هذه خطوة بالغة الخطورة فى صراعات ترامب الخارجية. أوروبا التى كانت الحليف التاريخي للولايات المتحدة تتحرك فى مواجهة التهديدات الأمريكية بالاستحواذ على جزيرة «جرينلاند» التابعة للدانمارك. تكشف التقارير الأخيرة عن توافق بين الدولتين الأوروبيتين الرئيسيتين (فرنسا وألمانيا) على نشر قوات أوروبية مشتركة لتأمين الجزيرة. هذا التحرك الذى يجرى فى ظل التأكيد الأمريكى المتكرر بضرورة الاستحواذ على الجزيرة لا يعنى فقط النهاية المحتومة لحلف «الناتو» وإنما يتجاوز ذلك إلى دخول العلاقات التاريخية بين الحليفين التاريخيين «أوروبا وأمريكا» إلى مرحلة شائكة وبالغة التعقيد. الأزمة بين ترامب وأوروبا ليست جديدة. منذ ولايته الأولى وهو لا يخفى نظرته إلى الاتحاد الأوروبى بوصفه منافساً لا حليفاً، وتقديره بأن «الناتو» عبء على أمريكا وحدها. فى الولاية الثانية تعقدت الأزمة على خلفية حرب أوكرانيا بالإضافة إلى حروب الجمارك والتدخل الأمريكى لدعم أحزاب أقصى اليمين الأوروبية، لينتهى الأمر مع استراتيجية أمريكية رسمية مُعلنة ترى أن أوروبا ليست سوى حضارة إلى زوال مُؤكد!! الآن تدخل علاقات الحليفين التاريخيين فى مرحلة جديدة. الرئيس الفرنسي ماكرون يشير قبل أيام إلى ضرورة أن ترد أوروبا على ما أسماه «الاستعمار الجديد» الذى يهدد أوروبا نفسها، مؤكداً على ضرورة تعزيز «الاستقلال الاستراتيجى» لأوروبا فى مواجهة الولاياتالمتحدة والصين.. بالإضافة إلى روسيا التى تشتبك مع أوروبا اشتباكاً عنيفاً فى أوكرانيا. هذه اللهجة غير المسبوقة التى تخشى من تقسيم العالم بين القوى الكبرى على حساب أوروبا وبقية العالم ليست مقصورة على ماكرون. الرئيس الألمانى «شتا ينماير» يتخلى عن التحفظ الألمانى ويحذر هو الآخر من تآكل النظام العالمى وانهيار القيم الديموقراطية من جانب «أهم شريك فى بناء هذا النظام!!» ويحذر من تحول العالم إلى «وكر لصوص» كما يقول، حيث يأخذ الأقوى ما يريد دون احترام القواعد!! لم يعد الأمر «بالنسبة لأوروبا» مصير «الناتو» الذى انتهى فى الواقع ولا التحالف الغربى الذى انتهى، وإنما مستقبل القارة العجوز التى تدرك الآن أنها لن تجد لها مكاناً فى عالم الغد بدون تحقيق الاستقلال الاستراتيجى وامتلاك القوة الذاتية التى تحفظ أمنها وتؤمن مصالحها. تأخرت أوروبا كثيراً فى إدراك هذه الحقيقة الأساسية حتى وصل بها الأمر إلى أن أصبحت تشكو الآن «بلسان قيادتها السياسية الفرنسية» من «الاستعمار الجديد» وتحاول التصدى له وهى تودع حلف «الناتو»، وتودع معه ما كان ذات يوم قريب تحالفاً تاريخياً مع الأخ الأكبر الذى اختار طريقاً آخر قد يؤدى إلى صدام لم يكن مُتصوراً بين إخوة أعداء!!