لم يكن الجدل المُثار حول فيلم الست مجرّد اختلافٍ طبيعى فى الذائقة الفنية، بل تحوّل سريعًا إلى حالة من الاستقطاب، والاستلاب الفكري، بلغ حدّ الاتهام والتخوين، بل وصل عند البعض إلى نوع من الهستيريا الأخلاقية، وكأن إبداء الرأى فى عمل فنى صار جريمة أخلاقية تستوجب المحاكمة الشعبية، ويُستبدل فيها النقاش بمحاكم تفتيش فكرية، وتُمنح صكوك الوطنية والضمير لمن يصرخ أكثر، لا لمن يفكّر أعمق. اقر أ أيضًا | «الست» و«الملحد» و«طلقني» أفلام أثارت الجدل إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس فيلماً، ولا مقالًا، ولا رأيًا مختلفًا، بل هذا الاستسهال المرعب فى توزيع الاتهامات، وهذا الشغف بتلويث السمعة بدلًا من مناقشة الفكرة هنا لا نتحدث عن رأي، بل عن إرهاب فكري، وعنف معنوى يُمارس تحت لافتة الغيرة على الفن، وهو فى حقيقته عداء لفكرة الاختلاف ذاتها. ما جرى لم يكن خلافًا نقديًا طبيعيًا، بل انفجار لطبقة من الغضب المتراكم، اختارت أن تُسقط فشلها فى الحوار على كل من رأى فى العمل جمالًا أو قيمة فنية. وكأن الثقافة تُدار بمنطق بلاغات الشرطة لا بمنطق الفكر. أن يختلف المرء مع عمل فني، فهذا حق أصيل لا جدال فيه، لكن أن يتحول الاختلاف إلى تشكيك فى الضمائر والذمم، واحتكار الفضيلة، والوصاية الأخلاقية، فذلك يكشف أزمة وعى لا يحتمل التعدد، وعقل يرفض الاعتراف بأن الجمال ليس قالبًا واحدًا، ولا الحقيقة رأيًا مفردًا. من يتوهم أن رأيه هو المعيار الوحيد للصواب، لا يدافع عن الفن، بل يصادره، ويغلق أبوابه باسم الفضيلة، واللافت أن هذا الخطاب لا يكتفى برفض العمل، بل يشيطن كل من يراه من زاوية مختلفة، ويستحضر الأخلاق كعصا، والدين كشعار، والتراث كسوط، ثم يلوّحون بعبارات من نوع «شرف الكلمة»، «الضمير»، «الحق»، بينما يمارسون أقسى أشكال الاغتيال المعنوي، بلا دليل وبلا خجل.. هنا يصبح الاتهام أسهل من التفكير، والصراخ بديلًا عن الحجة. لقد كشفت هذه العاصفة الإلكترونية عن مفارقة لافتة: جمهور يزعم الدفاع عن أم كلثوم، بينما يفتقد أبسط ما مثّلته من رقى وسمو فى الاختلاف. أم كلثوم التى يتشدّقون بالدفاع عنها، لم تكن تمثالًا من زجاج، بل تجربة إنسانية حيّة، مليئة بالصعود والانكسار، قابلة للقراءة والنقد، لم تطلب وصاية، ولم تُصنَّف يومًا كرمز معصوم، بل كقيمة فنية كبرى تتسع للاختلاف. ولعل ما نعيشه اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لعطب قديم فى الوعى الجمعي، التقطه مبكرًا المفكر الكبير توفيق الحكيم، حين كتب فى مقاله «الحرب بكل الأسلحة»: «من الكوارث التى نُكبت بها مصر، هذا الغلو والإغراق فى الخصومات، فإذا اختلفنا على رأى فنحن أفيال هائجة تدوس كل شيء وتحطم كل شيء.» وكأن الحكيم يكتب عن حاضرنا لا عن زمنه، فالمشهد واحد، واللغة ذاتها، والاندفاع الأعمى هو ذاته، فقط تغيّرت المنصات وتبدلت الأصوات. المفارقة أن كثيرين ممن تصدّروا مشهد الهجوم لم يشاهدوا الفيلم أصلًا، ولم يقرأوا مقالًا، لكنهم قرروا - بثقة مذهلة- أن يصدروا الأحكام، وأن يفتّشوا فى النيات، وأن يوزّعوا الاتهامات بالجملة، وهى اتهامات لا تقول شيئًا عن المُتَّهَم، بقدر ما تفضح قائلها، ولأن «كُلّ كلامٍ له راوي، وكل راوى له زاد»، نجد مشهد أم كلثوم وهى تدخن سيجارة، يتحول إلى زعم بتصويرها تتناول الحشيش فى الفيلم! ومشهد لومها شقيقها لكثرة شراء الأطيان الزراعية، يُفسَّر - بقدرة قادر - على أنه اتهام بالبخل!! لقد قدمت السينما العالمية أعظم رموزها بلا تزييف، ولم يعتبر أحد ذلك إهانة لتاريخهم، بل اعتبروه تكريمًا لإنسانيتهم. وكم من أفلام شهيرة تعرضت للانتقادات أو فشلت تجارياً عند خروجها، لكنها اكتسبت مكانة لاحقًا، ورسخت مكانتها كعلاماتٍ سينمائية، مثل: فيلم «الأرض» ليوسف شاهين الذى عُرض فى سبعينيات القرن الماضي، وواجه انتقاداتٍ لاذعة لكنه أصبح رمزاً للسينما المصرية، وفيلم «المومياء» لشادى عبد السلام الذى فشل تجارياً وقتها لكنه الآن يعتبر تحفة سينمائية عالمية، وهكذا يعلّمنا التاريخ أن الزمن وحده هو الناقد العادل، لا ضجيج اللحظة. إن الكثرة لا تصنع الحق، بل أحيانًا تُغرقه. والأغلبية ليست معيارًا للحكمة، وإذا كانت الأغلبية معيار الحق والحقيقة، لكان تقديس البقر فى الهند حكمة كونية! وصارت القداسة معيارًا معرفيًا!! ومن يظن أن الإجماع هو البرهان، فليتذكر أن التاريخ مليء بأغلبية صاحت، ثم اكتشفت بعد فوات الأوان أنها كانت تصرخ فى الاتجاه الخطأ. ومن يرى العالم كله «فاسداً»، غالبًا يحمل داخله مكبًا نفسيًا لا يحتمل أن يرى رأيًا لا يشبهه. ومن يشكك فى ضمائر الآخرين لأنه يختلف معهم، إنما يعكس عجزًا وارتباكًا داخليًا، ومن يعتقد أن كل رأى مخالف مدفوع الثمن، إنما يكشف عن ضيق أفق أخلاقى قبل أن يكون خلافًا فكريًا، وأن الضمير لديه لا يعمل إلا بإيصال دفع. الأزمة إذن ليست فيلمًا يُختلف حوله، بل مناخ يعتبر التفكير جريمة، والرأى المخالف خيانة، والنقد الفنى تهديدًا، ومحاولة الفهم تواطؤاً، والقراءة المختلفة رشوة، الفن يا سادة لا يُصان بالصراخ، ولا تُحمى القيم بالتخوين. ولا يُبنى الوطن بمن يرون فى كل رأى مخالف مؤامرة، وفى كل قلم خصمًا، الوطن يُبنى بالعقل، ويُحمى بالوعي.. وحين يتحول النقاش إلى محاكمة، ويصبح الرأى تهمة، والفن دليل إدانة نكون قد خسرنا الفن، وخسرنا قدرتنا على التفكير الحر، وحولنا الفن إلى صنمٍ جديد يُعبد باسم الفضيلة.