■ كتبت: سمر صلاح الدين ◄ القوة العسكرية لا تعوض غياب الشرعية ◄ النفوذ الإيراني تراجع بعد سقوط دمشق في لحظة تاريخية فارقة، لم يعد فيها الشرق الأوسط الذى عرفناه بالأمس هو ذاته الذى نستيقظ عليه اليوم، وفى وقت تعيد فيه «رياح التغيير» العاتية رسم خرائط النفوذ من طهران إلى دمشق، يجد لبنان نفسه مجددًا فى قلب مختبر الجغرافيا السياسية، وسط ركام من الأزمات التى تتقاذفه بين مطرقة الانهيار الاقتصادى وسندان التجاذبات الإقليمية. لم تعد المسألة مجرد أزمة حكم أو شغور منصب، بل باتت معركة وجود لدولة تبحث عن استعادة سيادتها الضائعة بين «حصرية السلاح» المفقودة والالتزامات الدولية المعطّلة. بصراحته المعهودة، وهدوئه الذى يسبق العاصفة، وضع فؤاد السنيورة رئيس وزراء لبنان الأسبق، فى هذا الحوار الخاص ل«آخر ساعة»، «نقاط الإنقاذ» على حروف الأزمة. ◄ نمر اليوم بلحظة انكشاف استراتيجى في المنطقة، في ظل التطورات المتسارعة فى لبنانوسوريا وإيران، هل تعتقد أن وحدة السلاح تحت إمرة الدولة اللبنانية باتت اليوم ضرورة وجودية لا مجرد مطلب سياسي؟ لقد أثبتت التجارب فى العالم، وعلى مرّ الدهور، أن ازدواجية السلطة أمر لا يستقيم لدى الدول. ولهذا لم يعد هناك من مجال فى لبنان إلا التركيز على مسألة إنجاح هذا التوجه، وبالتالى العمل على تنفيذ قرار حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية. فقد أثبتت الأيام أن سلاح حزب الله لم يردع إسرائيل، ولم يحمِ لبنان كما ادّعى الحزب، بل بات عاجزًا حتى عن حماية عناصر الحزب وقياداته، وأصبح مصدرًا لخراب لبنان لا لحمايته. وبالتالى فإن الحل الأفضل والأضمن هو أن يُسارع إلى تطبيق قرار الحكومة اللبنانية بحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، وتحديدًا بيد الجيش اللبنانى والقوى الأمنية الشرعية اللبنانية. ◄ يقال دائمًا إن لبنان يعانى من تعددية السلطة، واليوم نرى جنوبلبنان يتحول إلى جبهة إقليمية مفتوحة، هل ترى أن اتفاق الطائف ما زال قادرًا على حماية هيكل الدولة اللبنانية؟ بالطبع، اتفاق الطائف لا يزال يتمتع بالأهلية والشرعية والقدرة على حماية لبنان وتحقيق نهوض الدولة اللبنانية. وإذا كان هذا الهدف لم يتحقق بعد، فإن ذلك لا يعود إلى عدم أهلية أو صلاحية هذا الاتفاق، بل بسبب عدم الالتزام الصارم بمتابعة تنفيذه، ولا سيما أنه ينص على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها ومرافقها بقواها الذاتية. الحقيقة أن قوة لبنان تكمن فى وحدة أبنائه، وهو ما يعنى أنه لا يحق لأى فريق فى لبنان أن ينفرد باتخاذ مواقف تؤدى إلى توريط لبنان واللبنانيين فى أى حرب أو مواجهة من أى نوع كان، من دون موافقة أكثرية اللبنانيين، وتحديدًا عبر المؤسسات الدستورية اللبنانية وبموافقتها. ◄ هناك من يرى أن نزع السلاح هو قرار إقليمى أكثر منه قرارًا لبنانيًا، كيف تنظر إلى مستقبل التوازنات العسكرية فى لبنان بعد التغيرات الجيوسياسية الأخيرة فى دمشقوطهران؟ بالعكس، نزع سلاح الميليشيات هو حاجة وطنية لبنانية أولًا وأخيرًا، من أجل تثبيت سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها ومرافقها. المؤسف أن ما جرى سابقًا تمثّل فى الطريقة التى تصرف على أساسها حزب الله عندما عمد إلى تحويل بندقيته وسلاحه بعد عام 2000 لتصبح موجهة إلى الداخل اللبنانى، وهو العام الذى انسحبت فيه إسرائيل من لبنان، حيث تحول حزب الله، مستقويًا بهذا السلاح، للاستخدام وفق ما توجهه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التى دفعته إلى التدخل فى شؤون الداخل اللبنانى وفرض سيطرته على الدولة اللبنانية، وكذلك التدخل فى شؤون المنطقة العربية ودولها من العراقوسوريا إلى لبنان، وامتدادًا إلى سائر دول المنطقة، وهذا أمر غير جائز. على صعيد آخر، ومن دون أدنى شك، فإن سقوط نظام الأسد فى سوريا شكّل أهم متغير استراتيجى فى المنطقة خلال عدة عقود، وهو ما يمكن تشبيهه بسقوط جدار برلين العربى، لما لهذا الحدث من تداعيات كبيرة، أبرزها قطع الأوتوستراد الكبير الذى كان يربط بين طهران وبيروت عبر بغدادودمشق، وهو ما يعنى، كما أكد كثير من المسئولين الإيرانيين، تراجع نفوذ إيرانى كبيرا فى هذه الدولة وغيرها. ◄ لكن كيف يمكن بناء عقيدة دفاعية موحدة فى بلد يعانى من أزمة ثقة بين مكوناته؟ العقيدة الوحيدة الضامنة للوجود الوطنى اللبنانى المتجدد تكمن فى الالتزام بما نص عليه اتفاق الطائف، الذى يؤمن لكل الأطراف مطالبها من الدولة ووجودها فى الدولة. اتفاق الطائف هو الشرعية الوطنية التى ترعى حقوق المواطنين الأفراد فى حرياتهم، وترعى فى الوقت ذاته حقوق الطوائف وكل الأطراف فى تمايزاتهم وهواجسهم، حيث يفترض أن يكون الجميع سواسية أمام القانون، لا ميزة لأحد على الآخر. وبالتالى يبقى الدستور وحسن تطبيقه، وكذلك حسن استكمال تطبيق اتفاق الطائف، السبيل الأقوى والأنجح لمعالجة المشكلات اللبنانية، وهو ما يستدعى التشديد على التطبيق الصحيح لهذا الاتفاق، والعودة إلى معالجة ما طُبق فيه بشكل غير صحيح، عبر الالتزام بالدستور نصًا وروحًا دون انتقائية. ◄ اقرأ أيضًا | السنيورة: سوريا كانت توزع الأدوار وحزب الله توسّع حتى سيطر على المشهد ◄ لبنان اليوم يعيش حالة انتظار مدمرة لما ستئول إليه الحرب فى غزة والإقليم، وبصفتك رجل دولة خاض تجربة مفاوضات القرار 1701 عام 2006، هل ترى أن هذا القرار لا يزال صالحًا للحياة؟ من حيث المنطلق والمبدأ، فإن هذا القرار الدولى يؤمن المطلوب لجهة الحفاظ على السيادة اللبنانية ووحدانية سلطة الدولة، شرط تطبيقه بشكل كامل وصحيح، ولا سيما أنه يراعى المطالب والحقوق اللبنانية الوطنية، ويحفظ التراب الوطنى اللبناني، ويؤكد على سلطة الدولة اللبنانية وسيادتها على جميع أراضيها ومرافقها. المشكلة أن حزب الله لم يطبق هذا الاتفاق رغم أنه يؤمن مصلحة لبنان، كما أن إسرائيل لم تطبقه لغرض كانت تُعدّ له، ولذلك يجب الحرص الآن على عودة الطرفين إلى الالتزام باتفاقية الهدنة لعام 1949. أما عن المستقبل، فهو مرتبط بأطماع إسرائيل التى تفكر فى فرض شروط جديدة لصالحها فى خضم هذه الأحداث الخطيرة، حيث يبدو أن لبنان بات يواجه مشكلات جديدة، فى ظل كثرة المخططات والأطماع الإسرائيلية فى لبنان والمنطقة، وحديث إسرائيل عن «شرق أوسط جديد»، وهنا تكمن المعضلة. ◄ إذا كانت التطورات فى سوريا تعيد رسم خارطة النفوذ فى المشرق العربى، ما رؤيتكم لتأثير المشهد السورى الجديد على الداخل اللبناني؟ يجب أن يدرك الجميع، وبواقعية، حقائق الجغرافيا السياسية التى تقول إن سوريا دولة جارة وشقيقة، وهى المعبر والباب البرى الوحيد للبنان إلى الدول العربية وأوروبا. كما يجب إدراك وجود مصالح مشتركة بين البلدين الشقيقين الجارين، يتوجب العمل على تعزيزها وتنميتها، مع الالتزام باحترام المصالح الدائمة لكليهما. المعلوم أن لبنان قاسى الأمرّين من تجربة صعبة وطويلة ومريرة مع نظام الأسد، لكن هناك فرصة كبيرة نشأت مع سقوط هذا النظام، عبر التركيز على بناء علاقات طيبة وصادقة وجديدة مع النظام السورى الجديد، على أساس التعاون الأخوى، وقواعد الندية، واحترام استقلال كل من البلدين ضمن حدودهما، والحفاظ على سيادتهما، فضلًا عن وجود مجال واسع لشراكة وتكامل متكافئ ومتوازن يخدم مصلحة الطرفين. ◄ كيف تقرأون الدور المصرى الحالي في محاولة موازنة الكفة داخل لبنان؟ وهل تستطيع مصر بثقلها التاريخى وعلاقاتها الدولية والإقليمية أن تقود عملية هبوط آمن للبنان؟ الدور المصرى الأخوى والبنّاء كان دائمًا أساسيًا وموجودًا فى لبنان منذ بداية تكوّنه كدولة ونيله الاستقلال. لا يمكن تجاهل دور مصر، ولا يجوز الاستنكاف عن الاستفادة من دورها العربى الكبير ورؤيتها القومية الشاملة والبنّاءة. فمصر هى الشقيقة الكبرى للبنان، ومن الضرورى التعاون معها والوقوف عند رؤيتها، والحفاظ على صلات الأخوة والتعاون، لمصلحة لبنان ولمكانة مصر ودورها الكبير فى المنطقة العربية والعالم. إضافة إلى ذلك، فإن الدور العربى لمصر، بما يتجاوز لبنان ويخدمه فى الوقت ذاته، يفرض الحاجة إلى دور عربى تضطلع به مصر إلى جانب المملكة العربية السعودية، لاستنهاض القدرات العربية المشرذمة، وجمعها وتعزيزها، بما يمكن الدول العربية من التضامن فى مواجهة التحديات والأطماع الكبرى التى تواجه الأمة والدول العربية فى مختلف أنحاء المنطقة.