أحمد عبد اللطيف ثمة نص ينطلق من الخوف، كأن ترى جثةً أمامك ويطلبون منك أن تكتب ما تشاهده، لكن التوثيق فى هذه الحالة لا يكون لتشريح الجسد البشرى الفانى، بل لمشاعر الخوف المصاحبة هكذا تبدو بالتحديد مجموعة زهير كريم الجديدة «تنويعات إيقاعية على الطبل»، بهذا العنوان المخاتل، إذ ضرب الطبل يحيل إلى معنيين متناقضين: العُرس والحرب، ولو أننا تأملنا فى التراث الجمعى لأنتبهنا إلى استخدام كلمة «معركة» فى المعجم الذكورى لليلة العرس، كأنه مُستعار من معركة أخرى تُراق فيها الدماء لأسبابٍ مختلفة، لكنها تروم انتصارًا ما. غير أن طبول زهير بدقاته المتتابعة، من قصة لقصة، ترسم صورة تراجيدية لعالم اختار لنفسه الفناء، أو لأفراد فُرِض عليهم فناء من نوع خاص: قتلى، مسحوقون، أشلاء. يقسّم الكاتب العراقى مجموعته، الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون»، إلى ثلاثين حركة، كل منها توثيق شاعرى (بما فى الشاعرية من قسوة)، وكل منها «ما وراء مشهدى»، إذ تأتى القصص فى مجملها لا لتسرد أحوال الحرب وما تخلّفه من أشلاءٍ، بل لرسم لوحة يتداخل فيها الملموس والمجرّد، الواضح والسوريالى، حتى يبدو، ومن القصة الأولى، أن سعى الكاتب ليس توثيق الحرب، إنما السخرية منها، نوع من السخرية المولّدة من التأمُّل والناتجة عن خبراتٍ طويلة فى معارك مماثلة هذا الانحياز الفنى يعكسه العنوان نفسه، إذ استعار قرع الطبول للكناية عن الحرب، كما يستعير فى قصصه تركيب جثة من أعضاء جنود مختلفين ليخرج تصريح الدفن وتنتقل من أرض المعركة للمثوى النهائى، فى تصور فرانكشتاينى مأسوى وعميق. ثمة دلو خشبى سرقه جنود مدينة مودينا من مدينة بولونيا كان سببًا فى حرب امتدت 12 عامًا؛ ثمة جندى تلقى تكليفًا بتسليم جثة رفيقه إلى المقابر العمومية فيتسلمها مشكّلة من عدة أعضاء؛ ثمة جندى وجد نفسه فى معركة لا يفهم سببها، وكتيبتان تتحاربان طوال الليل ليأتى الصباح على جثث من العميان. ما بين أسماء عربية وأخرى أجنبية، ومعارك بالبنادق والطائرات والقذائف وأخرى يؤديها فرسان على خيول، يرسم زهير كريم خريطة بانورامية، ذات مغزى فى الوقت نفسه، لتاريخ الحروب البشرية غير أن ما يجمع تلك الحروب مشاهد النهاية، إن المنتصر والمهزوم مجرد جثثٍ ملقاة فى أرض المعركة، ومن ورائهم قادة لم يواجهوا الموت ولم يحزنوا على الموتى، كأن الموت مصير طبيعى يجب أن يلقاه الجنود. بهذه الآلية، آلية الجراح الذى يستأصل ورمًا، يعامل قادة زهير كريم جنودهم، حتى لو كانوا لا يعتبرونهم ورمًا بقدر ما هم مشرط مستخدم. الاستعارة، فى شكلها البورخسى، فى تبنيها الأقنعة، تمتد على طول القصص، ولعل عبارة «ما يحدث هو أن يضع المرء قناعًا، بينما الصورة الأصلية تحت القشرة مباشرةً»، من قصة «الفهد»، ورغم أنها، وربما لذلك نفسه، تأتى على لسان محارب محترف، هى تمثيل للمنحى الجمالى لمجموعة «تنويعات»، إذ ثمة مستوى لجندى يحارب تحته مستوى آخر لرفيق يتألم، وابن يفتقد عائلته، وزوج يفتقد زوجته، ثمة إيمان وعقيدة بقضية وتحتها، متواريًا، شعور بالعبث واللاجدوى. وجوه متجهمة وقاسية من ورائها عيون باكية. بالطريقة نفسها، اختار الكاتب العراقى لغة تبدو تقريرية فى سردية الحرب، ووراء هذه التقريرية شاعرية لا تتوارى، مهما حاولت، فى العبارات الوصفية. فى الحركة الأخيرة «نجوت كى أروى» جندى قادوه إلى ملجأ صغير محفور فى ساتر ترابى، وهناك بقى حتى انتهت الحرب بعد سنوات. هذا النوع من الحبس كان نجاته، ومنه جاءت قصص الخوف. حتى فى ذلك، كان الراوى مقنّعًا.