تتعدد صور الصيام في الدين الإسلامي، منها المشروع والمستحب، ومنها ما نهى عنه الشرع أو كرهه، وفي هذا العرض نسلّط الضوء على نوعٍ مخصوص من الصيام، وردت بشأنه نصوص واضحة في السنة النبوية، وبيانات مفصّلة لأهل العلم، وهو ما عُرف ب الصوم المكروه. أولًا: إفراد يوم الجمعة بالصوم من صور الصوم المكروه إفراد يوم الجمعة وحده بالصيام دون أن يُصام قبله يوم أو بعده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يصومنَّ أحدُكم يومَ الجُمُعة إلا يوماً قبله أو بعده»، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تختصُّوا ليلة الجمعة بقيامٍ من بين الليالي، ولا تخصُّوا يوم الجمعة بصيامٍ من بين الأيام، إلا أن يكون في صومٍ يصومُه أحدُكم». ثانيًا: إفراد يوم السبت بالصيام ومن ذلك أيضًا إفراد يوم السبت بالصيام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرِض عليكم، فإن لم يجد أحدُكم إلا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أو عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْه». وبيّن أهل العلم أنه يكره صيام كل عيد لغير المسلمين أو أي يوم يُفرِدونه بالتعظيم إلا أن يوافق ذلك عادةً للصائم. ثالثًا: صوم الحاج يوم عرفة بعرفة ومن صور الصوم المكروه صوم الحاج يوم عرفة وهو بعرفة. أرسلت ميمونة زوجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم - حين شك الناس بصيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة - أرسلت إليه بحِلاب اللبن، وهو واقف في الموقف بعرفة، فشرب منه والناس ينظرون إليه صلى الله عليه وسلم . وسئل ابنُ عمرَ رضي الله عنهما عن صوم يوم عرفة بعرفة، فقال: (حججتُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمرَ فلم يصمه، ومع عثمانَ فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمُر به ولا أنهى عنه). رابعًا: صوم يوم الشك ومنها صوم يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يُر الهلال (هلال رمضان) ليلته، مع كون السماء صحواً، لم يُطبِق الغيم فيها، ولم يحجب الرؤيةَ علةٌ كغبار ونحوه، أو رؤي الهلال ليلتَه، لكن رُدَّت شهادة من رآه، لفسق ونحوه. وصيام يوم الشك مكروه عند الجمهور، [الحنفية كراهة تحريم والمالكية والحنابلة]، وذهب الشافعية إلى حرمة صيامه، ولعل ذلك أن يكون أَوْلى لصريح النهي عن صيامه. وهذه الكراهة تنتفي عند الجمهور - كما التحريمُ عند الشافعية - إذا وافق صيامُه عادةً له في تطوُّعه، كأن يكون قد اعتاد صيام الاثنين في تطوعه فوافق يومَ شكٍّ، وكذلك يجوز صيام يوم الشك عندهم - مطلقًا - إن كان قضاء عن رمضانَ سابق، أو كفارة عن يمين أو غيره كنذرٍ معيَّن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى ترَوْه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العِدَّة ثلاثين». وقال عليه الصلاة والسلام: «من صام اليوم الذي يُشَكّ فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم». خامسًا: صوم يوم أو يومين قبل رمضان وحكم ذلك كحكم يوم الشك المتقدِّم تفصيلُه، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا يتقدَّمنَّ أحدُكم رمضانَ بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومَه، فليصم ذلك اليوم». سادسًا: إفراد أعياد غير المسلمين بالصيام ومن صور الصوم المكروه إفراد أي عيد من أعياد غير المسلمين بصيام، كتخصيص يوم السبت بصيام، أو يوم الأحد، ومثلهما يومَيِ النَّيْروز والمهرجان لدى الفرس، لما في قصد إفراد هذه الأيام بالصوم من موافقةٍ لهم في تعظيمها. سابعًا: صوم الوصال وصوم الوصال معناه: ألاّ يُفطِر الصائمُ بعد الغروب أصلاً، حتى يواصلَ صومَ الغد بالأمس، فيواصل صومَ يومين متتابعين. واصَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: «لو مُدَّ لنا الشهرُ لواصلْنا وِصالاً يَدَعُ المتعمِّقون تعمُّقَهم، إنكم لستم مثلي، (أو قال) : إنِّي لستُ مثلَكم، إني أَظَلُّ يُطعِمُني ربِّي ويَسْقِيني». ثامنًا: صوم الدهر ومنها صوم الدهر (صوم العمر)، إلا الأيام التي يحرم صومُها، وهي العيدان وأيام التشريق، ويكره صوم الدهر لما قد يكون فيه من إضعافٍ للصائم عن الفرائض والواجبات، والكسب الذي لا بدّ منه. قال صلى الله عليه وسلم: «لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد». وقال عمر رضي الله عنه: يارسول الله، كيف بمن يصوم الدهر كلَّه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «لا صام ولا أفطر (أو قال) : لم يصم ولم يفطر». والمعنى: أنه لم يؤجر على صومه الدهر؛ لمخالفته الهَدْي النبويَّ في الصيام المشروع، وكذلك فإنه لم يُفطِر - وهذا هو واقع حاله - فقد صام كلَّ نهارٍ، فشقَّ بذلك على نفسه.