسم خرائط جديدة له، تتناسب مع مصالحها، وتتوافق مع أهدافها، وآخرها الهجوم الأمريكى الإسرائيلى على إيران، الذى وصلت توابعه ومسرح عملياته إلى كل دول الخليج، التى وجدت نفسها فى خضم حرب حقيقية (لا ناقة لها فيها ولا جمل) مع دول أخرى قد يكون عددها هو الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، والتى تدار وفقاً (لحسابات خاطئة)، وبعضها قد يصل إلى درجة (الخطيئة التى لا تغتفر)، الخطأ الأمريكى أن إدارة ترامب تجيد الصفقات، ولكنها تفتقر إلى قراءة التاريخ، لتعرف أن طرف المواجهة هى إيران، دولة صاحبة إسهام حضاري، وتملك قدرات ضخمة، استطاعت بها الصمود فى مواجهة حصار كامل على كافة المستويات، طوال الحقب الماضية، منذ بدء نظام الملالى فى إيران عام 1979، أخطأت واشنطن - ثانياً - عندما تصورت أن المواجهة قد تكون مجرد نزهة، أو استنساخ لنموذج فنزويلا، التى استسلمت بعد خطف رئيسها، واستجابت الإدارة الجديدة لكل مطالب واشنطن، ولهذا فقد سعت إلى النيل من رأس النظام على خامنئي، وكبار القادة العسكريين، على أساس أن ذلك كفيل بإسقاطه، وهو ما لم يحدث. كما أخطأت إيران، فى رد فعلها غير المبرر بالهجوم على دول الخليج، رغم تأكيد الأخيرة، أنها لن تسمح باستخدام أرضها منطلقاً أو معبراً للهجمات الأمريكية، وليس هناك أى دلائل على استخدام القواعد الأمريكية فى المنطقة فى العمليات الأخيرة، بل وصلت الأمور إلى مهاجمة ميناء الدقم فى سلطنة عمان، صاحبة الدور الأبرز فى الوساطة بين الطرفين، مما دفع كل دول الخليج إلى استخدام قدراتها فى حماية نفسها، والاصطفاف سياسياً مع واشنطن، وهذا واضح من البيان الخليجى الأمريكى الذى صدر الأحد الماضي. والمستفيد الوحيد من تلك المواجهة، هى إسرائيل فقط، التى نجحت فى الدفع بالإدارة الأمريكية فى تصدر العمليات العسكرية، رغم أنها لا تمثل تهديداً لها، أو حتى لمصالحها فى المنطقة، وأقف عند المواجهة العسكرية بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران، فقط للتدليل على حالة السيولة وعدم الاستقرار التى تصب فى صالح الاستراتيجية الإسرائيلية، لرسم خريطة جديدة فى المنطقة، والتى ستختلف تماماً عما كانت عليه فى نهاية المواجهات، وهو ما أشار إليه وزير الدفاع الإسرائيلى السابق جالانت، الذى كتب تحليلاً بعنوان: (الأسابيع القادمة، ستحدد مستقبل الشرق الأوسط لعقود). ويمكننا أن نرصد ملامح المخطط الإسرائيلى من خلال مسارين، وهما كالتالي: الأول: خروج نوايا تل أبيب، فى الوصول إلى تحقيق هدفها إلى إقامة إسرائيل الكبرى إلى العلن، وبشكل فج، والذى يعنى ضم مناطق عديدة من دول عربية إليها، وقد أشرنا إلى ذلك فى مقال سابق، ولكن الجديد هو الاصطفاف الإسرائيلى حول الهدف، وكان ذلك واضحاً فى تصريحات يائير لابيد زعيم المعارضة فى إسرائيل، والتى أنقلها نصاً، حيث تحدث عن أن (عقد ملكيتنا على أرض إسرائيل هو الكتاب المقدس، والذى يرسم لنا حدودنا، وأدعم خطط إسرائيل الكبري، التى تتبنى الاستيلاء على المنطقة العربية، من نهر الفرات إلى