مولاي إني ببابك قد بسطت يدي، من لي ألوذ به إلاك يا سندي؟، أقوم بالليل والأسحار ساجدة، أدعو وهمسي بذكر الله يرتفع"، بصوت يملؤه الخشوع، وكأنه آت من السماء ليداوي قلوب المتعبين، انطلق ذلك النداء الخالد، تواشيح النقشبندي، والذي لم يكن مجرد منشدا، بل كان صوته كالجسر الذي يربط السماء بالأرض. ولد الشيخ سيد محمد النقشبندي في عام 1920 بمحافظة الدقهلية، لكن روحه تشكلت في صعيد مصر بطهطا، حيث تشرب فنون الإنشاد الديني وتأثر بآل البيت، لم يكن صوتاً عادياً، بل كان يمتلك حنجرة تستطيع التنقل بين المقامات الموسيقية بسلاسة مذهلة، وبمساحة صوتية بلغت ثمانية أوكتافات، مما جعله سيد المدّاحين في مصر وحالة فريدة في الابتهالات والأغاني الصوفية، وتمكن من قلوب الناس فهزهم لحنه وشجنه وجعلهم يرنون إلى السماء. في عام 1972 احتفل الرئيس السادات بخطبة إحدى كريماته، وكان من بين الحضور المنشد الديني المصري الشيخ سيد النقشبندي والموسيقار بليغ حمدي والإذاعي وجدي الحكيم. "في جلسة لم تكن عادية، قال الرئيس السادات لبليغ حمدي: 'عاوز أسمع الشيخ النقشبندي ببصمة ألحانك'، لم يكن المداح يدرك أن هذا الأمر الرئاسي سينتج أعظم ابتهال في تاريخ الإنشاد، ليتحول خوفه من 'المزيكا' إلى خلود يتردد في مآذن القلوب قبل الراديو." وكان السادات يستمع للنقشبندي منذ زمن، وعندما التقى به هذه المرة خطر بباله أن يُضيف رافدًا جديدًا لابتهالاته الدينية، فقال لبليغ حمدي "لمَ لا تلحن للشيخ سيد؟"، ثم أمر وجدي الحكيم بمتابعة الموضوع واطلاعه على التطورات، وكانت هذه هي البداية. بين حرج النقشبندي وذكاء بليغ حمدي: كان أمرًا رئاسيًا لا يمكن رفضه، لكن النقشبندي أحس بالحرج لكونه أحد القراء ومن أتباع الصوفية ولا يمكنه التحول لمطرب خصوصًا وأنه يعتبر بليغ حمدي مجرد موسيقار للأغاني الراقصة. بليغ كان ذكيا، فلجأ للشاعر عبد الفتاح مصطفى، وطلب منه أن يكتب له نصا دينيا مشحونا بالرضا والتسليم والرجاء والتوكل على الله وغير ذلك من المعاني التي تطغى على يوميات الشعب المصري المتدين، وعندما حصل على النص قال للنقشبندي سألحّن لك أغنية تعيش مئة عام. بعد تردد وتوجس قبل النقشبندي الدخول في المغامرة وغنى وأنشد وهزّ وجدان مصر والعرب، فكان قيثارة السماء التي تعزف في رمضان بعد الإفطار. وكانت كلمات الابتهال مَولاي إنّي ببابكَ قَد بَسطتُّ يَدي ... مَن لي ألوذُ به إلاك يا سَندي؟ أقُومُ بالليل والأسحارُ سَاهيةٌ ... أدعُو وهَمسُ دعائي بالدُّموُع نَدي بِنورِ وَجهِكَ إني عَائذٌ وجل ... ومن يعُذ بك لن يَشقى إلى الأبدِ.. مَهما لَقيتُ من الدُنيا وعَارِضِها ... فَأنتَ لي شُغلٌ عمّا يَرى جَسدي تَحلو مرارةُ عيشٍ في رضاك، ومَا ... أُطيقُ سُخطاً على عيشٍ من الرّغَدِ مَنْ لي سِواك، ومَنْ سِواك يَرى قلبي ... ويسمَعُه؟ كُلّ الخَلائِق ظِلٌّ في يَدِ الصَمدِ أدعوكَ يَا ربّ فأغفر زلَّتي كَرماً ... وأجعَل شَفيعَ دُعائي حُسنَ مُعْتَقدي وانظُرْ لحالي في خَوفٍ وفي طَمعٍ ... هَل يَرحمُ العَبدَ بَعْدَ الله من أحد؟ وعاش ابتهال "مولاي"، الذي يخترق الوجدان، ويذكرنا دائما بأن هناك دائماً باباً مفتوحاً للسائلين، ورغم رحيله في عام 1976، إلا أن صوته لا يزال "المنبه" الروحي للملايين، ويبقى النقشبندي هو الرجل الذي أثبت أن الفن الحقيقي لا يموت، وأن النداء الذي يبدأ ب "مولاي" سيظل يتردد في ملكوت الله ما دامت هناك قلوب تنبض بالإيمان.