بعد أشهر طويلة من تبادل التصريحات الحادة والإهانات العلنية، فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الكولومبي جوستافو بيترو الأوساط السياسية بعقد اجتماع وُصف بالودي داخل البيت الأبيض، في خطوة أوضحت تحولًا لافتًا في نبرة العلاقات بين البلدين، بعد مرحلة من التوتر غير المسبوق. جاء اللقاء، الذي جرى خلف أبواب مغلقة دون حضور الصحافة، تتويجًا لمسار معقد من المناوشات السياسية والإعلامية، تبادل خلالها الطرفان أوصافًا قاسية، قبل أن تنتهي الزيارة بتصريحات إيجابية، وصور ودية، ورسائل شخصية حملت إشارات واضحة إلى رغبة مشتركة في تجاوز الخلافات. وبحسب صحيفة «الجارديان» البريطانية، فإن زيارة بيترو إلى واشنطن شكلت نقطة تحول في العلاقة بين الزعيمين، اللذين بدآ صفحة جديدة رغم سجل طويل من الاتهامات المتبادلة. من الإهانات إلى المجاملات.. كيف تغيرت نبرة اللقاء؟ على مدار أشهر، لم يتردد ترامب في وصف الرئيس الكولومبي بأوصاف مهينة، من بينها "رجل مريض" و"زعيم تهريب مخدرات"، بينما رد بيترو باتهام ترامب بأنه "شريك في الإبادة الجماعية" ووصفه بأنه يعاني من "عقل خرف". ورغم هذا التصعيد، انتهى أول لقاء رسمي مباشر بينهما بعبارات دافئة وتوقيع كتب وصور تذكارية، في مشهد عكس تراجعًا واضحًا عن لغة المواجهة. واستقبل ترامب بيترو في اجتماع مغلق داخل البيت الأبيض، دون السماح للصحفيين بالدخول، في خروج عن التقاليد المتبعة خلال استقبال قادة الدول. صور ورسائل على السوشيال ميديا بدل الكاميرات ورغم غياب التغطية الإعلامية المباشرة، حرص الجانبان على نشر صور اللقاء عبر منصات التواصل الاجتماعي. وذهب بيترو، المعروف بمواقفه اليسارية، إلى استخدام لغة ساخرة في تعليقه على الزيارة. ونشر الرئيس الكولومبي صورة لنسخة موقعة من كتاب ترامب الشهير الصادر عام 1987 بعنوان "فن الصفقة"، مرفقة بإهداء كتب فيه ترامب عبارة: "أنت عظيم". وعلق بيترو على الصورة قائلًا: "ما الذي كان ترامب يحاول إخباري به في هذا الإهداء؟ أنا لا أفهم الكثير من اللغة الإنجليزية"، في إشارة ساخرة إلى تقارير سبقت اللقاء تحدثت عن حاجته لمترجم. كما نشر صورة أخرى لرسالة بخط يد ترامب جاء فيها: "جوستافو، إنه لشرف عظيم، أنا أحب كولومبيا". قبعة «ماجا» ورسائل سياسية غير تقليدية في مشهد لافت،، جرى تصوير بيترو وهو يغادر البيت الأبيض مرتديًا قبعة حمراء تحمل شعار حملة ترامب الشهير "MAGA لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، في صورة أثارت تفاعلًا واسعًا، خاصة أن بيترو هو أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا. ويأتي ذلك في وقت لا يحق فيه لبيترو الترشح مجددًا، إذ يمنع الدستور الكولومبي تولي الرئاسة لأكثر من فترة واحدة، مع اقتراب انتخابات مايو المقبلة. ترامب: اتفقنا على ملف تهريب المخدرات في مؤتمر صحفي عُقد في المكتب البيضاوي بعد الاجتماع بوقت قصير، سُئل ترامب عما إذا كان اللقاء قد أسفر عن تفاهمات بشأن ملف تهريب المخدرات، وهو الملف الذي لطالما انتقد ترامب فيه كولومبيا بوصفها أكبر منتج للكوكايين في العالم. ورد ترامب قائلًا: "لقد انسجمنا جيدًا، لم نكن أصدقاء مقربين، لكنني لم أشعر بالإهانة من تعليقاته لأنني لم ألتقِ به من قبل، ومع ذلك، انسجمنا جيدًا". وأكد الرئيس الأمريكي أن الجانبين توصلا إلى اتفاق في هذا الملف، دون الكشف عن تفاصيل إضافية. بيترو يشيد ب«صراحة» ترامب رغم الخلافات من جانبه، أعرب بيترو عن تقييم إيجابي للقاء، قائلًا في مقابلة مع إذاعة كاراكول الكولومبية: "الحقيقة أنني أحب الأمريكيين الصريحين، أولئك الذين يقولون ما يشعرون به، لا شك أننا مختلفون تمامًا، لكن الصراحة تأتي أولًا". وأضاف ترامب أن الاجتماع كان "مثمرًا للغاية" و"رائعًا"، مشيرًا إلى أن الجانبين سيواصلان العمل المشترك في ملفات أخرى، من بينها العقوبات. «قائمة كلينتون» تظل نقطة خلاف صامتة ورغم الأجواء الإيجابية، لم يُعلن عن أي قرار فوري بشأن رفع اسم بيترو من ما يُعرف ب"قائمة كلينتون"، وهي قائمة يديرها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية (أوفاك). وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد أدرجت في أكتوبر الماضي اسم بيترو وزوجته وابنه ووزير داخليته، بدعوى "تورطهم في تجارة المخدرات غير المشروعة العالمية". وقال بيترو إنه لم يناقش هذا الملف مع ترامب، مضيفًا: "لو كانت هناك أدلة قانونية، لما كنت أتحدث هنا". وأشار بيترو إلى أن إدراجه على القائمة جاء بسبب تصريحات أدلى بها في نيويورك خلال قمة للأمم المتحدة العام الماضي، حين دعا الجنود الأمريكيين إلى عصيان أي أوامر غير قانونية، خلال مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين. وعقب تلك التصريحات، ألغت واشنطن تأشيرته، قبل أن تمنحه تأشيرة خاصة خصيصًا لهذه الزيارة. كولومبيا تبرز دورها في مكافحة المخدرات وفي مؤتمر صحفي عُقد بالسفارة الكولومبية في واشنطن، أكد بيترو أن حكومته صادرت "آلاف الأطنان من الكوكايين أكثر من أي وقت مضى في تاريخ البشرية". وأوضح أنه أبلغ ترامب بضرورة ملاحقة زعماء العصابات الحقيقيين، قائلًا: "هؤلاء لا يعيشون في كولومبيا، بل في... ومدريد وميامي، الوكالات الأمريكية تعرفهم، وقدمت أسماءهم للرئيس ترامب". وقبيل الاجتماع، سلمت الحكومة الكولومبية إلى الولاياتالمتحدة أندريس فيليبي مارين سيلفا، المعروف باسم "بايب تولوا"، والذي يُعد أحد قادة عصابات المخدرات. وقال وزير الدفاع الكولومبي بيدرو سانشيز إن هذه الخطوة تؤكد أن "كولومبيا شريك موثوق"، وستواصل العمل مع واشنطن "باحترام وتعاون وإجراءات ملموسة" لمواجهة الجريمة المنظمة. ورغم تاريخ طويل من التراشق اللفظي والتوتر السياسي، أظهر لقاء البيت الأبيض أن البراغماتية السياسية قد تتغلب على الخلافات الأيديولوجية، وفتحت الباب أمام إعادة صياغة العلاقات بين واشنطن وبوجوتا، على الأقل في الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها المخدرات والأمن الإقليمي.