نهر النيل). الثاني: مقترح نتنياهو الجديد، عن تحالفات تل أبيب فى المرحلة القادمة، بالعمل على تشكيل تحالف إقليمى سداسي، لمواجهة المحور السنى الراديكالي، الآخذ فى الصعود، بعد أن انتهت من مهمة استهداف المحور الشيعي، الذى يتهاوي، ولم يخفِ هدفه، وقالها صراحة: (التعاون مع هذه الدول فى حال انضمامها إلى التحالف، يمكن أن يثمر نتائج كبيرة، تضمن متانة إسرائيل ومستقبلها)، ولأن اللعب على المكشوف، فإن نتنياهو تبرع قاصداً الكشف عن بعض أعضاء الحلف، مثل اليونان وقبرص، وقال إنه يشمل دولًا عديدة بعضها يزورنا - يقصد الهند - بوجود رئيس وزراء الهند فى تل أبيب، وبعضها نزوره فى إشارة إلى مباحثات الرئيس الإسرائيلى إسحاق هرتسوغ فى أثيوبيا، ولن أتوقف عند إشارته إلى وجود دول عربية، فهو أمر يتجاوز حدود العقل والمنطق، حتى من الدول التى انضمت إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، إلا إذا كان يقصد أرض الصومال غير المعترف بها دولياً، سوى من تل أبيب، وحقيقة الأمر، أن هناك مصالح مشتركة بين تل أبيب والهند، خاصة فى ظل التقاطع بين التطرف الهندوسى والصهيونية السياسية، ورغبة الهند فى تعزيز حضورها الاستراتيجى فى المنطقة، تحقيقاً لمشروع الممر الاقتصادى الذى أعلنه الرئيس الأمريكى السابق جون بايدن عام 2023، على هامش قمة العشرين، الذى يربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط، كما عززت زيارة الرئيس الإسرائيلى لأديس أبابا التعاون بين البلدين، فى ظل وجود مصالح لكل طرف، تل أبيب تبحث عن (موطئ قدم) فى منطقة القرن الإفريقى وجنوب البحر الأحمر، على ضوء تداعيات ما جرى بعد أكتوبر 2023، ورغبة أثيوبيا فى دعم تل أبيب للمطلب الخاص بالحصول على منفذ على السواحل الإرتيرية، وهى السردية التى عمل عليها رئيس الوزراء الإثيوبى منذ يوليو 2023، وقد سعى إلى توقيع مذكرة تفاهم بذلك مع حكومة أرض الصومال، غير المعترف بها فى يناير 2024، إلا أن الرفض الدولى والإقليمى لها، نجح فى تجميدها، ولعل الزيارة تكون تنشيطاً لدور إسرائيلى فى هذا المسار، وإقناع واشنطن بدعم المطلب الإثيوبى. لقد جسدت تصريحات نتانياهو حول المحور السني، رؤية تل أبيب التى لا تستطيع سوى العيش فى إطار صراع مستمر، وخلق عدو حتى لو كان وهمياً، فهى تمثل ترهات وأكاذيب، خاصة إذا كان يقصد بهذا المحور دولاً مثل مصر والسعودية وقطر وتركيا وباكستان، فليس هناك أى خطط بهذا المعني، وما بينها شراكات استراتيجية ثنائية، ترعاها قيادات تلك الدول، مثل تشكيل مجلس تعاون استراتيجى رفيع المستوى برئاسة رئيسى مصر وتركيا، تم التوقيع عليه فى فبراير2024، ومع السعودية هناك مجلس التنسيق الأعلي، الذى تم الإعلان عنه فى أكتوبر من نفس العام، واتفاقية للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان فى سبتمبر الماضي، وهو نفس ما جرى بين الرياض والدوحة. الاصطفاف فى (محور سني) أكاذيب يروجها نتنياهو، ولكن التنسيق مطلوب وبإلحاح، لمواجهة تداعيات ما بعد الحرب الإيرانية مع أمريكا وإسرائيل.