بعد عقود من الصمت داخل خزائن التاريخ، يعود أحد أندر الشواهد الملكية في مصر القديمة ليتصدر المشهد من جديد، حاملاً معه حكاية ملك عظيم وفريق علمي أعاد للذهب بريقه دون أن يمس روح الزمن المحفوظة فيه. أعاد المتحف المصري بالقاهرة عرض القناع الذهبي للملك بسوسنس الأول، عقب الانتهاء من برنامج علمي متكامل شمل الفحص والترميم والإعداد للعرض المتحفي، نفّذه فريق الترميم وصيانة الآثار بالمتحف وفق أحدث المعايير العلمية الدولية المتبعة في مجال الحفاظ على التراث. اقرأ أيضًا | إلى قلب التاريخ| دليلك الشامل لاكتشاف أسرار المتحف المصري بالقاهرة| صور وجاءت إعادة تقديم القناع بعد سلسلة من الإجراءات الدقيقة، تضمنت فحوصًا وتحليلات باستخدام تقنيات غير متلفة، هدفت إلى دراسة مكونات الذهب والتطعيمات النادرة بدقة علمية عالية، إلى جانب أعمال تنظيف وترميم متخصصة سعت إلى استعادة البريق الجمالي للأثر مع الحفاظ الكامل على أصالته التاريخية وخصائصه الفنية. وامتد المشروع ليشمل ترميم التابوت الفضي للملك بسوسنس الأول، والذي يُعد من أندر القطع الأثرية المعروفة نظرًا لندرة الفضة وقيمتها العالية في عصره، وقد نُفذت أعمال الترميم في إطار تعاون علمي مشترك بين فريق المتحف المصري ومرممين فرنسيين، مع الالتزام الصارم بمبادئ الحفظ الوقائي والصيانة طويلة الأمد. وتزامنت أعمال الترميم مع تطوير شامل لقاعة العرض المتحفي التي تحتضن مجموعة «روائع تانيس»، والتي تضم حُليًا وتمائم ملكية فريدة، جرى تثبيتها بأساليب عرض حديثة تضمن أعلى درجات الأمان والحماية. وتُقام هذه المجموعة داخل القاعة التاريخية نفسها التي احتضنت كنوز الملك توت عنخ آمون لما يقرب من مئة عام، ما يمنح العرض بعدًا تاريخيًا ورمزيًا خاصًا. وتعود قصة اكتشاف مقبرة الملك بسوسنس الأول إلى فترة الحرب العالمية الثانية، وهي ظروف حالت دون حصول الاكتشاف على الاهتمام العالمي الذي يستحقه في حينه، وتأتي الجهود الحالية لتصحيح هذا الغياب التاريخي، وإعادة تسليط الضوء على أحد أبرز ملوك الأسرة الحادية والعشرين ومكانته بين عظماء ملوك مصر القديمة. ويدعو المتحف المصري بالقاهرة الجمهور لزيارة القاعات المطوّرة، والتعرف عن قرب على نتائج هذه الجهود العلمية، ومشاهدة روائع أثرية يزيد عمرها على ثلاثة آلاف عام، لا تزال تنطق بعظمة الحضارة المصرية وقيمتها الإنسانية الخالدة.