كل موسم درامي يشهد المعركة نفسها.. تصريحات، منشورات، رسائل مشفّرة، ونجوم يتصارعون على لقب لا وجود له، من محمد إمام إلى أحمد العوضي، يتحول «الأعلى أجرًا» إلى سلاح دعائي فارغ، بينما تُدار اللعبة الحقيقية بعيدًا عن الجمهور، الذي وحده يملك حق الحسم. في كل موسم درامي وتحديدًا مع اقتراب سباق رمضان يعود إلى الواجهة سؤال يبدو بسيطًا فى ظاهره، لكنه ملغوم فى جوهره: من هو الفنان الأعلى أجرًا؟ سؤال تحوّل بمرور السنوات من فضول مهنى مشروع إلى أداة دعائية، ومن مؤشر نجاح نسبي إلى وهم جماعي يتصارع عليه النجوم عبر المنصات الرقمية. الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن لقب «الأعلى أجرًا» لا يُمنح بقرار، ولا يُثبت بمنشور، ولا يستقر عند اسم واحد. الأجور في الدراما المصرية بصفة خاصة، والعربية بصفة عامة، متغيرة، ومرتبطة بعوامل متعددة: طبيعة العمل، حجم الإنتاج، عدد الحلقات، توقيت العرض، المنصة المنتجة، ونوع التعاقد، بل وأحيانًا بالعملة نفسها. لهذا، فإن إعلان أى فنان أنه الأعلى أجرًا هو في الأغلب حقيقة جزئية، أو حالة استثنائية فى عمل بعينه، لا قاعدة عامة تصلح للتعميم. ◄ «شرارة العوضي» بدأت أزمة «الأعلى أجرًا» عقب ظهور أحمد العوضي فى بث مباشر، أعلن خلاله صراحة أنه الفنان الأعلى أجرًا والأكثر مشاهدة، مستندًا إلى نجاح مسلسله «فهد البطل»، قبل أن يعيد التأكيد على التصريح نفسه خلال لقائه مع الفنانة إسعاد يونس فى برنامج «صاحبة السعادة". التصريحات لم تمر مرور الكرام، إذ سرعان ما تحولت إلى مادة للنقاش والردود غير المباشرة من عدد من النجوم، وسط تساؤلات متزايدة حول معايير «الأعلى أجرًا» و«الأكثر مشاهدة» فى دراما رمضان. ◄ اقرأ أيضًا | سهير المرشدي: أحمد العوضي لازم ياخد باله من كلامه لأن الفنان قدوة ◄ «سخرية إمام» في خضم الجدل اختار محمد إمام الدخول على الخط برسائل حملت مزيجًا من الجدية والمزاح، عبر حساباته الرسمية، مؤكدًا أن ما نُشر مؤخرًا لم يكن موجهًا إلى فنان بعينه، بل يندرج فى إطار عام يشمل جميع المنافسين فى الموسم الرمضانى. وقال إمام فى رسالته الأولى: «أنا مش عارف ليه فى ناس فهمت إن أنا نزّلت بوست لشخص محدد، أنا عامله ليهم كلهم»، مؤكدًا أنه لا يضع نفسه فى منافسة مباشرة مع أى شخص، وهو مبدأ نشأ عليه منذ طفولته. وأضاف موضحًا: «عمرى ما حطيت حد فى دماغى ولا هحط، وده اللى اتعلمته من أبويا إنى أكون ابن أكبر نجم فى التاريخ ووصلت للى أنا فيه دلوقتى، ده ماكانش سهل، وبحمد ربنا عليه كل يوم." واختتم حديثه برسالة تقدير للجمهور، معتبرًا أن المنافسة الصحية تصب فى مصلحة المشاهد أولًا وأخيرًا. ◄ «رسالة ثانية» ولم تمضِ ساعات حتى عاد محمد إمام برسالة ثانية حملت نبرة ساخرة، قال فيها: «خلاص يا جماعة بطلوا عياط، ماحصلش حاجة، كلكم أعلى أجور وأعلى مشاهدة وأعلى كل حاجة، سيبونا نشتغل فى هدوء بقى علشان مفيش وقت". تصريحات العوضى فتحت الباب أمام ردود أفعال متباينة من الجمهور وبعض الفنانين، إذ اختار البعض الرد بمنشورات غير مباشرة تؤكد أنهم الأعلى أجرًا، من بينهم ياسمين عبد العزيز، بينما فضّل آخرون الابتعاد عن السجال تمامًا، مثل أحمد السقا. أما أحمد العوضى فقد اكتفى برد مقتضب نشر خلاله صورة له، وعلّق