محمد إسماعيل لفترة ليست قصيرة، ارتبط الحديث عن الدراما التلفزيونية المصرية بانتقادات متكررة حول تشابه الموضوعات، واستسهال الحكايات، والاعتماد على قوالب جاهزة يتم تدويرها من موسم إلى آخر. هذه الانتقادات لم تكن موجهة إلى الممثلين أو شركات الإنتاج بقدر ما كانت تستهدف كتاب السيناريو، وتضعهم في دائرة الضوء باعتبارهم الحلقة الأهم في الصناعة، ولدورهم في فتح أبواب كثيرة لموضوعات ليست مطروقة ولا يعلم عنها أحد. لكن مع المواسم الدرامية الأخيرة، وبالتحديد خلال العام المنصرم 2025، بدأ يتردد سؤال مختلف في الأوساط النقدية: هل تغيرت الدراما؟ وهل استطاع كتاب السيناريو الخروج من تلك الدائرة المغلقة والمكررة، والاقتراب مرة أخرى من المجتمع وطبقاته المتعددة، بتناقضاته وتحولاته؟ «أخبار النجوم» طرحت هذا السؤال على عدد من النقاد، إلى جانب سؤال آخر: ما الفرق بين هذا العام والأعوام السابقة؟ وهل هناك جوانب سقطت سهوًا تحتاج إلى التركيز عليها في الفترة الماضية؟ في البداية تقول الناقدة ماجدة موريس إن التغير الأبرز في كتابة السيناريو خلال الفترة الأخيرة يتمثل في عودة كتاب السيناريو إلى العالم الحقيقي، فبعد سنوات من الاعتماد على موضوعات مستهلكة، أو معالجة القضايا من سطحها الخارجي، بدأت النصوص تتعمق أكثر في التفاصيل الإنسانية، وتقترب من الشخصيات باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من المجتمع. المجتمع عنصر فاعل وتضيف موريس أن عددًا من المسلسلات الحديثة لم يعد يتعامل مع المجتمع باعتباره مجرد خلفية للأحداث، بل بوصفه عنصرًا فاعلًا داخل الدراما، ومنها العلاقات العائلية، والتحولات الاقتصادية، والضغوط النفسية اليومية، التي أصبحت جزءًا من التكوين الدرامي، كما ظهر بوضوح في أعمال مثل «كتالوج» و«لام شمسية»، حيث انطلقت الحكاية من واقع اجتماعي مألوف، لكنها قدمت برؤية إنسانية عميقة. وترى موريس أن هذا التحول يعكس وعيًا لدى كتاب السيناريو بأن الجمهور بات أكثر حساسية تجاه الصدق، وأكثر قدرة على التمييز بين الحكاية المصنوعة والحكاية النابعة من الواقع. هذا الوعي دفع كثيرًا من الكتاب إلى إعادة النظر في أعمالهم، والبحث عن مساحات جديدة داخل المجتمع، سواء من خلال شخصيات نسائية أكثر تعقيدًا، أو عبر طرح قضايا لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي في السابق. وتؤكد ماجدة موريس أن الملفت للنظر في عدد من المسلسلات التي عرضت في المواسم الأخيرة وصولًا إلى 2025 هو قدرة السيناريو على التقاط التحولات الاجتماعية دون افتعال زائد عن الحد أو مبالغ فيه، فبعض الأعمال الحديثة لم تعد تنظر إلى المجتمع باعتباره طبقة واحدة، بل قدمت شرائح مختلفة وهمومًا متعددة، كما ظهر في مسلسلات مثل «ولاد الشمس» و«ورد وشيكولاتة». أما مسلسلات الأجزاء أيضًا، فانطلقت الحكايات فيها من واقع معاصر، لكنها صيغت برؤية درامية تعتمد على التطور التدريجي للشخصيات، مثل «المداح: أسطورة العهد» و«كامل العدد» الجزء الثالث. وتضيف موريس أن المسلسلات كشفت عن اهتمام واضح بتفاصيل العلاقات الإنسانية، سواء داخل الأسرة أو في محيط العمل، وهو ما منح النصوص قدرًا أكبر من الصدق، كما أن الكتابة في هذه المسلسلات لم تعتمد على الصراع وحده، بل على التوتر الداخلي للشخصيات. وتؤكد موريس أن بعض النصوص في موسم 2025 نجحت في تقديم شخصيات نسائية مكتوبة بعمق، بعيدة عن النمطية، وقادرة على قيادة الحكاية بنفسها، لا بوصفها عنصرًا مساعدًا للبطل الرجل. هذا التطور مؤشر على أن كتاب السيناريو أصبحوا أكثر استعدادًا لمواكبة التحولات الواقعية داخل المجتمع، كما في أعمال مثل «إش إش» و«لام شمسية». رهان على البناء من جانبه، يقول الناقد أحمد سعد الدين إن أزمة الدراما في فترات سابقة كانت مرتبطة بمنطق التكرار الآمن، حيث يلجأ الكاتب إلى موضوعات أثبتت نجاحها، مع تغييرات شكلية لا تمس جوهر الحكاية. هذا المنطق خلق حالة من التشابه جعلت عددًا من الأعمال تفقد تأثيرها سريعًا. فما نشهده حاليًا هو بداية تحرر من