مع عالم يعيد رسم خرائط نفوذه، وتراجع مركزية القوى التقليدية لصالح تعددية قطبية جديدة، نجحت مصر فى تحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرص اقتصادية حقيقية، حيث اتخذت السياسة الخارجية المصرية نهج الشراكات الاستراتيجية الشاملة لتحقيق التوازن فى علاقاتها مع مختلف القوى الكبرى والإقليمية لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية التى تعصف بأمن النظام العالمى المعاصر ونجحت فى اتباع الدبلوماسية الهادئة والنفس الطويل فى تحويل العديد من علاقاتها الدولية من حدة التنافس أو الاختلاف والتباين الشديد فى الرؤى إلى شراكات شاملة تعتمد فى الأساس على التكامل الاقتصادى وتعميق الصناعة المحلية وجذب الاستثمارات الخارجية كقاطرة لصعود الاقتصاد المصرى. اقرأ أيضًا | خبراء: إشادة «الصندوق» تعكس صلابة الاقتصاد المصرى.. ورسالة ثقة للمستثمرين والأسواق العالمية يبرز التقارب المصرى- التركى كأحد أهم التحولات الإقليمية الإستراتيجية، خاصة بعد الزيارة الرسمية الأخيرة للرئيس التركى إلى القاهرة والتى أسفرت عن توقيع اتفاقيات تعاون ومذكرات تفاهم متعددة، هذا الاتساع فى نطاق الاتفاقيات يعكس انتقال العلاقات بين البلدين من مستوى الاتصالات الدبلوماسية إلى مستوى الشراكات الهيكلية التى تستهدف بناء قدرات إنتاجية مشتركة. ويأتى ملف نقل التكنولوجيا بوصفه الركيزة الأكثر أهمية فى مسار التقارب المصرى -التركى، وهو توجه استراتيجى نحو بناء قدرات صناعية محلية قادرة على المنافسة، وتطوير منظومات بحث وتطوير مشتركة، وتوسيع قاعدة الكفاءات الفنية فى السوق المصرية. بيئة إنتاجية مشتركة بداية، أكد اللواء رفيق رزق، رئيس مجلس إدارة مصنع 200 سابقا، أن الشرق الأوسط يشهد فى المرحلة الراهنة إعادة تشكّل لخرائط النفوذ والعلاقات البينية، فى ظل بيئة دولية تتجه نحو تعددية قطبية وتراجع مركزية القوى التقليدية. وفى هذا السياق، يبرز التقارب المصري–التركى بوصفه أحد أهم التحولات الإقليمية، خاصة بعد الزيارة الرسمية للرئيس التركى إلى القاهرة، وأوضح أن البعد الصناعى والتكنولوجى يمثّل محورًا رئيسيًا فى هذا التقارب، فتركيا تمتلك قاعدة صناعية متقدمة، خصوصًا فى الصناعات الدفاعية والهندسية والإلكترونية، بينما تعمل مصر على تعزيز قدراتها الإنتاجية وتوطين التكنولوجيا فى ظل تحديات سلاسل الإمداد العالمية. وأوضح أن حجم الاستثمارات التركية القائمة فى مصر تقترب من أربعة مليارات دولار، مع استعداد لزيادة هذه الاستثمارات فى قطاعات إنتاجية ذات قيمة مضافة ويعكس ذلك إدراكًا متبادلًا بأن التعاون الاقتصادى لم يعد قائمًا على التبادل التجارى فقط، بل على بناء شراكات إنتاجية طويلة المدى. وأكد رزق أنه فى هذا الإطار يبرز ملف نقل التكنولوجيا بوصفه الركيزة الأكثر أهمية فى مسار التقارب وبما تضمنه نصّ البيان المشترك الصادر مؤخرا، ويُعد هذا التوجه خطوة استراتيجية نحو بناء قدرات صناعية محلية قادرة على المنافسة، وتطوير منظومات بحث وتطوير مشتركة، وتوسيع قاعدة الكفاءات الفنية فى السوق المصرية. وتابع رزق أن