في لحظة إقليمية دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة والاقتصاد، جاءت الضربات الأخيرة ضد إيران لتطرح سؤالًا يتجاوز مشهد الدخان والحرائق: هل نحن أمام عملية عسكرية محدودة لإعادة ضبط ميزان الردع، أم بداية مسار قد يعيد تشكيل خرائط النفوذ والاستقرار في المنطقة؟ أكد السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، الذي اعتبر أن فهم ما جرى لا ينبغي أن يقتصر على قياس حجم الخسائر أو دقة الأهداف، بل يجب أن ينطلق من تحليل الغاية السياسية الكامنة وراء الضربة. يرى حجازي، أن الاحتمال الأكثر واقعية لا يتمثل في السعي إلى تغيير النظام في إيران، فدولة بحجمها وتعقيداتها المؤسسية وتماسك بنيتها الأمنية وامتداداتها الإقليمية تجعل كلفة هذا السيناريو باهظة إلى حد يتجاوز أي مكاسب محتملة. والأرجح، علي حد قوله، أن الضربات تهدف إلى "تعديل السلوك" عبر فرض كلفة استراتيجية وإعادة ضبط معادلات الردع، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة يصعب التحكم في تداعياتها، إنها محاولة لإعادة رسم حدود الاشتباك، لا لإسقاط المعادلة بالكامل. وعلى مستوى البرنامج النووي، يؤكد حجازي، أن أي عملية عسكرية – مهما بلغت دقتها – لا يمكنها محو المعرفة التقنية المتراكمة أو تفكيك البنية البشرية التي بُنيت عبر سنوات، قد تتعرض منشآت لأضرار، وقد يتباطأ مسار التخصيب، لكن الحديث عن إنهاء كامل ودائم للبرنامج يظل أقرب إلى الطموح السياسي منه إلى الواقع العملياتي. وينسحب المنطق ذاته على برنامج الصواريخ الباليستية، الذي يقوم على انتشار جغرافي واسع ومنصات متحركة وبنية تحتية محصنة تقلل من فاعلية الضربات التقليدية. أقصى ما يمكن تحقيقه، بحسب رؤيته، هو إرجاء زمني للقدرات، لا إلغاؤها، ما لم تترافق العمليات العسكرية مع مسار سياسي وأمني طويل الأمد يعيد صياغة البيئة الاستراتيجية المحيطة. وأشار حجازي، إلي أن نفوذ إيران لا يستند فقط إلى قوتها الوطنية، بل إلى شبكة تحالفات وأذرع غير متماثلة، تشمل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وفصائل مسلحة في العراق. وأكد وزير الخارجية الأسبق، أن الشبكات، التي تتمتع بدرجة من الاستقلال العملياتي، تمنح طهران قدرة على المناورة غير المباشرة، ومن ثم، قد تؤدي الضربات إلى تصعيد "بالوكالة" يهدف إلى رفع كلفة الاستهداف، أو إلى احتواء محسوب لتفادي اتساع المواجهة. وأوضح السفير حجازي، أن النفوذ قد يهتز تكتيكيًا، لكنه لا ينهار بسهولة لأنه متجذر في معادلات سياسية واجتماعية داخل تلك الساحات. وعن البعد الاقتصادي لإغلاق مضيق هرمز، أشار حجازي، إلى أن أسواق الطاقة تبقى الأكثر عرضة للتأثر، إذ يشكل مضيق هرمز شريانًا حيويًا يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، أي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس فورًا على الأسعار وكلفة التأمين وسلاسل الإمداد. أما خيار الإغلاق الكامل، فيراه مساعد وزير الخارجية الأسبق، عالي المخاطر، لأنه قد يستجلب تدخلًا دوليًا مباشرًا، ويضر في الوقت ذاته بالمصالح الاقتصادية الإيرانية، لذا فإن التلويح بالتصعيد قد يكون أداة ضغط سياسية أكثر منه خيارًا استراتيجيًا قابلًا للاستدامة. وأكد السفير محمد حجازي، إلى أن المرحلة الراهنة لا تمثل حسمًا عسكريًا بقدر ما تعكس محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك وفرض توازن ردع جديد. فالضربات قد تؤخر برامج وتعيد ترتيب حسابات، لكنها لا تمحو حقائق الجغرافيا السياسية ولا تفكك شبكات النفوذ المتشابكة. والتحدي الأكبر، كما يوضحه حجازي، هو منع الانزلاق من ردع محدود إلى حرب استنزاف مفتوحة، لأن مثل هذا المسار لن يغيّر سلوك طرف واحد فحسب، بل قد يعيد رسم معادلات الاستقرار في المنطقة بأسرها.