د. طارق فهمى يكشف التدخل الأمريكى اللافت فى فنزويلا، والإطاحة بحكم الرئيس مادورو مقدمة لما هو قادم فى المنظومة الإقليمية والدولية والتى يكشف بقوة عن حجم التناقضات الكبرى التى تعمل بها إدارة الرئيس ترامب الذى كان ساعيا للحصول على نوبل للسلام فإذ به يعود بالولاياتالمتحدة لسنوات طويلة قامت بها الإدارات الأمريكية سيئة السمعة فى إسقاط الأنظمة، وإحلالها بأنظمة بديلة لا تتماشى مع المنطق الأمريكى وهو الأمر الذى لم يقتصر على أمريكا اللاتينية بل امتد إلى دول عديدة فى العالم، والتى دمرت دولا بالكامل مثلما جرى فى الحالة العراقية الفجة وغيرها من الحالات. تنصب الإدارة الأمريكية نفسها قائدا ورئيسا لما يعرف بالنظام الدولى أحادى القطبية والذى للأسف على قوة الولاياتالمتحدة وفق حسابات القوة الشاملة فى مواجهة النظام متعدد الأقطاب التى تسعى كل من الصين وروسيا لإقراره، والدعوة إلى وجوده فى ظل هيمنة أمريكية لافتة على مقاليد الأوضاع فى العالم وهذا مكمن الخطورة لهذا النظام التى تعمل الولاياتالمتحدة على إقراره، والتحرك من خلاله لتحقيق أهدافها فى العالم. فالصراع فى فنزويلا ليس صراعا على الموارد وخاصة النفط فقط، بل صراع على المكاسب الكبرى، والتعاملات المباشرة للأمن القومى الأمريكى حيث لا دور محتملا لروسيا أو الصين فى دعم أى نظام فى أمريكا اللاتينية، أو خروج عن القواعد الناظمة لنمط العلاقات الأمريكية مع دائرة نفوذها السياسى والاستراتيجي، وعدم السماح لأى قوة بالخروج وتغيير الواقع ولهذا كان القرار الأمريكى بإنهاء حكم مادورو منعًا لتكرار التجربة والرسالة الأولى إلى كل من كوبا وكولومبيا ما يؤكد على أن الإدارة الأمريكية الراهنة لن تتخلى عن منطق القوة أو الخروج عن مبدأ مونرو الشهير بل تأكيد على ثوابت التعامل الأمريكى مع أى قوة يمكن أن تمثل تحديًا أو خروجًا عما تخطط له السياسة الأمريكية، وهو ما تدركه الأنظمة الحاكمة فى أمريكا اللاتينية وتتفهم أبعاد العلاقات مع الولاياتالمتحدة أيا كانت الإدارة التى تحكم. ومن ثم فإن ما يجرى جزء من مقاربة قديمة للولايات المتحدة، وتكررها الإدارات المتعاقبة بأن أى نظام سيخرج عن الإطار ستسقطه الولاياتالمتحدة بالفعل خاصة أنه لا سماح بتحدى الرئيس الأمريكى ترامب أو إدارته تحت أى مسمى وهو ما جرى وتعاملت معه الولاياتالمتحدة بحزم كامل وموقف مباشر. ما جرى فى فنزويلا قد يجرى لاحقا فى أنظمة أخرى على رأسها إيران والتعامل مع الحالة الإيرانية يتم بالتنسيق مع إسرائيل ولعل هذا الأمر يفسر سر إعلان الموساد علانية -على غير ما كان يجري- بأنه يحفز الشعب الإيرانى ويؤكد على دعمه المباشر لتوجهاته وأنه على الخط دائما معهم وفى المقابل يستمر الرئيس الأمريكى داعيا الشعب الإيرانى للتغيير من الداخل ووكلاء المخابرات الأمريكية والموساد يعملان فى الداخل الإيرانى فى إطار العمل التدريجي. ولعل خطورة ما تقوم به السياسة الأمريكية فى الوقت الراهن وهو شرعنة استخدام القوة وتوظيفها لتحقيق مصالح الولاياتالمتحدة وهو ما سيعطى دولا مثل إسرائيل مارقة للقانون الدولى أن تستمر فى جرائمها تجاه الشعب الفلسطيني، والخروج بقوتها العسكرية لتحقيق أهدافها فى الجنوب السورى وفى لبنان مع تغيير معالم الضفة الغربية، وإقرار استخدام القوة العسكرية فى حل وتحليل الصراع السياسى فى الشرق الأوسط بأكمله ما قد يولد حالة من المواجهات المقبلة ليس على مستوى الدول الرافضة وإنما على مستوى التنظيمات الإرهابية التى تعود مرحليا إلى المشهد انطلاقا من موجة جديدة لعودة الإرهاب مجددًا ردًا على ما تقوم السياسة الإسرائيلية المدعومة أمريكيا ما قد يؤدى إلى مزيد من الصراعات الجديدة التى ستهدد أمن العالم والشر ق الأوسط جزء كبير منه الأمر الذى يجب التعامل معه بجدية من دول المجتمع الدولى بأكمله، وليس استقواء بدور صينى أو روسى أو أوروبي، فالسياسة الأمريكية تعمل الآن فى ظل حسابات انفرادية ومطامع كبري. وبرغم ما تظهره من رغبة فى أن تنهى الحرب فى غزة والسعى للتوصل إلى تسوية فى الأزمة الروسية الأوكرانى إلا أن ما يجرى على جانب آخر واستخدام القوة فى إسقاط نظام مادورو فى فنزويلا يؤكد على ازدواجية المعايير التى تطبقها الولاياتالمتحدة فى العالم. أين إذن دور الأممالمتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية مما يجرى خاصة أن الولاياتالمتحدة وإسرائيل سبق أن رفضت دخول الأممالمتحدة شريكا فى مفاوضات غزة أو إفساح المجال لدور فى تسوية الأزمة الروسية الأوكرانية، وأصبحت الأممالمتحدة كيانًا غير مؤثر وتنظيمًا ضعيفًا لا وجود له. ومن ثم فإن استمرار هذا النهج العدوانى للولايات المتحدة سيؤدى إلى تأثيرات دولية عميقة وخطيرة فى إطار ما يجرى من ممارسات غير مشروعة وسياسات تخالف النظام الدولى ما قد يؤدى إلى تداعيات غاية فى الخطورة، فالأمر لن يقتصر على غزة أو أوكرانيا أو فنزويلا بل سيمتد إلى دول أخري، وفى ظل حالة من الفوضى العارمة التى ستعم العالم بأكمله حال دخول التنظيمات الإرهابية على الخط ولتتحمل إدارة ترامب، وسياسات نتنياهو النتائج المتوقعة لما سوف يجرى.