فى زمنٍ باتت فيه الشاشات الصغيرة تفرض إيقاعها السريع على حياتنا، وتتنافس منصات «الريلز» و«تيك توك» على خطف انتباه الأجيال الجديدة، أصبح من النادر أن يجتمع أكثر من جيل داخل بيت واحد حول برنامج تليفزيونى. غير أن برنامج «دولة التلاوة» كسر هذه القاعدة، ونجح فى أن يعيد للبيوت المصرية دفئَها القديم، مستحضرًا الحنين إلى دفء بيوت الأجداد يعلو فيها أصوات كبار المقرئين الذين تحوّلوا إلى مدارس خالدة فى فن القراءة، حين كان القرآن الكريم محور الالتقاء والإنصات. المشهد اللافت لم يكن فقط فى جودة الأصوات أو دقة أحكام التلاوة، بل فى التفاف أطفال من جيلى «زد» و«ألفا» حول الشاشة، وهم يقارنون بين المقرئين، وينتبهون لمخارج الحروف وأحكام التجويد. صورة أعادت للأذهان دور كتاتيب القرى التى خرج منها حفظة القرآن عبر عقود طويلة، وكان من ثمارها هؤلاء الأطفال. تلك الكتاتيب لم تكن مجرد أماكن للحفظ، بل مصانع للقيم، تجمعت فيها «طيور من الجنة» تركوا لهو الشارع لينالوا فرحة أكبر؛ فرحة القرب من كتاب الله. وأكد البرنامج، بعيدًا عن أى جدل أُثير حوله، أن المجتمع لا يزال متعطشًا لسماع القرآن الكريم وإحياء علوم الدين داخل البيوت، فتمنح البيوت سكينة وطمأنينة وحنينًا افتقده كثيرون، رغم ما شهده الذوق العام من تراجع خلال السنوات الأخيرة. غير أن هذا النجاح الجماهيرى يفتح الباب أمام ضرورة تطوير التجربة، خاصة فيما يتعلق بعدالة المنافسة. ويُثار تساؤل حول جدوى جمع أطفال صغار مع متسابقين أكبر سنًا فى مسابقة واحدة؛ فالطفل، مهما بلغت ثقته بنفسه، قد يتأثر نفسيًا بالوقوف أمام محكمين كبار قامةً وسنًا، ومنافسين أكثر خبرة، ما قد ينعكس على أدائه ويكسر خاطره عند الخروج المبكر، فكم مرة تدرب وصحح ونقح هذا الطفل ذى العشرة أعوام فى مقابل الشباب من المتسابقين. ومن هنا تبرز أهمية تقسيم المسابقة إلى فئات عمرية متقاربة، مع تخصيص جوائز تشجيعية لمن يغادرون المنافسة، دعمًا لهم وتحفيزًا لاستكمال مشوارهم. ويبقى «دولة التلاوة» تجربة ملهمة أعادت القرآن إلى صدارة المشهد، وقدمت بديلًا راقيًا ونظيفًا لمسابقات الغناء، واستثمارًا حقيقيًا فى الروح والهوية.