هذا المنطق، خاصة مع ظهور أعمال راهنت على البناء الدرامي طويل النفس، والشخصيات المركبة، مثل «سيد الناس» و«حكيم باشا»، حيث لم يكن الرهان على الموضوع فقط، بل على السياق التاريخي والاجتماعي، وعلى تطور الشخصيات. ويشير سعد الدين إلى أن كتاب الدراما أصبحوا أكثر استعدادًا للاستماع إلى المجتمع، لا مجرد مراقبته من الخارج، وهذا الاستماع انعكس في نصوص تناولت قضايا معاصرة بهدوء وعمق، مما منحها قدرة أكبر على الاستمرار والتأثير، كما ظهر في مسلسل «كارثة طبيعية»، الذي قدم نموذجًا مختلفًا للدراما الاجتماعية من خلال تفاصيل الحياة اليومية. ويرى سعد الدين أن هذا التطور مرتبط أيضًا بتغير ذوق الجمهور، الذي أصبح أكثر اطلاعًا، وأكثر قدرة على المقارنة، إضافة إلى إصابته بالملل من التكرار، وهو ما فرض على الكاتب أن يطور أدواته ويعيد التفكير في علاقته بالمشاهد، الذي أصبح شريكًا في التجربة لا متلقيًا سلبيًا. ويؤكد سعد الدين أن بعض الأعمال التي تعتمد على التسلسل الدرامي أجبرت كتاب السيناريو على الاهتمام بالزمن الدرامي وعدم استعجال الأحداث، فالمشاهد لم يعد يرضى بالأحداث المتناقصة أو غير المنطقية نتيجة التسرع في طرحها دفعة واحدة، بل يمنح فرصة لفهم الدوافع والخلفيات، وهو ما يخلق علاقة أعمق مع النص. أما الناقد محمود قاسم، فيعتبر أن أهم ما استعادته الدراما المصرية مؤخرًا هو القصة نفسها، فبعد فترة طغى فيها الاهتمام بالإيقاع السريع وتصاعد الأحداث على حساب السرد، بدأت بعض المسلسلات تعود إلى جوهر الدراما، وهو تسلسل القصة، وشخصيات تنمو، وصراع يتطور بشكل طبيعي. عودة الثقة ويرى قاسم أن كتاب السيناريو اليوم أصبحوا أكثر وعيًا بخطورة التضحية بالبناء الدرامي لصالح السعي وراء الأحداث، فالمشاهد لا يتفاعل فقط مع ما يحدث، بل مع كيفية حدوثه، ومع المسار الذي أخذته الشخصيات. هذا الوعي ظهر في أعمال مثل «وتر حساس» الجزء الثاني و«مملكة الحرير»، حيث اعتمدت الحكاية على تطور العلاقات والصراعات، وليس فقط على المفاجآت. ويشير قاسم إلى أن هذا الاتجاه سمح بظهور شخصيات أكثر إنسانية وأقل نمطية، بعيدة عن الأدوار الجاهزة، إضافة إلى شخصيات تحمل تناقضاتها وتتغير مع الأحداث، وهو ما أعاد الثقة في السيناريو باعتباره عنصرًا أساسيًا في نجاح العمل، وليس مجرد خيط ضعيف، أو اعتمادًا حصريًا على البطل كما كان يحدث من قبل. ويؤكد قاسم أن عددًا من المسلسلات الحديثة نجح في توظيف المجتمع نفسه كجزء من الحكاية، لا مجرد مسرح للأحداث، من خلال توظيف ما يحدث في الشارع والبيت ومكان العمل، وهي عناصر أصبحت ركنًا أساسيًا في الدراما الحقيقية، والاهتمام عبر السيناريو بالتصوير في تلك الأماكن الحقيقية التي تؤثر في الشخصيات وتتأثر بها، كما ظهر بوضوح في «ولاد الشمس» و«فهد البطل»، حيث كان المكان جزءًا من الصراع، لا خلفية فقط. ويرى قاسم أن هذا التطور لم يكن ليحدث لولا تغير نظرة الكاتب إلى دوره، فبدل السعي وراء «الفكرة الصادمة» فقط، أصبح التركيز على كيفية سرد الفكرة وبنائها دراميًا، وربطها بسياق اجتماعي واضح. هذا ما جعل بعض الأعمال تُناقش على نطاق واسع، ليس بسبب أحداثها فقط، بل بسبب أسئلتها المفتوحة. دور البيئة ويضيف قاسم أن المكان أيضًا أصبح عنصرًا سرديًا فاعلًا في المسلسلات، حيث لعبت البيئة الاجتماعية دورًا أساسيًا في تشكيل الصراع، لا مجرد خلفية للأحداث. هذا التوظيف الواعي للمكان منح النصوص مصداقية، وجعلها أكثر ارتباطًا بالواقع، مؤكدًا أن هذا التحول في الكتابة لا يرتبط فقط بتغيير الموضوعات، بل بتغيير طريقة التفكير نفسها، فكاتب السيناريو أصبح يبحث عن الحكاية القادرة على الصمود، وعن شخصيات يمكن للمشاهد أن يتذكرها بعد انتهاء العرض، كما كان يحدث مع مسلسلات الزمن الجميل، مثل «لن أعيش في جلباب أبي» و«ليالي الحلمية» و«الشهد والدموع»، وهو ما أعاد للسيناريو مكانته كقلب العمل الدرامي، لا مجرد وسيلة للوصول إلى الحدث. اقرأ أيضا: الذاكرة الرمضانية للمشاهدين l مسلسل « بوابة الحلوانى » .. من هنا صدقت