على ضفاف النيل بمنطقة «المظلات»، حيث لا تتوقف ضوضاء السيارات وصخب الحياة فى حى شبرا العريق، يرتفع فجأة صمت مهيب يفرضه بناء أسطورى، قد يظن العابر أنه أمام قطعة نزعت من قلب «إسطنبول» لتغرس فى طين القاهرة؛ مآذن تعانق السحاب، وقباب تتراص بهندسة بيزنطية ساحرة تذكرك فوراً بالبنايات الأسطورية العثمانية «آيا صوفيا»، المسجد الأزرق ومسجد السلطان أحمد وغيرها. اقرأ أيضًا | أمن المياه خط أحمر| مدبولى وإدريس يؤكدان رفض أى إجراءات أحادية بحوض النيل لكن خلف هذا الجمال المعمارى، تختبئ قصة «صبر» استمرت لتسعة وأربعين عاماً، لم يكن مجرد بناء لمسجد، بل كان معركة مع الزمن خاضها أجيال من أهل شبرا، «طوبة طوبة» و«جنيه بجنيه». بدأت الحكاية عام 1977، وظلت الوعود معلقة فى السماء تماماً كآذانه، حتى انفتحت الأبواب أخيراً فى 2026 ليعلن المسجد نهاية أطول فترة انتظار لبناء دور عبادة فى العصر الحديث. هنا «مسجد الرحمن».. حيث يحكى كل حجر فيه حكاية شخص تبرع ولم يعش ليصلى فيه، وقصة مهندس شاب بدأ التصميم وشاب شعره قبل أن يرى القبة المركزية تكتمل. فى عام 1980، وضع الشيخ حافظ سلامة حجر الأساس ليكون هذا المسجد «قلعة إسلامية» على ضفاف النيل، لم يكن مجرد مكان للصلاة، بل كان حلماً لجمعية الهداية الإسلامية بالسويس ليكون منارة للعلم، مرت العقود، رحل الشيخ حافظ سلامة عن عالمنا فى 2021 والمسجد لم يكتمل بعد، لكن حلمه لم يمت؛ حيث انتقلت التبعية للأزهر الشريف ليتحول إلى «رواق أزهري» يدرس المنهج الوسطي. فى السادس عشر من فبراير 2026، كانت شبرا مصر على موعد مع التاريخ، انطلقت التكبيرات من مآذن مسجد الرحمن بالمظلات لتعلن نهاية «أطول قصة بناء» فى تاريخ مساجد القاهرة الحديثة، نحو 50 عاماً من الانتظار، من انطلاق الفكرة عام 1977 وحتى شتاء 2026، تحول خلالها الحلم الذى بدأه الأجداد إلى واقع أبهر الأحفاد، بطله مبنى معمارى متميز.. عندما تقف أمام المجمع، ستدرك فوراً التشابه بينه وبين «آيا صوفيا، حيث السيادة البصرية - المآذن الأربع التى تخترق سماء القاهرة بارتفاع يبلغ 110 أمتار - تشبه فى توزيعها مآذن آيا صوفيا الأربع الشهيرة، والقباب المتدرجة - التى تعطى انطباعاً بالعظمة والفخامة التى ميزت العمارة الإسلامية فى أوج زهوتها، الروح الأزهرية - التصميم الداخلى الذى يجمع بين الفخامة المعاصرة وبين «هيبة» أروقة الأزهر القديمة، بالإضافة إلى مساحته التى تبلغ 4000 متر، ويسع 15 ألف مصل. وأكد د.محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف أن هذا المجمع الجديد سيقدم حزمة متكاملة من الأنشطة العلمية والتوعوية التى تميز بها الجامع الأزهر عبر القرون، من أبرزها: احتواء النشء عبر تحفيظ القرآن الكريم وتعليم أمور الدين وفق المنهج الأزهرى المعتدل الذى يحمى العقول من الغلو والتطرف، وإنشاء «رواق العلوم الشرعية والعربية» لتعميق الفهم الأكاديمي، و«رواق الطفل» لبناء جيل مثقف دينيًا، والمقارئ القرآنية: التى تُعنى بضبط التلاوة والقراءات بإشراف نخبة من المتخصصين. وقال د.هانى عودة مدير عام الجامع الأزهر أن مجمع الرواق الأزهرى بالمظلات هو أيقونة معمارية شاهدة على تلاحم الإرادة الشعبية مع المنهج الأزهرى الوسطي، حيث لم يعد مجرد ساحة للصلاة، بل تحول إلى منارة علمية بعد رحلة بناء استثنائية استغرقت قرابة نصف قرن. وأشار إلى أنه لم يكن الطريق لتدشين هذا الصرح مفروشاً بالورود؛ فالمسجد الذى عُرف لعقود باسم «مسجد الرحمن»، والذى تبنت فكرة إنشائه «جمعية الهداية الإسلامية» ضمن 36 مسجدًأ تم بناؤهم بالكامل عبر التبرعات والجهود الذاتية لأهالى المنطقة والمحبين.. وأوضح أن المشروع واجه تحديات اقتصادية جمة على مدار 47 عاماً، حيث كان العمل يتقدم ببطء معتمداً على التبرعات، مما جعل كل حجر فيه يحمل قصة تفانٍ شعبية. وقد فرض اختيار طراز مسجد «آيا صوفيا» الشهير بتركيا ليكون نموذجاً للمسجد، تحديات تقنية معقدة فى بناء القباب الضخمة والمآذن الشاهقة، وهو ما تطلب عمالة حرفية نادرة وتكلفة إنشائية باهظة. يُصنف المجمع اليوم كواحد من أجمل المساجد الحديثة فى مصر، حيث يجمع بين هيبة العمارة الإسلامية الكلاسيكية وانسيابية التصميم الحديث، حيث يتميز المسجد بقبة مركزية ضخمة تحيط بها أنصاف قباب تمنح المصلى شعوراً بالاتساع والسكينة، وتسمح بتدفق الضوء الطبيعى بشكل يبرز الزخارف اليدوية الدقيقة، وزين بأربعة منارات رشيقة غاية فى الدقة والجمال. فى لقاء مع أحد المصلين من قاطنى شبرا - الحاج محمود 70 عاما، قال «هذا المسجد ليس مجرد حوائط ومآذن بالنسبة لنا، هو عمرنا اللى جرى، أتذكر يوم وضع حجر الأساس، كنا شباب وقتها، بنعدى عليه وهو مجرد «عواميد خرسانة» ونقول يا رب نلحق نصلى فيه العيد، السنين سرقتنا، وشعرنا شاب، وولادنا اتجوزوا وخلفوا، والمسجد لا يزال «حلم»، كان فيه أيام بنفقد الأمل ونقول «عمره ما هيخلص»، وأيام تانية نشوف شغل جديد فنفرح ونقول قرب ينتهى، يوم 16 فبراير، سمعت الأذان منه لأول مرة لم تسعنى الدنيا من الفرحة، دخلت صليت وبكيت.. وتذكرت جيرانى وأصحابى الذين كانوا يجمعون التبرعات للمسجد وماتوا ولم يروه بعد الاكتمال، واليوم عندما أرى المآذن الأربعة تضيئ ليلا، أشعر أن تعب السنين لم يذهب هدرا، وأن ربنا أراد أن يفتتح المسجد وهو فى أبهى صورة.