الاتفاقيات تتجاوز أهمية نقل التكنولوجيا للبعد الصناعى المباشر، إذ يرتبط هذا المسار بإعادة تشكيل القيمة الإقليمية، فالتعاون فى مجالات مثل تصنيع الآلات والمعدات الزراعية والمركبات الكهربائية يتيح لمصر الاستفادة من الخبرة التركية فى تطوير خطوط الإنتاج، وفى الوقت نفسه يمنح الشركات التركية منفذًا واسعًا إلى أسواق أفريقيا والعالم العربى ومن شأن هذا التكامل أن يخلق بيئة إنتاجية مشتركة قادرة على مواجهة التقلبات العالمية فى سلاسل الإمداد. ونوه رزق إلى أنه تتضح دلالة هذا المسار عند النظر إلى ردود الفعل الإقليمية. فقد أشارت تقارير إعلامية إلى أن بعض الأطراف فى شرق المتوسط تتابع هذا التقارب بقدر من القلق، معتبرة أنه قد يسهم فى إعادة ترتيب موازين النفوذ التقليدية فى المنطقة. ورغم عدم تسمية هذه الأطراف، فإن صدور مثل هذه التحليلات يعكس إدراكًا إقليميًا بأن التقارب المصري–التركى يتجاوز الطابع الثنائى ليؤثر فى بنية التوازنات الإقليمية الأوسع، خاصة فى المجالات المرتبطة بالصناعات الدفاعية والطاقة. التكامل الصناعى الثنائى بينما أضاف د. شريف فاروق، خبير العلاقات الدولية، أن السياسة الخارجية المصرية اتخذت نهج الشراكات الاستراتيجية الشاملة لتحقيق التوازن فى علاقاتها مع مختلف القوى الكبرى ولمواجهة التحديات الاقليمية والدولية التى تعصف بأمن النظام العالمى المعاصر، ونجحت فى اتباع الدبلوماسية الهادئة والنفس الطويل فى أن تحول العديد من علاقاتها الدولية من حدة التنافس أو الاختلاف والتباين الشديد فى الرؤى إلى شراكات شاملة تعتمد فى الأساس على التكامل الاقتصادى وتعميق الصناعة المحلية وجذب الاستثمارات الخارجية كقاطرة لصعود الاقتصاد المصرى. وأوضح فاروق أن مصر تقدم مناخاً استثماريا وصناعيا فريدا لشركائها الاستراتيجيين وأن الشراكة الاستراتيجية المصرية التركية تعد نموذجاً رائداً ليس فى كونه تكامل صناعى فقط، بل ما يميزه هو التحول من التنافس الإقليمى الشديد إلى التعاون والتطابق فى وجهات النظر فى أغلب قضايا المنطقة وتكوين جبهة مشتركة للتصدى للمخاطر التى تهدد أمن الإقليم، ومن ثم الإعتماد على التكامل الصناعى الثنائى لتحقيق التنمية الاقتصادية. وتابع أنه تنطلق فلسفة الدولة المصرية فى توقيع الشراكات الاستراتيجية الشاملة مع القوى الكبرى والإقليمية ليس فقط من أجل تعميق التصنيع المحلى أو حتى نقل التكنولوجيا، لكن أيضا لتغطية جانب هام وضرورى وهو البحوث والتطوير والابتكار وهى النقطة المكملة لمثلث التنمية الصناعية بجانب التصنيع المحلى ونقل التكنولوجيا والتى من شأنها رفع القدرات التنافسية والإبداعية ومعايير الجودة وضمان التطور. أصول إنتاجية ثابتة وحول التحول الذى شهده الاقتصاد خلال هذه الفترة من جذب العديد من الاستثمارات الأجنبية من مختلف دول العالم كان آخرها اعتزام تركيا زيادة استثماراتها فى مصر؛ فسر د. محمد علاء الدين، الخبير الاقتصادي، هذه الطفرة بأنها لم تكن زيادة فى التدفقات الاستثمارية فقط ولكن نجح صانع القرار الاقتصادى فى تحويل «شهية» المستثمر الأجنبى فى أدوات الدين (سندات وأذون خزانة) إلى الاستثمار فى أصول إنتاجية ثابتة على أرض الواقع ونحن فى مطلع عام 2026، نستطيع القول بثقة إن الدولة المصرية نجحت فى تنفيذ مناورة كبرى غيرت بها وجه الاستثمار، من جذب أموال تبحث عن فائدة سريعة، إلى بناء شراكات استراتيجية تبحث عن موطن مستدام للتصنيع والتصدير. وتابع علاء الدين أنه فى عام 2015، كان جزءا كبيرا من التدفقات النقدية الأجنبية يتجه نحو «الأصول غير المنتجة» ورغم أهميتها فى حينها لتوفير سيولة دولارية، إلا أنها كانت تمثل عبئاً نظراً لسهولة خروجها عند حدوث أى أزمة عالمية ولذلك رسخت الدولة لتوجه جديد اعتمد على قاعدة ذهبية: «المصنع لا يهرب»، عندما تضخ شركة أجنبية استثمارات فى قطاع الملابس أو الصناعات الهندسية، فهى لا تضع دولارات فقط، بل تضع تكنولوجيا، وتدرب عمالة، وتبنى سلاسل توريد. هذا التحول خفض حساسية الاقتصاد المصرى للصدمات الخارجية بنسبة كبيرة، حيث ارتفعت مساهمة الاستثمار الأجنبى المباشر فى القطاع الإنتاجى لتشكل أكثر من 60٪ من إجمالى التدفقات فى عام 2025.. وأوضح علاء الدين أن هذا التحول سجلته المؤشرات الاقتصادية، إذ نجد أن مؤشر الإنتاج الصناعى انتقل من حالة النمو المتذبذب التى لم تتخطَّ 2.5٪ فى 2015، ليصل إلى نمو مستدام وقوى بلغ 7.8٪ بحلول عام 2025 ولم يتوقف الأمر عند حدود الكم، بل شمل «الكيف» أيضاً؛ إذ سجل مؤشر تكنولوجيا التصنيع طفرة حقيقية، فبعد أن كنا نعتمد كلياً على استيراد التكنولوجيا، نجحنا فى توطينها بنمو فى المكون المحلى وصل إلى 40٪. هذا الانعكاس الرقمى تُرجم بوضوح فى حصة الصناعة من الناتج المحلى والتى قفزت من 14٪ فى عام 2015 لتتجاوز حاجز ال 20٪ فى 2025، مما دفع قيمة الصادرات لتتخطى حاجز 45 مليار دولار بعد أن كانت لا تتجاوز 18 ملياراً قبل عقد من الزمان. خطوط الإنتاج السريعة وأضاف علاء الدين أن المستثمر الأجنبى لم يعد يأتى ليبيع لنا، بل ليصنع معنا سواء الشراكات مع الجانب التركى فى قطاع الملابس، أو مع الجانب الصينى فى صناعة الأجهزة المنزلية، لم تكن مجرد «عقود توريد». على سبيل المثال، قطاع المنسوجات الذى كان يكتفى بتصدير القطن خاماً قبل 2015، أصبح اليوم بفضل العديد من الاستثمارات ومنها التركية التى تجاوزت 2.5 مليار دولار، «مركزاً إقليمياً» للتصدير تحت شعار «صنع فى مصر»، مع نقل كامل لتكنولوجيا إدارة خطوط الإنتاج السريعة. وأوضح علاء الدين أن الفرق الجوهرى بين اقتصاد مصر فى 2015 واقتصادها اليوم فى 2026 هو الفرق بين «المستأجر» و»المالك». فى 2015، كنا نضطر لاستئجار السيولة بفوائد عالية عبر السندات وأدوات الدين، أما اليوم فقد أصبحنا نملك أدوات الإنتاج الحقيقية. إن الاستثمار فى «أذون الخزانة» كان رهانًا على الماضى لسد الثغرات، أما الاستثمار فى «المصنع» فهو الرهان الرابح على المستقبل و مصر لم تعد مجرد سوق استهلاكى كبير يغرى التجار، بل تحولت إلى «ورشة عمل» كبرى فى قلب العالم وما نلمسه من استقرار نقدى وهيكلى اليوم ليس ضربة حظ، بل هو الثمرة الطبيعية لاختيار الطريق الأصعب والأبقى: طريق الإنتاج والعمل.