عليها قائلًا: «الأعلى "أ" والأعلى "م"... أحلى مسا على إخواتى". لم يتأخر رد محمد إمام، إذ عاد بمنشور ساخر قال فيه: «واضح إن الكينج حارق ناس كتير أوى، بس مش مهم". ◄ «الجمهور منقسم» وتباينت آراء الجمهور بين مؤيد لهذا الطرف أو ذاك؛ إذ رأى جمهور أحمد العوضى أنه بالفعل من أكثر النجوم نجاحًا ومشاهدة خلال الفترة الأخيرة، بينما طالب عدد من محبى محمد إمام نجمهم بعدم الانسياق وراء هذه السجالات. وأشار بعض المتابعين إلى أن الزعيم عادل إمام لم يكن يومًا طرفًا فى مثل هذه المقارنات، معتبرين أن سر مكانته كان دائمًا فى ترك الحكم للجمهور، لا للأرقام أو التصريحات. خلال السنوات الأخيرة خرج أكثر من نجم بتصريحات مباشرة أو غير مباشرة تؤكد تصدره قائمة الأجور أو نسب المشاهدة. من أحمد العوضي الذى ربط اللقب بنجاح مسلسل بعينه، إلى ياسمين عبد العزيز التى لمّحت إلى مكانتها التعاقدية، مرورًا بمحمد إمام الذى أعاد توجيه البوصلة نحو اسم والده عادل إمام، باعتباره «المرجع الأعلى» الذي لم ينافسه أحد. ◄ «نغمة قديمة» وقبلهم، لم تغب هذه النغمة عن نجوم الصف الأول مثل أحمد السقا، كريم عبد العزيز، أمير كرارة، تامر حسنى، ويحيى الفخرانى، وإن اختلفت طرق التعبير بين تصريح صريح أو صمت محسوب. المفارقة أن الأجر المرتفع لا يعنى بالضرورة النجاح الأكبر، ولا المشاهدة الأعلى. فكثير من الأعمال ذات الميزانيات الضخمة لم تحقق الصدى الجماهيرى المتوقع، فى مقابل مسلسلات بأجور أقل صنعت تأثيرًا أكبر وانتشارًا أوسع. المعادلة الحقيقية لم تعد: «كم تقاضى النجم؟»، بل: هل تصدر العمل النقاش العام؟ ◄ هل امتلك حضورًا طويل الأمد؟ ◄ هل بقى في ذاكرة المشاهد بعد انتهاء الموسم؟ في قلب هذا الجدل يظل اسم عادل إمام حاضرًا كنموذج مضاد تمامًا لفكرة التنافس على اللقب. فالزعيم لم يعلن يومًا أنه الأعلى أجرًا، ولم يدخل فى مقارنات، ومع ذلك كان الأعلى تأثيرًا، والأكثر بقاءً، والأوسع جماهيرية. مكانته لم تُصنع بالتصريحات، بل بالزمن، وهو ما يفسر لماذا يستدعى الجمهور اسمه كلما اشتعل هذا النوع من السجالات. ما كان يمكن لمثل هذا الجدل أن يتضخم لولا منصات التواصل الاجتماعى، التى حولت أى تصريح إلى «معركة»، وأى مزاح إلى «رسالة مشفّرة»، وأى رقم إلى مادة استقطاب. السوشيال ميديا لا تصنع النجومية، لكنها تضخمها، ولا تمنح الألقاب، لكنها تفرض تداولها. ◄ «الحكم الأخير» في النهاية، لا توجد قائمة رسمية معلنة، ولا جهة محايدة تصدر لقب «الأعلى أجرًا». وحتى لو وجدت الأرقام، فهى تظل مؤقتة، قابلة للتغير مع كل موسم. الحكم الوحيد الذى لا يتغير هو الجمهور: من يتابعه، من ينتظر عمله، ومن يعود إليه بعد سنوات. أما الألقاب، فتبقى ضجيجًا موسميًا يعلو قبل رمضان، ويختفى بعده. قصة محمد إمام والعوضى لم تكن استثناءً، بل حلقة جديدة فى سلسلة ممتدة، تعكس كيف تحوّل «الأجر» من شأن مهنى خاص إلى أداة استعراض عام، وكيف أصبحت السوشيال ميديا منصة لتصفية حسابات رمزية لا علاقة لها بجودة الفن. ما جرى بين محمد إمام وأحمد العوضى يؤكد أن لقب «الأعلى أجرًا» ليس سوى وهم مؤقت، يشتعل مع «التريند» ويخبو مع انتهاء الموسم. أما القيمة الحقيقية، فلا تُقاس بمنشور، ولا تُحسم بتصريح، بل بما يبقى بعد أن يصمت الجميع.